

من دلائل الإيمان أن يكون لسانك ترجمانا صادقا لما ينبض به قلبك، وأن تكون أعمالك صورة متطابقة لما يدور في خلجات نفسك، وهذا هو الإيمان الصادق الذي لا زيف فيه، والإسلام الغض الذي لا شبهة معه.. أن يستوي سرك مع علانيتك.
وهذا العبد الذي تصالح ظاهره مع باطنه هو صاحب القلب المنيب {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ}.
إنهم يخشون ربهم، ويراقبوه في سرهم وجهرهم، في خلوتهم وعلانيتهم، {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
لقد آمنوا بأن الله معهم.. مطلع عليهم.. ناظر إليهم {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}.
أيقنوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»
إن مشاهد يوم القيامة لا تفارق أذهانهم، وإن هولها وشدتها تعتصر قلوبهم {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ}.
ولا يخشى الله بالغيب إلا العلماء الصادقون، والأتقياء البررة، {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}.
فرأينا النبي صلى الله عليه وسلم- وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- «يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء».
لذا وعدهم الله سبحانه بأجر عظيم، لأنهم صدقوا مع خالقهم، ومغفرة لذنوبهم، لأنهم أخلصوا مع إلههم، {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}.
وقال في حديثه القدسي: «وعزتي وجلالي، لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة».
وكان من ثمار خشيتهم لله بالغيب أن كانوا من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. عندما تدنو الشمس من الرؤوس، ويلجم الناسَ العرقُ إلجاما، ويضج الخلائق من هول المحشر، حتى إن منهم من يتمنى أن يغادر أرض المحشر ولو إلى النار، فيسبغ الله عليهم من فضله، ويظلهم في ظله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله..». وذكر: «ورجل ذكر لله خاليا ففاضت عيناه».
لا تكن مثل هؤلاء الذين {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ}.
الذين لم يستجيبوا لنداء الحق وهو يحذرهم: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}.
أريدك أن تتذكر ذلك الرجل الصالح، الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الغار، عندما تمكن من المرأة التي يحبها ويهواها، ويذوب قلبه عشقا لها، لكنها قالت له: اتق الله ولا تفضن الخاتم إلا بحقه، فقام فزعا، يرتجف فؤاده، وتضطرب نفسه، ويقشعر بدنه، وأعطاها المال الذي تحتاج إليه، فكان من ثمرات خشيته لله بالغيب أن فرج الله عنه كل ضيق.
أريدك أن تخاطب نفسك الأمارة بالسوء، الداعية إلى العصيان، وأنت تنشد قول الشاعر
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
تذكر هذه الحقائق الأربعة.. حدث نفسك بها.. ضعها أمام عينيك وقلبك وفكرك.. لعلها تكون عونا لك على خشية الله.
الحقيقة الأولى: سأموت ولن أعود {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}. {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}.
الحقيقة الثانية: لن آخذ معي شيئا، وانظر إلى المال الذي جمعته.. تحاسب عليه وحدك، ويتمتع به غيرك، وانظر إلى المولود كيف يقبض يديه.. وإلى الميت كيف يبسطهما!!
الحقيقة الثالثة: لن ينفعني أحد ممن حولي، {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.
الحقيقة الرابعة: سأحاسب وحدي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة».