الحياة الطيبة تحتاج إلى أمرين: الأمن والرخاء
باب الريان
15 أغسطس 2011 , 12:00ص
الرزق من الثمرات:
{وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}
ارزقهم من الثمرات: من الأرض من بقلها وقثّائها وفومها وعدسها وبصلها وخيراتها ممَّا تأتي به التجارات، وممَّا تأتي به القُرى القريبة منهم أيضا؛ كل هذا كما قال الله تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص:57]. {أوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آَمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ } [العنكبوت67].
تحقيق الحياة الطيِّبة:
هذا كلُّه من استجابة دعوة إبراهيم عليه السلام، وهنا تكاملت الطيِّبات التي يحتاج إليها الناس لينعموا في حياتهم الدنيا بعيش رغد.
العيش الطيب والحياة الطيبة تحتاج إلى أمرين: الأمن وهو الذي دعا به إبراهيم أولاً: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا}.
والشيء الآخر: الرخاء – الكفاية – {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 4]، لا بدَّ للمرء أن يأكل ويأمن.
سيدنا إبراهيم قدَّم الأمن في هذا المقام لحاجة الناس إليه في مثل هذه البلاد القَفْرة والصَّحاري.
فالناس تحتاج إلى الأمن أولاً، ثم دَعَا بالثمرات، كما قال في سورة البقرة: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آَمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ } [البقرة: 126]، أي: ارزق المؤمنين.
قال ربنا معقِّباً على سيدنا إبراهيم: {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126] ليس الأمن والرزق من الثمرات مقتصراً على مَنْ آمن بالله واليوم الآخر فقط، بل من كفر سأُمتِّعه قليلاً، ثم مأواه إلى جهنم وبئس المصير.
{وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}. هذه ميزة المؤمن على الكافر، أنَّ الله يرزقه من الثمرات ليكونَ على رجاءِ الشكر الله، إنه حينما يرى نعمة الله تعالى عليه يشكر ربَّه، يشكر صاحبَ النعمة، يعترف له بالفضْل، {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل:53] ويحمده بلسانه، يقول: الحمد لله، ويستخدم نعمه في طاعته. هذا هو الشكر {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} لعلَّهم يقومون بواجب شكرك حتى يستحقُّوا المحافظة على النعمة فتبقى ولا تزول، وحتى يستحقُّوا الزيادة: {إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.
ثناء إبراهيم عليه السلام على الله عزَّ وجل:
{رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ}
هنا قال: {رَبَّنَا} لكنه لم يدعُ بدعاء، لم يطلب شيئًا، إنما كان يريد الثناء على الله عزَّ وجل، أن يحمدَ الله تعالى بما هو أهله، أن يقول: يا ربِّ نحن إذا دعوناك أو لم ندعك فأنت تعلم ما في قلوبنا، ويمكن أن تُعطينا من غير سؤال، وعلمك بحالنا يغني عن سؤالنا.
علمُ الله تعالي بالسرِّ والعلن:
{ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} ما أسررناه في أنفسنا تعلمُه، وما أعلنَّاه بألسنتنا تعلمُه ولا يخْفى عليك شيءٌ. {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النحل:19]. {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر:19].
{ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} لا نستطيعُ أن نُخبّأ عنك شيئًا؛ لأنَّ ما نخبِّئه في صدورنا فأنت تعلم به، تعلم ما في السرائر وما تُخفي الصُّدور.
{وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ}
هل هذا من كلام إبراهيم، أم هذا تعقيب من الله عزَّ وجل على كلام إبراهيم؟ يحتمل الأمرين، وأنا أُرجِّح أنه من كلام إبراهيم نفسه.
وضع المظهر في موضع المضمر
{ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ}
لم يقل: (وما يخفى عليك) لأنَّ وضع المظهَرَ في موضع المُضْمَر ليتبرَّك بذكر لفظ الجلالة، ويستحضر هذا اللفظ {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} كما قال تعالى في سورة آل عمران: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [آل عمران: 5].
لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه سرٌّ ولا علانية: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]. يعلم بما تُخبِّئه الصدور والضمائر،{ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه:7] أخفى من السر.
نِعْمة الذرِّيَّة الصَّالحة
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ}
بعد أن نادى إبراهيم ربَّه بهذا النِّداء: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} جمع إلى ذلك الحمد لله عزَّ وجل.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } كلاهما وَهَبهما الله إبراهيم على الكبر، في الشيخوخة.
لم يذكر القرآن كم كان سنُّه، ولكن جاءت الروايات والإسرائيليات أنَّ عمره حينما رُزِقَ بإسماعيل كان تسعة وتسعين عاماً، وحينما رُزق بإسحاق كان مئة واثنتي عشرة سنة، أي بعد ثلاثة عشرة سنة رُزق بإسحاق، حينما بلغ إسماعيل معه السَّعي، وبعد حادثة الذبح: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 112].
فوهبه الله سبحانه على الكبر إسماعيلَ وإسحاقَ، وَهَبه أولاً إسماعيل، ثم كافأه على صبره على ذبح ابنه حينما رأى في المنام أنه يذبحه، وقال له: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى، قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ* فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات:102، 103]، أسلم الوالدُ ولدَهُ، وأسلمَ الولدُ عنقَهُ لله، وصرعه على جبينه وأمسك السكين ليذبح؛ فَجَاءَهُ الفرج من السماء:{ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ*وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات:104- 107] ثم قال: { وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ } [الصافات:112].
فَبُشِّر بإسماعيل أولاً بعد هجرته إلى الله حينما قال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ* رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ* فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات:99-101]. فإسماعيل ظهر حلمه حينما قال:{افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102]
أما إسحاق فقال:{وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الصافات:28] فهذا تميَّز بالعلم وهذا تميَّز بالحلم، كلٌ منهما له فضيلته.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ}
حينما دعوت فقلت: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100] وهب له إسماعيل، ولعل له دعوة لم يذكرها القرآن فوهب له إسحاق عليه السلام.
مجيبُ الدعاء
{ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ}
هو الذي يسمع الدعاء، أي: يقبله ويستجيبه، ليس فقط يسمعه يعني يصل إلى سمعه كما نقول: (سمع الله لمن حمده) أي: استجاب الله ذكْرَ مَنْ حمده، كما تقول: سمع كلامه، قال له كذا فسمع كلامه، سمع كلامه يعني نفَّذ ما طلبه منه، أو ما اقترحه عليه. فـ { إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} يعني: مُجيب الدعاء، هو الذي يُجيب دعاء مَنْ دعاه، خصوصاً دعاء المُضْطرين: {أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62].
إقامة الصلاة
المطلب الخامس:
{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}
المطلب الخامس لإبراهيم عليه السلام قوله: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}، المطلب الأول: دعا رَّبه أن يُجنِّبه وبنيه أن يعبُدوا الأصنام، {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم:35]، وهنا ارتقى درجةً أخرى لا يكتفي بأن يُبعدهم عن الأصنام وأن يحميهم من عبادة الأصنام، ولكن يريد شيئاً إيجابياً أكثر، يدخل في الطاعات، ورأس الطاعات هي الصلاة – هي العمود - عمود الإسلام.
{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} لم يقل: وذريتي وكلّ ذريتي لأنه يعلم أنَّ من ذُرِّيته مشركين وكفار، كما قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة:124]. ليس كلُّ ذُرِّيته، ومن ذُرِّيته قريش ومشركو مكة ومشركو العرب الذين عبدوا الأصنام، والذين قاوموا الدعوة المحمدية، ولذلك قال: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}.
حرص المؤمن على صلاح الذُّرِّيَّة:
ومن شأن الإنسان المؤمن أن يحرِصَ على ذُرِّيَّته، لا يكتفي بالدعاء لنفسه، يدعو لنفسه ولذرَّيِّته، أن يكونُوا من أهل الخير ومن أهل الصَّلاح، مهما كان الإنسان أنانياً فإنه يدعُو لأبنائه وبناته وذُرِّيته من بعده.
إنَّ الإنسان يحبُّ أن يكون أحسنَ الناس وأفضلَ الناس إلا أولاده، يحب أولاده أن يكونوا أفضل منه، وأحياناً يأتيني بعض الأخوة فيقول: هذا ابني سلِّم عليه، فأقول: بارك الله فيك وجعلك خيراً من أبيك، فيبتسم الوالد ويقول: أرجو الله أن يجعله خيراً مني.
لكن لا يحب أحداً غيره أن يكون خيراً منه سوى أولاده، ولذلك الإنسان لا بدَّ أن يحرص على ذُرِّيته، والقرآن الكريم يقول عن دعاء الإنسان الصالح: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل:19]. والإنسان الصالح يقول: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [الأحقاف:15].
{وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي}، أي: اجْعَل الصلاح سارياً في ذُرِّيتي، فالإنسان يطلب الخير لنفسه، ويطلب الخير لذريته، ولذلك سنَّ لنا سيدنا إبراهيم عليه السلام هذه السنَّة حينما دعا:{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}، وقال: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}؛ لأنَّ الذُّريَّة الصَّالحة تنفعُ أهلَها، تنفعُ آباءَها في الدنيا وفي الآخرة، حتى بعد الممات ممَّا ينفع الإنسان بعد موته: الولد الصَّالح يدعوُ له، وقد جاء في الحديث الصحيح: «إذا مات الإنسان انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» فهو ينفعك بعد مَمَاتك وينفعك في الآخرة لعلَّه أن يكون من الشافعين لك إذا كان أصْلحَ منك، يشفعُ في أهله، وأحقُّ الناس بشفاعته أبواه.
المطلب السادس:
{رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ}
وأما المطلب السادس فهو قوله تعالى {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} هذا مطلبٌ عامٌّ يقول: يا ربِّ ما دعوتك به تقبَّله منِّي؛ لأنه ليس المهم هو الدعاء، ولكن المهم قَبول الدعاء، قد تدعُو ليلَ نهار، قد تدعُو بعَشَرات الدعوات، قد تقرأ كتاباً في الدعاء وتدعو ولا يُستجاب لك، إنَّما المهم هو قَبول الدعاء.
قبول الدعاء:
ومعنى قبول الدعاء: أن يرزقك الله من صفاء القلب، ومن نقاء السريرة، ومن طيب النفس ما يزيل الحواجز بينك وبين الله، حتى إذا دعوتَ قلت: يا رب، يا رب قال: لبَّيك عبدي وسَعْدَيك. الصلة بينك وبين الله قائمة، الباب مفتوح، الطريق مفتوح.
حين تُحدِّث أحداً في الهاتف والخط موصول يردُّ عليك صاحبك. إنما إذا كان الخط مقطوعاً مهما تحاول التوصُّل إليه لن يردّ عليك، لأنَّ الخط مقطوع، فإذا كان الطريق مقطوعاً بينك وبين الله، فادعُ ما شيءت لن يُستجاب لك. إذن صِلْ ما بينك وبين ربِّك قبل كلِّ شيء، أوْصل الحبال بالله ثم ادْعُ الله عزَّ وجل، فهذا معنى {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} أي: هيِّأ لي من الأسباب – من أسباب القَبول – ما تجعل دعائي مقبولاً عندك، ولا تردّ دعائي ولا تخيِّب رجائي.
كيف يتقبَّل الدعاء؟
{رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} الدعاء إذا صَدَر من قلبٍ خالص استجاب الله له، حتى دعاء المشركين – الذين يعبدون الأوثان – حينما يركبون السُّفن وتجري بهم بريح طيِّبة ويفرحونَ بها، ثم يتغيَّر الحال ويهيج البحر ويلعب بهم الموج، كما قال سبحانه: {وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [يونس: 22] يا رب يا رب، وهم مشركون، إنما لا يدعون هُبَل ولا مناة ولا اللات ولا العُزَّى، بل يقولون: يا رب يا رب، تركوا الشرك:{دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس:22] وعرف الله إخلاصهم في هذه الحالة فاستجاب لهم، ثم نُكسوا على رؤوسهم ورجعوا إلى ما كانوا عليه، إنما في هذه الحالة – حالة الإخلاص – حينما دعوا الله بها استجاب الله لهم الدعاء.
{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ}
طلب إبراهيم من ربِّه عدَّة مطالب: أول مطلب: أن يجعل البلد الحرام – مكة المشرَّفة – آمنةً، فاستجاب الله دعاءه كما علَّمنا التاريخ وكما ينبئنا الواقع الآن.
وطلب المطلب الثاني: أن يُجنِّبه وبنيه أن يعبدوا الأصنام، والمطلب الثالث: يَتَعلَّق بالموقف من الأصنام، والمطلب الرابع: يتعلق بذرِّيته الذين أسكنهم بوادٍ غير ذي زرع عند بيت الله المحرَّم، وقد طلب أن يُحرِّك قلوب الناس لتهوي إليهم، وأن يرزقهم من الثمرات، وقد حقق الله ذلك منذ عهد هَاجر وولدها إسماعيل عليه السلام، فقد جاءت الروايات الصحيحة، أنَّ إبراهيم وضع هَاجر وابنها الرضيع في هذا المكان وتركهما، وأراد أن يمشي، فقالت له هَاجر: أين تذهب وتتركنا في هذا المكان الذي لا أنيس فيه ولا زرع؟ فلم يرُدَّ عليها، تكلَّمت فلم يردَّ عليها، تكلمت فلم يردَّ عليها، قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال لها: نعم، قالت: إذن لا يُضيِّعنا.
مادام هذا أمرًا من عند الله عزَّ وجل فلن يُضيِّعنا الله، وقد هَّيأ الله لها ماء زمزم بعد ذلك، وهيَّأ الله لها من قبائل العرب مَنْ جاء يُساكنها وهي تُعطيهم من ماء زمزم، وهم يعطونها من ألبان أغنامهم وإبلهم... وهكذا. {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}، ثم كان المطلب الخامس: أن يجعله مقيمًا للصلاة ومن ذريته، وطلب المطلب السادس: وهو قبول الدعاء.
المطلب السابع:
{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}
أما المطلب السابع والأخير:{ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}، سأل الله لفروعه – لذريَّته ولبنيه – ولكنه لم ينس أصوله، فقال: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ } كما ينبغي على الإنسان ألا ينسى أولاده ينبغي عليه أيضًا أن لا ينسى آباءَه وأمهاتِهِ، لذلك قال: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ }.
وهكذا دعا سيدنا نوح عليه السلام: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } [نوح:28].
انظر دعا لنفسه: { رَبِّ اغْفِرْ لِي } ابدأ أولاً بنفسك، {وَلِوَالِدَيَّ} أقرب الناس إليك وأحقُّ الناس أن تبرَّهم، {وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا} لأنَّ الذي يدخل بيتي من جيراني ومن أقاربي لهم حقوقٌ عليَّ، {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}.
كذلك سيدنا إبراهيم يقول: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }. يقول الإمام الشَّعبي: ما يَسُرُّني بنصيبي من دعوة نوح وإبراهيم للمؤمنين والمؤمنات حُمْر النَّعم.
يقول: لا أحبُّ أن يكونَ لي الجمالُ الحُمْر - أغلى أنواع الإبل- وأُحرم من نصيبي في دعوة نوح وإبراهيم، لأنَّ نوحًا قال: { وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } فهذه تشمل المؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة، يقول: ما أحبُّ أن يكون بنصيبي من هذه الدعوة حُمْر النَّعم، وكذلك نصيبي من دعاء إبراهيم: { رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}.
استغفار إبراهيم لأبيه قبل أن يَتبيَّن له أنه عدوٌّ لله:
كيف طَلَب المغفرة لوالديه؛ وأبوه - كما هو ظاهر القرآن- كان مشركًا؟! هذا قبل أن يتبَّين له أنه عدوٌّ لله؛ فإنَّ القرآن يقول: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [التوبة: 114]، {قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} [مريم:47]. وعده وأراد أن ينجز َموْعدته، ينجز وعده ويدعو الله له، {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114].
قال بعض المفسرين: أمُّه كانت مؤمنةً، أما أبوه فكان مشركًا وأصرَّ على شركه، يقول له: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} [مريم: 45،42]، لم يستجب له، لأن الهداية من الله عزَّ وجل، وقد رأينا الأب المؤمن والابن الكافر في قصة نوح عليه السلام، ورأينا الأب الكافر والابن المؤمن في قصة إبراهيم عليه السلام.
دعوات جامعة:
{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}
جمع إبراهيم الخير لبنيه والخير لأبويه، وهذه أفضل الدعوات التي ينبغي أن يحرص عليها المؤمن – دعوة إبراهيم - ونحن بحمدِ الله من أكثر الناس استبشارا بهذا الدعاء {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}
دعوات جامعة، وعلى الإنسان أن يحرص على هذه الدعوات.
احتفاء القرآن بدعوات إبراهيم:
رأينا القرآن حفيًّا بدعوات إبراهيم عليه السلام، في سورة البقرة وهو يرفع القواعد: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }[البقرة:128].
وفي سورة الشعراء: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}
[83-89].
وفي سورة الممتحنة: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ*رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الممتحنة 4، 5].
عني القرآن بدعوات إبراهيم، وبدعوات الأنبياء، خصوصًا دعوات المغفرة {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}.
طلب الأنبياء المغفرة:
الأنبياء دعوا ربَّهم بأن يغفر لهم، وقد عَصَمهم الله من الكبائر، أو عصمهم من الكبائر والصغائر جميعًا، ومع هذا يدعون الله عز وجل ويستغفرونه.
كلُّ الأنبياء دعوا، إبراهيمُ دعا ونوحٌ دعا وداود{فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص:24]، وسليمان {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ }[ص: 35].
وهكذا رسل الله - عليهم الصَّلاة والسلام - وآخرهم وخاتمهم محمد عليه الصلاة والسلام، بل إن محمدًا كان أكثر الأنبياء استغفارًا لرِّبه، وَوَرَد عنه من صيغ الاستغفار ما لم يرد عن نبي من الأنبياء، ومن ذلك: «ربِّ اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري كله وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي وجهلي وهزلي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدَّمت وما أخرَّت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، وأنت على كل شيء قدير، اللهمَّ اغْفر لي ذنبي كلَّه دِقَّه وجُلَّه سرَّه وعلانيته».
ودعاء سيد الاستغفار: «اللهم أنت ربِّي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرِّ ما صنعت، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ وأبوءُ بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».
كلُّ هذا يدلُّنا على أنَّ الإنسان في حاجة ماسَّة إل