سبب طغيان الإنسان أنه رأى نفسه مستغنياً عن غيره وهذا عمى فالمرء لا يستطيع الاستغناء عن الآخرين
باب الريان
15 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
{كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}:
(كلا): حرف ردع وزجر، فهي توحي بانتقال من جوّ إلى جوّ، من جو التعليم الإيجابي إلى جو آخر، يحتاج إلى لغة أخرى، تبدأ بهذا الحرف لتبين صفة الإنسان وجنسه الذي يدع الحياة المتوازنة ليطغى، ليتكبر ويتمرد ويتجاوز الحد، وقد أكد ذلك بوجود اللام في خبر (إن)، وهذا الطغيان هو شر ما يصيب الإنسان، ويخرجه عن حقيقة الإنسانية، كما قال تعالى لموسى: {اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [النازعات:17]. فأرسله إلى فرعون لهذا السبب وهو {إِنَّهُ طَغَى}أي: تكبر وتجبر وجاوز الحد.
وقال الله تعالى في وصف الآخرة:{فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى} [النازعات:34-39].
فبين عاقبة أهل الجحيم، الذين حرموا السعادة، وكتبت عليهم الشقاوة، عنوان من طغى، وعلامة طغيانه، أنه: {وَآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا}.
وفي حياة الأمم ذكر القرآن أن الطغيان الذي يتبعه الفاسدون هو سبب هلاكهم، قال تعالى بعد أن ذكر عادا وثمود وفرعون {الَّذِينَ طَغَوْا فِي البِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ*فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر:11-14].
- ما سبب طغيان الإنسان؟
سببه أنه رأى نفسه مستغنيا عن غيره، وهذا عمًى في الحقيقة؛ فالمرء لا يستطيع الاستغناء عن غيره، كما قال الشاعر:
الناس للناس من بدو وحاضرة
بعض لبعض - وإن لم يشعروا- خدم
كل إنسان لا يستطيع أن يعيش وحده، بل لا بد أن يحتاج إلى آخرين، كما يحتاج إليه آخرون؛ ولهذا ذم الله سبحانه الاستغناء، كما في قوله تعالى في سورة الليل: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى *وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل:8-10].
الغنى في ذاته ليس شرا، فقد آتى الله بعض خلقه المال والملك وكثيرا من النعم، «ونعم المال الصالح للعبد الصالح»، ولكن المذموم حقا هو الاستغناء واعتقاد نفسه غنيا عن كل ما سواه؛ لأن لديه مالا وثروة، فهذه الرؤية هي التي غشته، وطمست على بصيرته.
أوتي سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، ولكنه كان يخالط المساكين، ويقول: «مسكين خالط مساكين».
ونقل الفخر الرازي عن الجرجاني أنه قال: (كلا) هنا بمعنى (حقا)، لأنه ليس قبله ولا بعده شيء تكون (كلا) ردا له، قال: وهذا كما قالوه في: {كَلَّا وَالْقَمَرِ} [المدثر:32]. فإنهم زعموا أنه بمعنى (إي والقمر).
فليس الغنى هو مصدر الطغيان، بل رؤية الشخص نفسه مستغنيا عن غيره هو المصدر.
سورة البينة
بسم الله الرحمن الرحيم
{لَمْ يَكُنِ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ (5) إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ البَرِيَّةِ (6) إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8) }
السورة مدنية بالإجماع.
{لَمْ يَكُنِ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ}:
تحدثت السورة عن صنفين ممن حُكم عليهم بالكفر، وهم الذين كفروا من أهل الكتاب، من إليه ود والنصارى.
والآخرون هم المشركون من عَبَدة الأوثان والنيران من العرب.
قالت الآية عن هؤلاء وهؤلاء ممن كفروا: إنهم ليسوا بمنفكين أو منتهين عن ذلك حتى يتبيّن لهم الحقّ: {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ}، والبينة هنا هي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو البينة الواضحة، والحُجّة الظاهرة.
وكُفْر هؤلاء من أهل الكتاب من إليه ود والنصارى كان واضحا مكشوفا، فاليهود أدخلوا الشرك على التنزيه الإيماني الأصيل، والنصارى أدخلوا التثليث على التوحيد الأصيل، وأدخل كلٌ منهما البنوّة لله زورا على الحقيقة العليا: {وَقَالَتِ إليه ودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}.[التوبة:30]
والقرآن يبيّن للجميع أن هؤلاء وهؤلاء لن ينفكّوا عما قالوه، ولن يخرجوا منه، حتى تأتيهم البيّنة بما في القرآن الذي يجيئهم به محمد، ويقرؤه عليهم، ويتحدّاهم به، ويعجزون عن مواجهة التحدِّي.
فالبيّنة المذكورة في الآية، فُسّرتْ في الآية التالية لها بأنها: (رسول الله)، كما قال تعالى: {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} فرسول الله الذي يتلو صحفا مطهرة هو محمد صلى الهه عليه وسلم، وإنما يتلو هذه الصُّحف بتلاوة القرآن الكريم، فيُمكن أن يُقال بسبب ذلك: أن البيّنة هي: (القرآن) باعتبار أن الرسول يتلوه ويبيّنه.
ولكن الأوْلَى بالسياق أن نأخذ بظاهر ما جاء به، وهو قد جاء بقوله: {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ} فهذا في غاية البيان والوضوح.
{يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً}: وَصَفَ الرسولَ الآتي مِن الله تعالى بأنه يتلو صحفا مطهرة. وهي الصحف التي يتلقاها من القرآن، فيحفظها ولا ينساها، كما قال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى:6].
وهي صُحف مطهّرة، فلا يُذكر فيها باطل بوجه من الوجوه، كما قال تعالى: {لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:42].
وقال تعالى: {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ} [عبس:13-14].
ومعنى أنها مطهّرة: أنها مطهّرة عن الذِّكْر القبيح، فإنّ القرآن يُذكر بأحسن الذكر، ويُثني عليه بأحسن الثناء.
ومن معاني الطهارة التي يتميز بها القرآن، قوله تعالى:{فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ} [الواقعة:78-79].
{ وَمَا تَفَرَّقَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ }:
ومن عجب أمر هؤلاء الكفرة من أهل الكتاب من إليه ود والنصارى ومن لحق بهم: أن تفرقهم وتشرذمهم إنما وقع وتحقق بعد أن أتتهم البينة، وقامت عليهم الحجة، وطاردتهم الأدلة هنا وهناك.
{إِنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعَى}: هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان، تهديدا له، وتحذيرا من عاقبة الطغيان.
والرجعى، والمرجع، والرجوع كلها مصادر، يقال: رجع إليه رجوعا، ومرجعا، ورُجعى، ومعنى هذا: أنه سبحانه ترجع كل أموره إليه ، فهو الذي يثيبه على ما يفعل من طاعة، ويعاقبه على طغيانه وتمرده:{يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار:19]. كما أنه تعالى يرده ويرجعه إلى النقصان بعد الاكتمال، كما قال الشاعر:
إذا تمّ شيء بدا نقصانه
توقع زوالا إذا قيل: تمّ
فهو يشيب بعد الشباب، ويضعف بعد القوة، ويفقر بعد الغنى، ويذل بعد العزة، وهذا هو شأن الدنيا:{قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء:77].
{أَرَأَيْتَ الذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى}:
الآيات خطاب للرسول الكريم، وكلمة(أرأيت) في القرآن تعني: (نبئني) أو(أخبرني)، واسم الموصول وصلته هنا تعني (أبا جهل)، الكافر القرشي الطاغية، التي كانت قريش تكنيه (أبا الحكم)، ولكن تصرفه مع رسول الله، ومع المسلمين يدل على غاية الجهل والحماقة، كما قال الشاعر:
لكل داء دواء يستطب به
إلا الحماقة أعيت من يداويها
فهو ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي عند الكعبة، وهنا يذكره الله مجردا عن اسمه وصفته وما يملك من مال وغنى، وما عنده من خدم وأتباع، فليس لهذا كله قيمة، إنما الذي يؤخذ عليه هنا: (أنه ينهى عبدا إذا صلى).
ينهى عبدا لله تعالى يؤدي إليه أمره، ويسبح بحمده، ولا يبالي بمن صده عنه من خلقه. إنه يصلي لربه، لا يؤذي أحدا من الناس، ولا يأخذ من ماله، ولا يضيق عليه في شيء من حياته، فكيف يجترئ هذا الجهول أن ينهاه؟! وهل ينهى أحد عن مثل هذا الخير؟!
{أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى}: الخطاب في ظاهره موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يُعجبّه مما يجري من حوله، فهو يعجب من الكافر الشقي الذي ينهى عبدا من عباد الله إذا صلى، ويعجبه كذلك أن تصير حال هذا الشقي على الهدى، فأهدي إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، وأمر الناس بتقوى الله وطاعته، واتباع نبيه، كيف يكون حاله؟ وكيف ترتفع درجاته؟ وكيف ينقلب ميزانه؟
والتقوى معروفة وهي تقوى الله عز وجل، باتقاء ما يسخطه ويبعده عن مرضاته، وقد مر من قبل حديثنا عن التقوى.
{ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}: أخبرني عن حال هذا الرجل إن كذب ما جاء به النبيون، وأرسل به الرسل من عقائد وعبادات وأخلاق، وأعرض عن التقوى والعمل الصالح، أفلا يخشى أن تنزل به مصيبة، أو تقرعه قارعة تحل بداره، مما لا طاقة له باحتماله.
وجواب الشرط في الآيتين محذوف، كما هو بين في التفسير، وهو من الإيجاز المحمود في القرآن، وقد دل على المحذوف قوله تعالى:
{أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الهَد يَرَى}.
أجهِلَ هذا الكافر المتجبّر الطاغية أن الله يرى ويطلع على كل شيء، فلا يفوت جزاؤه عند الله جل شأنه، فإن كان مستقيما على الهدى، آمرا بالتقوى، فنعمتْ عاقبته، وإن كذب وتولى، فيا ويله ثم يا ويله، فلن يفلت من عقوبة الله التي يستحقها.
{كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ}:
(كلا) هنا للردع والزجر، وهو توجيه جديد للطاغية المستكبر، ووعيد له لئلا يستمر في غروره وطغيانه وجهله، فهو عز وجل يقسم هنا{لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ} كأنه يقول: لئن لم ينته هذا المستكبر عن هذا الطغيان، ولئن لم يكف عن نهي المصلي عن صلاته، لنأخذن بناصيته، والأخذ بالناصية مثل في القهر والإذلال والتعذيب والنكال.
{نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ}: وصفها بعد إعادتها بوصفين مذمومين قبيحين: الكذب وإلخطيئة، ونسبة الكذب وإلخطيئة إلى الناصية مع أن الموصوف بهما هو صاحبهما، لأن الناصية هي مظهر الغرور والتعزز والكبرياء عند القوم، كما هو معروف. ولإخواننا من رجال الإعجاز العلمي كلام جيد ها هنا.
{فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ}: هذا الكافر المستكبر بما عنده من نادٍ وأتباع كثيرين يأتمرون بأمره، كما روي أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أتهددني، وأنا أكثرُ أَهْلِ الوَادِي نَادِيًا؟!
والنادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم، ويطلق أيضا على القوم أنفسهم.
هنا يقول الله له: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} هذا النادي الذي يعتز به وبكثرته وبقوته، فليدعه، وليحضر كل رجاله وأتباعهم، وليحشروا معهم من يشاؤون، فنحن:{سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} الزبانية: لغة:الشرط وأعوان الولاة، قيل: إنه جمع لا واحد له من لفظه، وقال آخرون: له واحد، قيل: هو (زِبنيّ)، كـ(إنسيّ)، أو زِبْنِيَةٌ كـ(عِفْرِيَّة)، أو واحده (زابن)...إلخ.
على كل حال، عندما يدعو ناديه، ويدعو الله سبحانه الزبانية، سيعلم من الغالب ومن المغلوب، ولا شك أنه عز وجل الغالب القادر.
{كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ }:
أعاد (كلا) مرة أخرى، زيادة في الزجر، وتأكيدا وتبيينا لموقف الرسول الكريم على الوقوف مع الحق، والثبات على الخير، فلا ينبغي أن يصغي لدعوة الطاغي إلى النهي عن الصلاة، ، والاستراحة إلى عبادة الله، وليستمر في سجوده لربه والاقتراب منه، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
ومن المعروف أن هذه السورة نزلت قبل أن تفرض الصلوات الخمس، ولكن ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانت لهم صلاة قبل أن تفرض الصلاة، فهذه التي جاءت هذه السورة وأمثالها فيها.
والأصل أن السورة بحسب الفاظها عامة، تخاطب المكلفين في كل وقت وزمن، كما ترى، وإلخطاب فيها موجه إلى كل من يخاطب، وإن كان النبي الكريم هو المخاطب الأول.
سورة القدر
بسم الله الرحمن الرحيم
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ * لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ الفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ }
هذه السورة مكية.
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ} الجملة الاسمية أوْكَد من الجملة الفعلية، ثم هي مؤكَّدة بالحرف (إن)، وجاءت بصيغة الجمع للدلالة على تعظيم المنزل، والضمير فيها راجع إلى القرآن الكريم، رغم أنه لم يسبق ذكره، ولكنه حاضر في مشاعر الأمة المنزل عليها القرآن، والمستمعين إليه ، فهو المذكور دائما وإن غاب.
وقد أنزله سبحانه في ليلة ليست كسائر الليالي، بل هي ليلة القدر، والقدر: الشرف والذكر، فهي ليلة ذات ذكر وشرف، وقدر ومقام، وقد ذكرها الله تعالى بمثل ذلك في سورة الدخان حين قال {حم * وَالْكِتَابِ المُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [الدخان:1-5].
أجمع المفسرون على أن المراد: إنا أنزلنا القرآن في ليلة القدر، لكنه تعالى ترك التصريح بذكر القرآن، واكتفى بضمير الغائب؛ لأن هذا التركيب يدل على عِظم القرآن من ثلاثة أوجه:
أولها: أنه أسند إنزاله، وجعله مختصا به دون غيره.
ثانيها: أنه جاء بضميره، دون اسمه الظاهر، شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التصريح.
وثالثها: لتعظيم الوقت الذي أنزل فيه.
وهنا قد يسأل سائل: ما معنى إنزال القرآن في ليلة القدر، مع أنّا قد علمنا أنه أُنزل منجما؟
- رد بعض العلماء على ذلك بأن المراد بالإنزال (الابتداء)، ومعلوم أن الابتداء كان في شهر رمضان، ولهذا جاء عن بعضهم تقدير ليلة القدر في السابع عشر من رمضان، بدء نزول القرآن.
- الثاني ما رُوي عن ابن عباس أنه قال: أُنزِل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، ثم نزل إلى الأرض نجوما.
و(القدْر) مصدر قدر يقدر، و(القدْر) واحد، إلا انه بالتسكين مصدر، وبالفتح اسم.
قال الواحدي: القدْر في اللغة بمعنى التقدير، وهو جعل الشيء على مساواة غيره، من غير زيادة ولا نقصان.
وإنما سميت ذلك لما قاله المروزي من أنها ليلة العظمة والشرف، بدليل قوله تعالى:{لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ الفِ شَهْرٍ}، وهذا يحتمل وجهين:
- أن يرجع ذلك إلى الفاعل، أي من أتى فيها بالطاعات صار ذا قدر وشرف.
- وثانيها: إلى الفعل قدر زائد، وشرف زائد.
وعن أبي بكر الوراق: سميت ليلة القدر؛ لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر، على لسان ملك ذي قدر، إلى أمة لها قدر.
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ}يخاطب الله تعالى رسوله بقوله: وما أدراك، أي: وما أعلمك حقيقة ليلة القدر وعظمتها عند الله؟ تفخيم لأمر هذه الليلة، ومقدارها وقيمتها عند الله، فكلمة{وَمَا أَدْرَاكَ} لا تأتي إلا في الأشياء العظيمة: المرجوة، أو المخوفة. وهي هنا مرجوة؛ لما يعظم فيها من الأجور والطاعات، وهناك أشياء مخوفة، مثل {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحَاقَّةُ} [الحاقة:3]. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا القَارِعَةُ} [القارعة:3].
{لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ الفِ شَهْرٍ} هنا يفصل الله سبحانه، بعض ما أخفاه من فضائل هذه الليلة العظيمة التي أنزل فيها القرآن. وهي أن العبادة والطاعة وفعل الخير فيها أفضل من العبادة والطاعة في الف شهر ليس فيها ليلة القدر.
فإذا كانت بعض الأمم تطول أعمارها أكثر من هذه الأمة، فإن ليلة واحدة أعطيت لهم يستطيعون أن يحصلوا فيها أكثر من كل ما حصلته الأمم في أيامها العادية المتطاولة.
وإذا كان الشاعر العربي زهير بن أبي سلمى يقول:
سئِمْتُ تكاليف الحياة، ومن يعشْ
ثمانين حوْلا-لا أبا لك- يسْأمِ
فاعتبر الثمانين سنة عمرا مديدا، فإن ليلة القدر وحدها تمنح الإنسان عمرا خلاصته ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، ليس فيها ليالي الصبا، التي لا تكليف فيها.
ولكن المسلمين اختلفوا في تحديد هذه الليلة إلى أقوال، وصل بها الحافظ ابن حجر إلى 39 قولا. ولكن جمهور المسلمين على أنها في العشر الأواخر من رمضان، وفي ليالي الأوتار منه، على ما صحت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان الشهر يختلف بدءا وختاما ما بين بلدة وأخرى، فليس لدينا يقين بأي ليلة تكون، والاحتياط إحياؤها كلها. وفي الحديث»التمسوها في العشر الأواخر» وكان الرسول الأكرم يحيي العشر الأواخر كلها من رمضان، ويوقظ نساءه ليحيينها معه، ويقول: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه» «التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن على السبع البواقي» ، « التَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، أَوْ سَابِعَةٍ تَبْقَى، أَوْ خَامِسَةٍ تَبْقَى «
{تَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}: من فضائل هذه الليلة الرمضانية المباركة أنها تتنزل فيها الملائكة الأطهار من السماء إلى الأرض، لتهنئ العباد، وتشاركهم فرحتهم الموسمية.
{وَالرُّوحُ فِيهَا} ذلكم الملك الكبير من الملائكة الأبرار، لعله جبريل الذي قال الله فيه في سورة الشعراء، حين حدثنا عن نزول القرآن: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:193]. ونزولهم من السماء إلى الأرض مرتب، كما قال تعالى: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} فكل خطوة من الخطوات، وكل مرحلة من المراحل، وكل شكل من الأشكال، مأذون به من الله جل جلاله.
{مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}: أي تنزل الملائكة والروح فيها من أجل كل أمر فيه مصلحة للخلائق، وخير لبني الإنسان.
{سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ }: هذه الليلة ليلة سلام من كل شر، ومن كل آفة، من أولها حتى مطلع الفجر. يقال: طلع الفجر طلوعا ومطلعا، مطلع على أنه مصدر، و (مطلع الفجر) أي: طلوع الفجر، وهو ظهوره وإشراقه، فما أكرمها من ليلة، وما أعظم حظ من وفق إليه ا، فقام ليلها كله، حتى غُفر له ما تقدم من ذنبه.
يتبع غداً إن شاء الله...