

الدرس السابع عشر
من سنن الله في النصر والهزيمة
في سورة آل عمران
{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}[آل عمران:137-143].
انكسار المسلمين في غزوة أحد:
هذه الآيات من سورة آل عمران، هي بداية لشوط طويل وقفته هذه السورة مع حدث من الأحداث العظيمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، هذا الحدث هو غزوة أحد، وغزوة أحد إحدى الغزوات التسع الكبار، هذه الغزوة التي أراد المشركون فيها أن يثأروا لأنفسهم ممَّا حدث لهم في غزوة بدر، يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان.
لقد نصر الله تعالى رسولَه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه يوم بدر نصراً مؤزَّرا، فقتلوا من صناديد قريش، وأئمة الكفر سبعين، وأسروا سبعين، ثمَّ جاء المشركون يريدون أن يهاجموا المدينة، ويهاجموا المسلمين في عقر دارهم، جاؤوا ووقفوا عند أحد.
وقد أراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم في أول الأمر أن يقف ويظل داخل المدينة، فإذا دخلوا قاتلوهم بكل ما يستطيعون، ولكن الشباب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن فاتهم شرف القتال في غزوة بدر، كانوا متشوِّفين للقتال، فأرادوا أن يخرجوا لهم، وكان ما كان من أمر هذه الغزوة.
لقد خالف الرماة الذين كلفهم النبي صلى الله عليه وسلم بحماية ظهر المشركين أمر النبي صلى الله عليه وسلم ووصيته، فأوَّلوا أمره صلى الله عليه وسلم، ونزلوا إلى الغنائم، وأخلوا أماكنهم، فخلت ظهور المسلمين للمشركين، ففاجأهم المشركون من خلفهم، وأعملوا فيهم سيوفهم، وكان ما أراد الله تعالى، استشهد من المسلمين سبعون من الصحابة، من أمثال حمزة بن عبدالمطلب، أسد الله، وعم رسوله، أمثال مصعب بن عمير، من أمثال أنس بن النضر، من أمثال عبدالله بن جحش، من أمثال هؤلاء الصحابة الكرام، وكان ذلك شديد الوقع على المسلمين، الهزيمة بعد الانتصار، خاصة أن الجولة الأولى كانت في صالحهم، سقوط هؤلاء الشهداء، شعور كثير منهم بالتقصير، كان هذا سبب غمٍّ دخل على قلوب المسلمين.
سنن الله تعالى لا تحابي أحدا
فأراد الله سبحانه وتعالى أن يُعقِّب على هذه الغزوة الكريمة، فنزلت هذه الآيات من السورة تعقيباً على هذا الحدث الجليل، فقال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}، لستم أول من انكسر، إنَّ التاريخ يحفل بالوقائع الكثيرة، لا بدَّ أن تدرسوا التاريخ، وأن تعرفوا سنن الله تعالى فيه، إنَّ من المهم أن تعلموا أن هذا الكون يسير على سنن وعلى قوانين، ومن سنن الله تعالى أن يدفع الإنسان ثمن خطئه، ولقد أخطأتم خطأكم، ولم تنفذوا أمره، وأخليتم ظهركم، فدفعتم الثمن سبعين من أصحاب نبيكم صلى الله عليه وسلم، سنن الله لا تحابي أحداً ولا تلين لأحد، قوانين الله سائرة فلا بد أن تعرفوها.
الاعتبار بسنن التاريخ
إنَّ الله تعالى جعل للناس ثلاثة كتب مفتوحة يقرؤونها، القرآن أحد هذه الكتب، الكون أحد هذه الكتب، وكذلك التاريخ، فلا بدَّ أن نعتبر بسنن التاريخ.
{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}، ولا بدَّ أن تعلموا أنَّه إذا كانت الدولة عليكم والريح ليست في صالحكم اليوم، فاعلموا أنَّ العاقبة لكم في النهاية {فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}، عاقبة الأمم التي كذبت رسلها من قبل.
{هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ}، القرآن بما يحويه من عبر، وما فيه أحكام، وما فيه من قصص بيان للناس، كلُّ الناس، بيانٌ وإرشادٌ ودلالة على الطريق لكلِّ الناس، ولكنه هدى وموعظةٌ للمتقين، المتقون هم الذين ينتفعون به، أمَّا أولئك فهو عليهم عمى، كما قال الله تعالى:{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ}[فصلت:44].
هذه الآيات جاءت في أعقاب غزوة أحد، والآيات التي بعدها نحو ثمانين آية جاءت في أعقاب هذه الغزوة العظيمة؛ لتبيِّن أن المسلمين لا يغترون عند النصر، ولا يهنون عند الشدة،{فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله}.
من قوانين النصر
{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، لا يكن ما حدث لكم سبباً في ضعف أنفسكم، ووهن في عزائمكم، ولا يغلبنَّكم الحزن والأسى والحسرة على ما حدث، لا، ما فات مات، تهيؤوا للمستقبل، واعلموا أنَّ الغد لكم، وأنَّ العاقبة لكم، وأنتم الأعلون؛ لأنَّكم تُعلون كلمة الله، فلا بدَّ أن يعليَ الله شأنكم، وأنتم تنصرون الله، فلا بد أن ينصركم الله، هذا قانون من قوانين النصر {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد:7].
{وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، ما دمتم مؤمنين فثقوا، العلو في النهاية لكم، {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]، {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}[غافر: 51].
سنة التداول
ثمَّ بين الله سبحانه سنة من سننه:{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}، ما لكم تنظرون إلى الأمور من وراء منظار أسود قاتم، ما لكم تضخمون ما حدث كأنكم تنظرون إليه بميكروسكوب يضخم الشيء الصغير فيجعله كبيراً، يجعل من الحبَّة قبة كما يقولون، مسكم قرحٌ وقد مسَّ القوم قرحٌ مثله، انتصرتم في هذه الغزوة وقد انكسروا بأكبر منها في غزوة بدر، قُتِلَ منكم سبعون، هم في بدر قتل منهم سبعون، وأُسِر سبعون{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ}.
كلُّ ما في الأمر أنكم تختلفون عنهم كما جاء في الآية الأخرى:{إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 104]،
{وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}، هذا هو شأن الدهر، هذا هو شأن الحياة، يوم لك، ويوم عليك، الدولة تكون لك يوماً، وتكون عليك يوماً آخر، لا بدَّ أن نتقبَّل الحياة بحلوها ومرها، بوردها وأشواكها، ولا نظن أنَّ الحياة ملك أيدينا نصرفها كيف نشاء.
تمييز الخبيث من الطيب
ثمَّ هناك حكمة أخرى:{وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا}، إنَّ الله تبارك وتعالى يريد أن يعلم المؤمنين من غير المؤمنين، يريد أن يميِّز الخبيث من الطيب، وأن يطهِّرَ صفوفكم، إذا كان هناك ضعاف النفوس، أو مرضى القلوب، أو منافقون يجب أن يعرفوا، كما جاء في آية أخرى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران:179]، النصر لا يكشف هؤلاء المنافقين، إنما ينكشفون ساعة الهزيمة، ساعة النصر يكونون في الزحام مع غيرهم، ولكن عندما تقع الهزيمة ينكشف هؤلاء، يكشفون عن أنفسهم بأنفسهم، ولهذا كان لا بدَّ من التمييز، ولا بدَّ من التصفية {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا}، علم ظهور مكشوف للناس، {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا}، يمحصهم بهذه المحن، ويطهرهم ويصفي نفوسهم.
{وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ}، أي أن الله يريد أن يصطفي بعض عباده منكم لهذه الشهادة، لهذه المنزلة العظيمة، يريد أن يرفع بعض الناس إلى هذا المقام، مقام الشهادة، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}، فلا يتخذ شهداء منهم، إنَّما يتخذ من المؤمنين،{وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا}، يمحصهم بهذه المحن، ويطهرهم ويصفي نفوسهم، كما جاء في الآية أخرى {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }[آل عمران:154]، إنَّما تتربى الأنفس في الشدائد، في الضراء، في المحن، أمَّا السراء فلا تربي الرجال، التمحيص يكون في أتُّون المحن والأزمات والشدائد، هي التي تصهر الأنفس، وتصنع الأبطال والرجال حقاً،{وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}، سيكون ذلك سبباً في محقهم، وزوالهم وإدارة الدَّائرة عليهم إن شاء الله.
الجنة لها ثمن
ثمَّ يبين الله سبحانه وتعالى سنة من سننه، وحقيقة من حقائق كونه، {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ}، هل كنتم تريدون الجنَّة بلا ثمن؟ وثمنها معاناة الحياة ببأسائها وضرَّائها وشدائدها:{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:2-3]، كما قال أيضاً في سورة البقرة: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214]، إلى هذا الحدّ مسَّتهم البأساء في أموالهم، والضرَّاء؛ الضرر في أبدانهم، والزلزلة: الاضطراب في نفوسهم، حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟ متى يجيء النصر؟ {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}وإنَّما يعلمهم بالابتلاء، علم ظهور، كما قال في الآية الأخرى:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد:31].
ثم يقول الله تعالى:{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} طالما تشوَّفتم إلى هذه المواقف، كنتم في شوق إلى أن تروا الموت عِياناً، طالما كنتم تنتظرون يوم القتال، يوم المواجهة، وها أنتم تواجهون المشركين، وها أنتم قد رأيتم الموت بأعينكم، فأثبتوا وجودكم، واصبروا واثبتوا، واعلموا أنَّ الجنَّة تحت ظلال السيوف.