طقوس خاصة لرمضان في السودان

alarab
باب الريان 15 أغسطس 2011 , 12:00ص
عبدالغني عبدالرازق
رغم انقسام السودان إلى دولتين فإن هذا الانفصال لم يغير من فرحة السودانيين بشهر رمضان، حتى طريقة احتفالهم به، فرمضان له نكهة خاصة في السودان بسبب الطقوس الخاصة التي يمارسها السودانيون مع قدوم رمضان من كل عام، فعند ثبوت رؤيته يحدث ما يعرف بـ «الزفة»، إذ تنتظم مسيرة مكونة من رجال الشرطة والجوقة الموسيقية العسكرية، ويتبعهم موكب رجال الطرق الصوفية، ثم فئات الشعب شبابا ورجالا وتقوم هذه «الزفة» بالطواف في شوارع المدن الكبرى، معلنة بدء شهر الصيام. كما تقوم المساجد بإضاءة المصابيح الملونة على المآذن والأسوار، وتظل الأضواء الخاصة طوال ليالي رمضان، كما تبدأ المدافع في الانطلاق عند كل أذان مغرب، معلنة حلول موعد الإفطار، وقبل الفجر للتنبيه على الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات. ومع بداية الشهر الكريم يغير التلفزيون السوداني من طبيعة برامجه، ويعرض برامج خاصة بشهر رمضان، تجعل الناس ينجذبون إليه، ويلتفون حوله، الأمر الذي يؤدي بالبعض إلى الكسل عن القيام ببعض الطاعات والقربات، والتي هي أجزل ثوابا، وأضعف أجرا في هذا الشهر الفضيل. وغالبا ما يذهب الشباب وصغار السن بعد الإفطار والصلاة إلى الأندية الثقافية والاجتماعية التي تحتفل بهذا الشهر، فيمضون شطرا من الليل في تلك الأندية. الاستقبال بالطعام الخاص قبل كل رمضان، تنشط الأسر السودانية في تحضير وتجهيز مشروب تقليدي خاص يفضله السودانيون أثناء شهر رمضان يسمونه «الحلو مر»، حيث يعتقدون أنه أفضل مشروب لفك عطش الصائم طوال ساعات صيامه. وفي بعض المدن السودانية لا يكتفي المواطنون السودانيون بشراب منقوع «الحلو مر»، بل يأكلون رقائقه عند الإفطار. والحلو مر هو ذرة تغسل ثم تنشر ثم تزرع، وما أن تبدأ في النمو حتى يصار إلى قلعها وفصل ما تشابك منها، ثم تترك لتجف، ثم تجمع ويبعث بها إلى الطواحين لطحنها دقيقا ناعما، وعندما تتحول إلى دقيق ناعم تقوم ربة المنزل بخلط ذلك الدقيق بالماء ليصبح عجينا، ثم تتركه يتخمر فيصبح خفيفا ويكتسب طعما خاصا. بعد ذلك تتم إضافة مقادير محسوبة من البهارات، من بينها الكزبرة والشمار والقرنفل والتمر الهندي والزنجبيل، ثم تفرش سريعا على هيئة رقائق وطرقات سميكة فوق صاج ساخن، مع الحرص على الاستمرارية ليوم أو يومين أو أكثر حسب كمية العجين، مع ملاحظة أن هذه الطبقات تحتاج بعد النضج إلى شيء من التهوية قبل التخزين. وهنا لا بد من الإشارة إلى حرص النسوة السودانيات على ممارسة اجتماعية محببة، حيث توزع كميات على الجيران والأحباب والمحتاجين، تهنئة بحلول الشهر الكريم. عملية إعداد «الحلو مر» ليست سهلة حيث تمر بأكثر من مرحلة عمل معقدة، وتحتاج إلى خبرة تصقلها الممارسة. وهذه الخبرة تنتقل من جيل إلى آخر باهتمام وحرص كيلا تندثر. في حين تتميز عملية صب المزيج في الوعاء الكبير لينضج، بكونها مهارة وفنا راقيا يحتاجان إلى صبر وقوة تحمل لمواجهة النار. وهو ما لا تتمكن منه وتقدر عليه إلا أعداد محدودة من النساء. أما طريقة تحويل «الحلو مر» إلى مشروب فهي طريقة سهلة جدا، إذ لا تتعدى غمر بعض تلك الرقائق بمقدار من الماء، ويصفى بعدها المحلول، ويحلى بكمية معتبرة من السكر ليقدم باردا، فيروي الصائم لدى إفطاره ويمتعه. ويفضل السودانيون «الحلو مر» على غيره من المشروبات، مع الطبق السوداني المعروف بالعصيدة والملاح. ويمثل الحلو مر ثنائيا رئيسيا لا يمكن الاستغناء عنه طالما كانت مائدة إفطار رمضان سودانية «مائة في المائة». لذلك فإن الأسر من داخل السودان تحرص على أن ترسل كميات من «الحلو مر» لمغتربيها حيثما كانوا، في مشارق الأرض ومغاربها، من أستراليا إلى أميركا وكندا، كما في العالم العربي وأوروبا وجنوب إفريقيا. وتعتبر الطرود من «الحلو مر» بندا أساسيا في استعدادات ربة المنزل السودانية المهاجرة سواء كانت سيدة تقليدية متقدمة في السن، أم شابة «مودرن» في مقتبل العمر. أما عن سبب تسمية الحلو مر بهذا الاسم فقد اختلفت الآراء حول ذلك، فهناك من يقول إنه «حلو» و»مر» كالسودان «الحلو» بخيره وأراضيه الخصبة الشاسعة الممتدة، المزروعة والبور، ذات الخير المدفون، و»المر» بما يعانيه من جوع وفقر وعناء. بل يمسي طاردا كقطعة من جهنم عندما يسوده العنف والشقاق والقتال بسبب الجنس والدين والقبلية والاختلاف حول الثروة والموقع والمنصب. موائد الرحمن أهم ما يلفت الانتباه عند أهل السودان خلال هذا الشهر الكريم ظاهرة الإفطار الجماعي، حيث تفرش البسط في الشوارع إذا كانت متسعة، أو في الساحات العامة، وتأتي كل عائلة بطعام إفطارها جاهزا مجهزا، وتضعه على تلك البسط، وعندما يتم الإعلان عن دخول وقت المغرب يبدأ الجميع في تناول الطعام معا، ثم تلي ذلك صلاة المغرب جماعة، وبعد تناول شراب القهوة ينصرف الجميع كل إلى شأنه وأمره. ومن عادات السودانيين في هذا الشهر ولا سيما القرى، خروج كل شخص من بيته قبل الأذان حاملا إفطاره بكمية تزيد عن حاجته، ثم يجلس إما في المسجد، وإما في الشارع ناظرا ومنتظرا أي شخص غريب يفطر معه. ومن العادات الرمضانية عند أهل السودان كثرة التهادي بين الناس في هذا الشهر الكريم، ويكون ذلك بإرسال الطعام والشراب قبل المغرب بين الأسر، ويقبل الأغنياء من الفقراء هداياهم وأطعمتهم، لئلا يشعروهم بالحرج في قبول ما يرسلونه لهم بعد ذلك! في الخميس الأخير من رمضان يعد السودانيون طعاما خاصا يعرف بـ «الرحمات» يتصدقون به على الفقراء والمساكين، وهم يعتقدون في هذا أن أرواح الموتى تأتي في هذا اليوم لتسلم على أهلها. صلاة التراويح يهتم السودانيون بصلاة التراويح لأقصى درجة، كما الحال عند باقي المسلمين، وتقام هناك صلاة التراويح في المساجد أو الخلاوي والزوايا التي تجمع أهل الحي فيصلون التراويح ويسمعون المواعظ التي تتخلل صلاة التراويح. ويصلي أهل السودان صلاة التراويح عادة ثماني ركعات. وتشهد صلاة التراويح إقبالا ملحوظا، وحضورا مشهودا حيث تزدحم المساجد بالمصلين من الرجال والنساء والشباب والأطفال في مشهد يسر الناظرين. ولا تلتزم أغلب المساجد هناك بختم القرآن في هذه الصلاة، لكن بعضها يحرص على ذلك. وفي بعض المساجد يحرصون على قراءة بعض الأذكار عقب كل ركعتين من صلاة التراويح، كقولهم: «اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا». الخيم الرمضانية انتشرت في الآونة الأخيرة في ولاية الخرطوم ظاهرة غريبه تكاد تكون محصورة في المجتمعات الثقافية والرياضية فقط، وغالبية السودانيين لا يحبونها ويعتبرونها عادات دخيلة على مجتمعهم في رمضان، وهي عبارة عن أماكن تشبه المقاهي يتم إعدادها من الخيام المجهزة بكل وسائل الراحة والترفيه والتسلية، وتبدأ برامج هذه الخيام بعد صلاة التراويح، وتستمر إلى وقت متأخر من الليل يتناول خلالها الرواد المأكولات والمشروبات الساخنة مثل القهوة والشاي والعصائر، ويستمر البرنامج الترفيهي الذي تشارك فيه الفرق الغنائية وبعض المجموعات الكوميدية التي تقدم عروضها الفنية على مسرح مفتوح. وداع شهر رمضان في الأيام الأخيرة من شهر الخير، تشهد المنازل السودانية نشاطا ملحوظا، وتحركا ملموسا، إذ تبدأ الاستعدادات الخاصة لتحضير حلوى العيد، وتنشغل النساء في عمل «الكعك» و»البسكويت» وغير ذلك من أنواع الحلوى المعروفة عند أهل السودان. وعادة ما يتم تحضير ذلك بشكل جماعي وتعاوني بين النساء، فكل يوم مثلا يقوم فريق من النسوة مجتمعات بصنع ما تحتاجه الواحدة منهن في بيتها، وفي اليوم التالي يشترك الجميع أيضا في تحضير الحلوى لأخرى، وهكذا. وتقام في الأيام الأخيرة من رمضان ليلة تسمى ليلة «الحنجرة» يقيمها من توفي له قريب عزيز خلال شهر رمضان، أو قبله بوقت قصير، وفي هذه الليلة يقدم للمعزين التمر والمشروبات. أما ليلة القدر فينتظرها جميع المسلمين في السودان، ويحتفل بها رسميا وشعبيا في السابع والعشرين من رمضان، ويستقدم لأجلها كبار المقرئين، وتمتلئ المساجد بالعباد والمتقربين إلى الله. وأهل الإسلام في السودان شديدو الحرص على إخراج زكاة الفطر، وتوزيعها على الفقراء والمساكين المنتشرين على طول البلاد وعرضها، وهم في العادة يتولون بأنفسهم أمر ذلك. ويتم توديع رمضان عند أهل السودان بإنشاد القصائد الدينية والمدائح النبوية. وعلى كل حال، فلرمضان عند أهل السودان مذاق خاص وطعم مختلف، وعلاقة الناس به علاقة قوية وحميمية.