فتنة الشجرة

alarab
الصفحات المتخصصة 15 يوليو 2016 , 06:23ص
احمد يوسف علي
لم تكن شجرة الزقوم وحدها هي شجرة الفتنة، فهناك «شجرة الخلد» وهي شجرة محرمة، والفرق بين الشجرتين أن الأولى «شجرة العقاب» والثانية «شجرة الغواية» فهي ذات جمال وبهاء ووعد بالخلد والبقاء. ولكن كيف تكون «شجرة الزقوم» فتنة وهي قبيحة كريهة مؤلمة منفرة؟ السبب هو ما نسميه «الإطار» فـ «شجرة الخلد» ليست وحدها في الجنة بل الجنة مليئة بما يريح النفس ويسر العين من كل الكائنات وهذه الشجرة واحدة في هذا النعيم ولكنها منهي عنها. والنهي عنها في هذا الإطار من النعيم يصرف النفس عن كل ما عداها ويجعلها غاية الأرب. فلا ترى العين جميلا غيرها ولا يسكن القلب حديث إلا الحديث عنها ومن ثم فإن الوقوع في الغواية محتمل. هذا الموقف أشبه بموقف امرأة العزيز من يوسف. فتى مشترى لا حول له ولا طول ولا ثروة ولا جاه ولا سلطان وموقعه في بيتها أشبه بموقع الخدم عند المخدومين. وهي ذات حول وطول وجمال وسلطان، خرجت من كل حولها وطولها وجمالها وسلطانها طلبا لمن لا حول له ولا جاه ولا سلطان إلا ما تحدثها به نفسها عن متعة الشهوة مع هذا الفتى الوسيم، وكانت الفتنة «شغفها حبا». وكل مقومات الفتنة متوفرة والسقوط في بئر المعصية قائم وقريب ومحتمل. أما شجرة الزقوم ففي قاع جهنم ولها طلع كأنه رؤوس الشياطين، والشيطان ليس قبيح المنظر والمخبر فقط ولكنه أيضا قادر على الغواية والإغراء وتزيين الممنوع وتلوين الرغبة المحرمة بألوان زاهية والقدرة على المخاتلة والخداع والمكر السيئ. فكيف تكون فتنة «إنا جعلناها فتنة للظالمين»؟
الظلم في كل شيء هو الطغيان بمعنى مجاوزة الحدود في الظن أو العلم أو الشك أو التصديق أو الاعتقاد أو حتى في الأمور الحسية كالأكل والشرب واللباس أو اكتناز المال أو الغرور بالقوة. هذا الظلم قد يقع على الغير كما يقع على النفس حين تنكر حديث الغيب عن الحساب والجنة والنار. وهؤلاء الظالمون لم يصدقوا أن يكون في قاع جهنم شجر لتنافر النار مع النبات، فضلا عن إنكارهم البعث أو النشور وبغض النظر عن ماهية هذه الشجرة فإن جهنم مستقر العذاب وفيها كل مقام قبيح. والفتنة وقعت حين أنكر هؤلاء اجتماع الشجر والنار في قاع جهنم.
وامتد وصف شجرة الفتنة فتركز على طلعها، والطلع للنخيل واستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها بمعنى ثمرها وثمر النخيل مختلف ألوانه وهذا الاختلاف مناسب لما ورد في المشبه به «رؤوس الشياطين» طلع وثمر يساوي رؤوس الشياطين وكيف تتحول الألوان من الجمال في النخيل إلى القبح في شجرة الزقوم. والتشبيه هنا لا يعني توحد الطرفين فلم يحل الطلع محل رؤوس الشياطين أو العكس بل ظلت «كأن» قائمة بدورها في الفصل والوصل بين الطرفين وهذا معنى إطلاق الزمخشري على هذا التشبيه تسمية «تشبيه التخييل» أي الإيحاء والتأثير النفسي الذي يخايل المتلقي كل حين وتحت تأثير أية ثقافة حين يتلقى هذه الصورة بطرفيها وفي إطارها الذي تحددت ملامحه. فطرفاها لهما استقرار في الوجدان الجمعي العام. الشجرة التي أخذت من النخيل طلعه. هذا الطلع الجميل تحول بموجب اقترانه بالمشبه به إلى قبح مخيف.

أ. د. أحمد يوسف علي يوسف
أستاذ النقد الأدبي والبلاغة
قسم اللغة العربية، كلية الآداب والعلوم- جامعة قطر
ahmed@qu.edu.qa