الأصل في القرآن أنه يذكر ويهدي الناس جميعاً
باب الريان
15 يوليو 2015 , 06:02ص
كان من أكبر أمنياتي أن أتوجه لكتابة تفسير مختصر للقرآن الكريم، وعزمت على ذلك وأعلنت هذا الأمل المتجدد، ودعوت الله أن يحققه لي، ليكون حاشية في مصحف قطر، بخط الخطاط المتقن عبيدة البنكي السوري، وبدأت بتفسير سورة الفاتحة وسورة النبأ، لكني وجدت أن ما يجول في خاطري من معاني القرآن يأبى أن يتقيد بحاشية مطبوعة على المصحف، فخرجت عن هذه الخطة إلى الكتابة المسترسلة، على طريقتي في التأليف التي اعتدتها منذ كتابي الأول: الحلال والحرام في الإسلام.
ووفق الله فأتممت تفسير جزء عم، وهأنذا قد أتم الله عليّ تفسير جزء تبارك، وأسأل الله أن يبارك في الوقت والجهد لأتم ما أؤمله من تفسير كتابه. وهذا جزء تبارك بين أيديكم، وقد قدمت -على طريقتي في تفسير جزء عم- لكل سورة بذكر أهم مقاصدها، ثم أفسر سائرها، جزءًا جزءًا، وآية آية، جاعلًا اهتمامي الأول أن أفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة الصحيحة، جامعا بين العقل والنقل، والرواية والدراية، مستعينا أولا بالتأمل، ثم بقراءة التفاسير المهمة والاقتباس منها، ولن يعدم القارئ فيه فائدة، وسيجد فيه الخطيب والمحاضر والمدرس والداعية زادا نافعا.
{ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}
{الْوَتِينَ}: نياط القلب، وهو عرق يجري في الظهر حتى يتَّصل بالقلب، إذا انقطع بطلت القوى، ومات صاحبه. قال ابن قتيبة: ولم يرد أنَّا نقطع ذلك العرق بعينه، ولكنه أراد: لو كذب لأمتناه أو قتلناه. فكان كمن قُطع وتينه، قال: مثله قوله صلى الله عليه وسلم: «ما زالتْ أكْلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أَبْهَرِي» .
والأبهر: عرق يتَّصل بالقلب، فإذا انقطع مات صاحبه. فكأنه قال: هذا أوان يقتلني السُّم.
{فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}
أي: ما منكم أيها الناس مَنْ يحجزه أو يمنعه عني، و{أَحَدٍ} هنا في معنى الجمع، فلذلك نعته بالجمع، أي: فما منكم قومٌ يحجزون عنه، كقوله تعالى: {لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة:285]. هذا جمعٌ؛ لأن {بَيْنَ} لا تقع إلا على اثنين فما زاد.
القرآن تذكرة ينتفع به أهل التقوى:
{وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ}
أي: وإن القرآن لتذكرة وتبْصرة لأهل التقوى، الذين يخشونَ ربَّهم ويخافون سوء الحساب. والأصل في القرآن أنه يذكر الناس جميعًا، ويهدي الناس جميعًا، كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ} [البقرة:185]، لكنه في أول البقرة قال: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:2]. وكأنه يقول: أنتم الناس أيها المتقون، فأنتم وحدكم الذين تنتفعون بما في القرآن من هداية ونور، كما قال شوقي: (أنتم الناس أيها الشعراء)!
ومعنى: {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ}، أنه - كما قال ابن القيم - يتذكَّر به المتقي، فيبصر ما ينفعه فيأتيه، وما يضرُّه فيجتنبه، ويتذكَّر به أسماء الربِّ تعالى وصفاته وأفعاله، فيؤمن ويتذكَّر به ثوابه وعقابه، ووعده ووعيده، وأمره ونهيه، وآياته في أوليائه وأعدائه ونفسه، وما يزكِّيها ويطهِّرها ويعليها، وما يُدسِّيها ويخفيها ويحقرها، ويذكر به علم المبدأ والمعاد، والجنة والنار، وعلم الخير والشرِّ، فهو التذكرة على الحقيقة، تذكرة حجة للعالمين، ومنفعة وهداية للمتعلِّمين .
التنديد بالمكذبين بالقرآن:
{وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ}
أي: مع هذا البيان والوضوح، سيوجد منكم مَن يكذِّب بالقرآن، وإنَّا لنعلم هذا، أي: لا يخفى علينا شيء من أمركم، وممَّا علمناه منكم: أن في الزوايا خبايا، وأن هذه الخبايا مكشوفة لنا تمامًا، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [آل عمران:5]. فسنجازي هؤلاء المكذِّبين بتكذيبهم، وقد قال تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات:15]، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [الزمر:32].
القرآن حسرة على الكافرين حين لا ينفعهم التَّحسُّر:
{وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ}
{وَإِنَّهُ}، أي: القرآن، {لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ}، في يوم القيامة، وكيف يكون القرآن حسرةً عليهم؟
إنهم إذا عاينوا حقيقة ما أخبر به، كان تكذيبهم عليهم من أعظم الحسرات حين لا ينفعهم التَّحسُّر، وهكذا كلُّ مَن كذَّب بحقٍّ، أو صدَّق بباطل، فإنه إذا انكشفت له حقيقة ما كذَّب به، أو صدَّق به، كان تكذيبه وتصديقة حسرةً عليه، كمَن فرَّط فيما ينفعه وقت تحصيله، حتى إذا اشتدَّت حاجته إليه، وعاين فوز المحصِّلين صار تفريطه عليه حسرة، كذلك قال الله في شأن الكفار: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة:167].
مراتب اليقين في القرآن:
{وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ}
إن هذا القرآن لحقُّ اليقين، كما يقال: (عين اليقين)، و{لَحَقُّ الْيَقِينِ}، أي: حق لا بطلان فيه، ويقين لا ريب فيه. ثم اُضيف أحد الوصفين إلى الآخر.
ومَن قرأ القرآن الكريم وتأمَّل سوره وآياته، يجدْ أنه ذكر مراتب اليقين كلَّها، وهي ثلاث: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. وقد ذكرها العلامة ابن القيم في كتابه (التبيان في أقسام القرآن)، كما ذكر قوله تعالى: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [التكاثر:5-7].
قال: (فهذه ثلاث مراتب لليقين:
أولها: علمه، وهو التَّصديق التام به، بحيث لا يعرض له شكٌّ ولا شبهة تقدح في تصديقه، كعلم اليقين بالجنة مثلا، وتيقنهم أنها دار المتقين، ومقرُّ المؤمنين. فهذه مرتبة العلم، كيقينهم أن الرسل أخبروا بها عن الله، وتيقنهم صدق المخبر.
المرتبة الثانية: عين اليقين، وهي مرتبة الرؤية والمشاهدة، كما قال تعالى: {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [التكاثر:7]. وبين هذه المرتبة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة: فاليقين للسمع، وعين اليقين للبصر، وفي المسند للإمام أحمد مرفوعًا: «ليس الخبر كالمعاين»( ). وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربَّه أن يريه كيف يحيي الموت؛ ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين، فكان سؤاله زيادة لنفسه، وطمأنينة لقلبه، فيسكن القلب عند المعاينة، ويطمئن لقطع المسافة التي بين الخبر والعيان، وعلى هذه المسافة أطلق النبي صلى الله عليه وسلم لفظ: (الشك)، حيث قال: «نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم» . ومعاذ الله أن يكون هناك شكٌّ، ولا من إبراهيم، وإنما هو عين بعد علم، وشهود بعد خبر، ومعاينة بعد سماع.
المرتبة الثالثة: مرتبة حق اليقين، وهي مباشرة الشيء بالإحساس به، كما إذا أدخلوا الجنة وتمتعوا بما فيها، فهم في الدنيا في مرتبة علم اليقين، وفي الموقف حين تزلف وتقرَّب منهم حتى يعاينوها في مرتبة عين اليقين، وإذا دخلوها وباشروا نعيمها في مرتبة حقِّ اليقين، ومباشرة المعلوم: تارة يكون بالحواسِّ الظاهرة، وتارة يكون بالقلب، فلهذا قال: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ}، فإن القلب يباشر الإيمان به ويخالطه، كما يباشر بالحواس ما يتعلَّق بها، فحينئذ يخالط بشاشته القلوب، ويبقى لها حق اليقين، وهذه أعلى مراتب الإيمان، وهي الصدِّيقيَّة التي تتفاوت فيها مراتب المؤمنين.
وقد ضرب بعض العلماء للمراتب الثلاثة مثالا، فقال: إذا قال لك مَن تجزِمُ بصدْقِه: (عندي عسل أريد أن أطعمك منه). فصدَّقتَه، كان ذلك علم يقين، فإذا أحضره بين يديك، صار ذلك عين اليقين، فإذا ذقته صار ذلك حق اليقين، وعلى هذا، فليست هذه الإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته، بل من إضافة الجنس إلى نوعه، إن (العلم) و(العين) و(الحق) أعمُّ من كونها يقينًا، فأضيف العام إلى الخاص، مثل: (بعض المتاع)، و(كل الدراهم)، ولما كان المضاف والمضاف إليه في هذا الباب يصْدُقان على ذات واحدة، بخلاف قولك: (دار عمرو) و(ثوب زيد)، ظنَّ مَن ظنَّ أنها مِن إضافة الموصوف إلى صفته، وليس كذلك، بل هي من باب إضافة الجنس إلى نوعه، كـ(ثوب خز) و(خاتم فضة)، فالمضاف إليه قد يكون مغايرًا للمضاف، لا يصدُقان على ذات واحدة، وقد يجانسه، فيصدُقان على مسمًّى واحد، والله أعلم) .
الأمر بتسبيح الرب العظيم سبحانه:
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}
بهذه الآية الكريمة ختم الله تعالى هذه السورة، وهي جديرة بهذه الخاتمة، فقد أمر الله فيها بتسبيحه باسم الرب العظيم، وهو أهل لأن يُسبَّح ويُحمَد، وقد جاء في القرآن بهذا التسبيح (13) ثلاث عشرة مرة، وهو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكلِّ مَن يصلح للأمر بعده، منها قوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران:41]، وقوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر:98]، وقوله: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه:130].
ومنها ما جاء بهذه الصيغ: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:74]، جاء في سورة الواقعة وحدها مرتين بهذه الصيغة هذه هي الأولى، والثانية: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:95، 96]، وآخر مرَّة جاء فيها الأمر بالتسبيح بهذه الصيغة كانت في هذه السورة: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الحاقة:51، 52].
كما جاء في ثلاث آيات أخرى الأمر بالتسبيح بصيغة المضمر، كقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق:40]، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [النجم:49]، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان:26].
والتسبيح: هو تنزيه الله تعالى عمَّا لا يليق بكماله، ولذلك أمر به النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأمر به المؤمنين جميعًا، كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب:41، 42].
وقد أُمر الرسول الكريم أن يسبِّح ربَّه حين تنزل به المِحن، وتضيق به الدنيا، فليلجأ إلى ذكر الله وتسبيحه وعبادته: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:97-99].
{الْيَقِينُ} هنا: هو الموت.
كما أُمر عليه السلام أن يُسبِّح ربَّه ويحمده حين تنفتح له أبواب النصر، ويدخل الناس في دينه أفواجًا وجماعات، فقال تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:1-3].
روى الإمام أحمد بسنده، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: لما نزلت: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:74]. قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في ركوعكم». أي: قولوا: سبحان ربي العظيم. فلما نزلت: {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى:1]. قال: «اجعلوها في سجودكم» . أي: قولوا سبحان ربي الأعلى.