المساجد تشهد تراجعاً في أعداد المصلين.. ودعاة: لا تكونوا «رمضانيين»

alarab
تحقيقات 15 أغسطس 2013 , 12:00ص
الدوحة - محمد سيد أحمد
قبل أيام قليلة وبينما كنا في آخر أيام من شهر رمضان المبارك كان المصلون المبكرون إلى المساجد بالكاد يجدون موطئ قدم داخل المسجد من كثرة المصلين طوال الشهرالفضيل، لكن ما إن ينفض المصلون بعد أداء سنة صلاة العيد حتى يبدأ المشهد في التغير تدريجيا، ويبدأ رواد المساجد في تناقص حتى لا تكاد ترى في بعض المساجد إلا بعض المصلين الذين لا يكمل عددهم مساحة الصف الأول، وهو ما جعل العلماء والدعاة يطالبون المسلمين بالاستمرار في الاهتمام بأداء الصلوات في المساجد حتى لا يكونوا «رمضانيين» حسب تعبير أهل الفقه، فما الأسباب وراء تراجع أعداد المصلين بعد انقضاء رمضان شهر الخير والبركة . عبدالله محمد يرى أن أسباب تراجع أعداد المصلين في المساجد بعد انقضاء شهر رمضان متعددة، منها ما يتعلق بعقلية بعض المصلين مثل من يظن أن العبادة مؤكدة في هذا الشهر الفضيل، وغير مؤكدة في شهور السنة الأخرى، ومنها ما يعود لطبيعة أعمال سكان المنطقة التي يوجد بها المسجد، ناهيك عن تغير ساعات الدوام الرسمي أثناء شهر رمضان. وفيما يتعلق بالسببين الأخيرين -يضيف عبدالله- أستطيع أن أؤكد أن تغيير ساعات العمل في شهر رمضان يتيح للجميع الاستمرار في حضور الصلوات كلها في المساجد، فالمسلم وإن سهر الليل كله في انتظار أداء صلاة الفجر مع الجماعة يعي جيدا أنه سيجد فرصة للنوم مدة ساعات قبل موعد الدوام الرسمي الذي غالبا ما يكون الساعة 9 صباحا، بالإضافة إلى بقاء الجميع في مساكنهم ومنازلهم بعد صلاة الظهر حتى صلاة العشاء لعدم وجود داع للتحرك في هذا الوقت مما يجعل الكل قادرا على تأدية الصلاة في المسجد المجاور له، وهذا ما ينتج عنه كثرة رواد المساجد في شهر رمضان. وهناك فئة من الناس تحاول الالتزام في هذا الشهر الفضيل بأداء الصلوات في المساجد، لأنها تعتقد أنه شهر يجب فيه الرجوع إلى الله ويجب على المسلم أن يخصه بالتزام مختلف عن بقية الشهور، وهذه الفئة وإن كنا ندعو الله لها بالهداية إلا أنه من الأنسب أن نشجعها على هذه الأعمال، فربما تكون بدايتها مع الالتزام بالصلاة في شهر رمضان، لكننا نسمع المشايخ كثيرا ما يحذرون المسلمين من تخصيص شهر رمضان بالالتزام وعدم الالتزام بالصلاة في الشهور الأخرى، وهذا ربما يتكلم فيه أهل العلم بشكل أفضل، لكن هذه هي الأسباب في نظري. اختلاف ساعات العمل ويؤكد عبدالغني اليافعي ما ذهب إليه من قبله مشيراً إلى أن اختلاف وقت الدوام وتقليص ساعات العمل من الأسباب الوجيهة لاكتظاظ المساجد أثناء شهر رمضان وتناقص الأعداد بعده وأضاف: بالنسبة للمسجد الذي يوجد بجانبنا كان قبل أيام مكتظا بالمصلين حتى إن البعض يصلي في الشارع نظرا لوجوده في منطقة غالبية سكانها من العمال الذين تتغير ساعات عملهم في هذا الشهر، ويبقون في مساكنهم إلى ما بعد صلاة العشاء، وهذا ما يوفر لهم فرصة الصلاة في الجماعة وقراءة القرآن في المسجد، فهم يذهبون إلى أعمالهم بعد صلاة الفجر بساعة أو ساعتين، ويعودون قبل صلاة الظهر بساعة ويبقون إلى ما بعد صلاة التراويح، وهذا ما يجعل سكان المنطقة قادرين على أداء الصلوات في المسجد المجاور، لكن ما إن ينتهي شهر رمضان ويعود برنامج العمل إلى طبيعته حتى يتغير المشهد تماما حيث يتحرك العمال من مساكنهم إلى أماكن العمل بعد صلاة الفجر ولا يعودون إلا بعد صلاة الظهر أو العصر، ويسلمون أنفسهم للنوم ولا يستيقظون إلا بعد صلاة المغرب أو العشاء مما يؤثر على الأعداد التي تصلي في المسجد والتي لا تتجاوز أصحاب الدكاكين الموجودة في المنطقة، وبعض كبار السن الذين تساعدهم ظروف عملهم على المحافظة على ارتياد المسجد. المشهد يختلف بعد رمضان بدوره يرى سليمان محمد أن مشهد ومنظر المساجد يتغير تماما بعد شهر رمضان، فالجميع يلاحظ كل سنة خلال شهر رمضان المبارك أن المساجد تكتظ بالمصلين لدرجة أن بعض المساجد تكاد مساحتها لا تكفي لتلك الأعداد المتزايدة ولله الحمد، لكن للأسف الشديد بعد انقضاء الشهر الكريم وحلول عيد الفطر السعيد نجد هذا العدد الكبير قد تقلص كثيرا لدرجة أن المساجد التي تقام فيها صلاة الجماعة لا يتجاوز عدد الصفوف فيها ثلاثة أو أربعة أثناء صلاة المغرب والعشاء، أما صلاة الظهر والعصر وصلاة الفجر، فالمشهد يختلف تماما، لأن الصفوف لا يتناسب حجمها مع عدد سكان المناطق التي توجد بها المساجد، مما يؤكد أن التقصير من المصلين فقط ولا علاقة له بتغيير ساعات الدوام من غيرها، لا بل إن هؤلاء يبدءون في النكوص عن أداء الصلوات جماعة من منتصف شهر رمضان أثناء الدوام الاستثنائي الذي يتحجج البعض به، مما يعني أن النصف الأخير من الشهر الفضيل يكاد المسجد يفتقد فيه نسبة كبيرة من المصلين قد تصل إلى %50 أو ربما أكثر مما كان عليه في الأيام الأولى لأن بعض الناس يتهربون ويختلقون الأعذار للتخلف عن صلاة الجماعة، من هنا أنصح نفسي والمسلمين بعدم هجران بيوت الله تعالى، وعلينا أن نحتفظ بنشاطنا الديني وحيويتنا تجاه العبادات المختلفة، خصوصا أداء الصلوات في جماعة المسلمين، فالمساجد بنيت لتمتلئ بالقانتين المصلين، فنحن ولله الحمد في بلد مسلم يقوم المحسنون فيه ببناء المساجد في كل الأماكن وعلى الطرقات لإتاحة الفرصة أمام المسلمين بأداء الصلاة في المساجد، كما أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لا تألو جهدا في توفير كل مستلزمات ارتياد المساجد، مما يجعل التقصير في هذا الجانب -إن وقع- من المسلمين أنفسهم. لا تكونوا رمضانيين الداعية القطري فضيلة الشيخ أحمد البوعينين يوجه نصيحة في هذا المجال للمسلمين طالبا منهم أن لا يكونوا رمضانيين، لأن المسلم في نهاية المطاف لا يعبد شهر رمضان، وإنما يعبد رب رمضان، وأضاف: يجب على المسلم أن يستمر على أداء الفرائض قبل وأثناء شهر رمضان وبعده لأن الفرض واجب، أما السنن والمندوبات فيمكن للمسلم إيثار شهر رمضان بالنصيب الأكبر منها لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان جوادا في كل الأوقات لكنه كان يجود أكثر في شهر رمضان مما يجعلنا نتقبل من المسلم الإكثار من السنن والمندوبات في شهر رمضان، لكن أن يصل ذلك إلى موضوع فرائض الصلاة التي هي أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة، فإذا صلحت صلح سائر عمله وإذا لم تصلح لم ينظر في بقية أعماله، ومن ضيع الصلاة فهو لما سواها أضيع، وعليه فيجب على المسلم أن يستمر على الطاعة في كل الأوقات لأنه لا يعرف متى يفجؤه الموت، من هنا ما دامت الصلاة صلة بين العبد وربه فكيف يقطع العبد صلته بربه بعد شهر رمضان؟! فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي عمود الدين، وبالتالي أقول للمصلين: لا يجوز لكم أن تبرهنوا على قدرتكم على المحافظة على الصلاة جماعة في شهر رمضان ثم تنكصوا على أعقابكم بعده وكأنكم تقولون سنصلي بالمزاج في شهر رمضان، وبعده سنعود إلى حالنا الأول، نسأل الله أن يثبتنا وجميع المسلمين على دينه، فالبعض يعتقد أنه عمل ما عليه في شهر رمضان وانتهى وهذا خطأ فادح، فأنت أيها المسلم مطالب بالصلاة في كل الأوقات خصوصا صلاة الفرض في الجماعة، فما أعظم منظر المساجد في شهر رمضان عندما تجدها مكتظة بالمصلين التالين للقرآن، فهذه المنظر وهذا المشهد المهيب نريد من المسلمين الاستمرار فيه والحرص على أن تبقى المساجد قبلة للمؤمنين حتى لا تشكونا إلى الله بسبب هجراننا لها بعد شهر رمضان. دور الأئمة في تراجع عدد المصلين الشيخ هشام محمد حسين إمام مسجد الهيدوس يرى أن للأئمة دورا في تراجع أعداد المصلين بعد شهر رمضان وزيادتهم، ذلك أن الإمام الذي يراعي ظروف المصلين ويؤمهم في الصلاة ولا يطيل عليهم، ويحسن صوته بقدر ما يستطيع سيظل مسجده مكتظا بالمصلين طوال السنة ولدي تجربة في هذا المجال، وأردف: بداية لا بد للمسلم أن يحافظ على الالتزام بأداء صلاة الفرض في المسجد مع صلاة الجماعة، لأن صلاة الجماعة فرض على القادرين عليها، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم هم بتحريق بيوت من لا يشهد الصلاة جماعة. لكن ملاحظتي أن تراجع أعداد المصلين تبدأ في بعض المساجد ليس بعد انقضاء شهر رمضان، بل من منتصفه لأن همة الناس تكون عالية في بداية شهر رمضان ثم تبدأ تتراجع رويدا رويداً ولا أدري ما أسباب فتور البعض؟! لكن بعض المساجد تظل محافظة على روادها لأسباب تعود أولا وأخيرا لإمام هذا المسجد أو ذاك، وأكرر أن الأئمة عليهم الانطلاق من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (من صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة) فمن وضع هذه الأمور نصب عينيه قبل تكبيرة الإحرام فسيكون ذلك مدعاة لجذب المصلين وربطهم بالمسجد بشكل دائم، وهذا غالبا ما نلاحظه في المساجد التي يوجد لدى أئمتها بعد نظر وفهم حقيقي لأحوال المسلمين اليوم، فالناس لديها مشاغل تتنوع بحسب طبيعة كل إنسان، وعلينا كأئمة مراعاة ذلك وتخفيف الصلاة، فأنا لا أتصور أن أي مسلم لا يرغب في تأدية الصلاة في المسجد، لكن بعض الأئمة ينفر الناس من مسجده بسبب طول صلاته من جهة وعدم تحسينه لقراءته وخشوعه. من هنا أعتقد أن الحل يمكن في انتهاز الأئمة فرصة إقبال المسلمين على المساجد في شهر رمضان وتقديم دروس وكلمات تبين أهمية الصلاة بالنسبة للمسلمين ومدى وجوب الصلاة في الجماعة، لأن توجيه الإمام للمسلمين في هذا الشهر مدعاة لالتزامهم بعده، حيث تكون قلوب الصائمين رقيقة مستعدة لتقبل النصح، لأن شهر رمضان عبارة عن مدرسة تربوية إيمانية يقبل فيها المسلمون على العبادة والصلاة ويبتعدون عن كل المشاغل الدنيوية التي عادة ما تشغلهم عن الاستماع للدروس الإرشادية لطبيعة النفس البشرية، من هنا على الإمام أن يربط المصلين بالمسجد عن طريق دروس الوعظ التي عليه أن يبدأها بقوله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) فهذه الآية جامعة لكل هذا المعنى، ولو أن كل مسلم توقف عندها وفهمها فهما صحيحا لما شهدنا تراجعا في أعداد المصلين بعد انقضاء شهر رمضان، وهي ظاهرة ملحوظة لا يمكن لأحد أن ينكرها، وعليه فإنني أقول لنفسي وللمسلمين إن عليهم أن يستشعروا معاني هذه الآية بحيث يعلم كل واحد منهم علم اليقين أنه مطالب بعبادة الله تعالى وبأداء الصلوات في المساجد حتى يأتيه اليقين أي الموت، فكما يقول الشاعر: «الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل».