عمارة المساجد اكتسبت خصوصيتها من الروح الإسلامية المبدعة
باب الريان
15 يوليو 2013 , 12:00ص
تأليف: عصام تليمة
البحث الفائز بجائزة مركز عبدالله عبدالغني العالمية في الفكر الإسلامي
تأليف: عصام تليمة
العناصر المعمارية في المسجد
وإذا كانت المساجد قد تنوع أسلوب تصميمها من منطقة إلى أخرى، ومن طراز إلى آخر، فقد امتد هذا التنوع أيضا إلى جميع عناصر المسجد المعمارية والزخرفية، التي اكتسبت خصوصيتها من الروح الإسلامية المبدعة في كل بلد دخله الإسلام. وفيما يلي عرض موجز لأهم العناصر المعمارية بالمساجد في محاولة للتعرف على جوانب التنوع فيها:
1 - المحاريب والمنابر
العلاقة بين المحراب والمنبر في المساجد علاقة وثيقة ومترابطة، فقد ذكر الزركشي: استحباب أن يكون المنبر على يسار المحراب، تلقاء يمين المصلي، إذا استقبل القبلة، والمحراب هو الحنية أو التجويف في جدار القبلة، ويرجح أن أول استعمال للمحاريب المجوفة كان على عهد عمر بن عبدالعزيز (عام 91 هجرية) عند تجديد عمارة المسجد النبوي أيام ولايته على المدينة المنورة.
المحاريب نوعان: مسطحة أو مجوفة، ومن أمثلة المحاريب المسطحة: محراب قبة الصخرة المسطح في المغارة تحت الأرض، أما المحاريب المجوفة فمنها ما هو ذو تجويف نصف دائري، ومن أقدم أمثلته في مصر: محراب جامع ابن طولون، ومنها ما هو ذو تجويف قائم الزوايا، ومنها محاريب مجوفة كثيرة الأضلاع.
وقد تنوعت المواد المستعملة في بناء المحاريب، فاستخدم الحجر والرخام، والخزف والفسيفساء والخشب، وغير ذلك من المواد، لتنفيذ العناصر الزخرفية لهذه المحاريب، ومن المحاريب الخشبية ما هو ثابت في جدار القبلة، كالمحراب الخشبي الذي كان يغطي واجهة محراب جوهر الصقلي، ومن المحاريب الخشبية ما هو متنقل كمحراب مسجد السيدة رقية من العصر الفاطمي أيضا، وموجود الآن في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة.
ويمكن أن تتعدد المحاريب في جدار قبلة بعض المساجد، ويرجع البعض سبب ذلك إلى أنه يكون تأكيدا لاتجاه القبلة، أو أن كل محراب يكون مخصصا لمذهب من المذاهب الأربعة المعروفة، أو ربما كان ذلك للزينة.
وقد اختلفت آراء العلماء ما بين مؤيد ومعارض لوجود المحراب المجوف في المساجد، ورغم هذا الاختلاف فإن المحراب كعنصر معماري مميز لعمارة المسجد، يظل أحد العناصر المعمارية والزخرفية البارزة في تاريخ العمارة والفن الإسلامي.
أما كلمة (المنبر) فقد اشتقت من نبر وانتبر الشيء بمعنى ارتفع، فالمنبر هو منصة مرتفعة تتسع لوقوف وجلوس الخطيب، ويستخدم أيام الجمعة والأعياد، أو المناسبات.
وقد تطور شكل المنبر بحيث أصبح عبارة عن جانبين على شكل مثلث، جهتي الدرج الصاعد إلى أعلى المنبر، حيث الجلسة المعدة للخطيب. وقد يكون المنبر متحركا خاصة في مساجد المغرب، حيث يتم حفظه في غرفة تقع خلف حائط القبلة كي لا يعترض صفوف المصلين في الأوقات التي لا يستخدم فيها.
والمنابر من حيث مادة إنشائها منها: المنابر الخشبية، والرخامية، والحجرية، فالمنابر الخشبية تتكون كل أجزائها من الخشب، وأقدم منبر خشبي باق في العالم العربي هو منبر جامع القيروان، أما المنابر الرخامية فهي التي بنيت وكسيت بالرخام، وأقدم ما عرف منها في مصر، وجدت بعض أجزائه في مسجد الخطيري، وهي محفوظة في المتحف الإسلامي، ومن أمثلته المشهورة أيضا: منبر مدرسة السلطان حسن، وكلاهما من العصر المملوكي البحري. أما بالنسبة إلى المنابر الحجرية فمن أمثلتها في مصر: ما يوجد في خانقاه فرج بن برقوق، والآخر في مسجد شيخون، ويماثلان في زخرفتهما المنابر الخشبية.
2 - المآذن والقِباب
يستعمل الأذان كحقيقة عرفية في النداء للصلاة، أو الإعلام للحج، والمآذن والمنارات اسمان للمكان الذي يتم منه الإعلام بدخول وقت الصلاة، وقد استعمل الاسمان في المشرق الإسلامي، وقد أطلق لفظ المنارة على المآذن، حيث كانت تضاء بالأنوار عند الغروب في رمضان، وتظل مضاءة حتى طلوع الفجر، ثم تطفأ إيذانا ببدء يوم جديد من أيام الصيام.
أما في بلاد الغرب الإسلامي (المغرب العربي والأندلس) فيطلق على المآذن لفظ الصوامع، ويرجع ذلك إلى أن أغلب مآذن المغرب الإسلامي ذات شكل مربع، وهو ما يشبه أبراج الصوامع، أما أقدم مئذنة في العالم الإسلامي –ما زالت محتفظة بشكلها الأول رغم التعديلات التي طرأت عليها- فقد أقامها عقبة بن نافع ما بين 50 و55 هجرية بمسجد القيروان، وهي تعد نموذجا لمآذن مساجد المغرب العربي والأندلسي.
وقد كانت المآذن التي ظهرت في العصور المبكرة للإسلام (العصر الأموي) مربعة الشكل على نمط أبراج الكنائس السورية، أما في العراق وبلاد فارس فقد أخذت المآذن شكلا أسطوانيا، وأحيانا ملويا، يدور السلم من خارج بدنها، كما في مسجد سامراء، وأبي دلف بالعراق، وقد اقتبس أحمد بن طولون نفس فكرة مسجدي سامراء، حين بنى مئذنة مسجده المعروف بالقاهرة، التي تعد أقدم مآذن القاهرة من حيث احتفاظها بشكلها الأول.
وقد تطور شكل المآذن بمصر خاصة في العصر المملوكي، حيث أصبحت تبدأ بقاعدة مربعة يعلوها قسم مثمن، ثم قسم دائري، منتهية برأس أو رأسين أحيانا، يعلوهما مبخرة أو الجوسق. أما المآذن التركية العثمانية فلقد امتازت بالجمال والرشاقة، مع استقامتها ونهايتها المخروطية على شكل قلم الرصاص المبري، وقد شيدت على مثالها مئذنة جامع محمد علي بالقاهرة، وغيرها من المآذن التي تختال مرتفعة في بلاد المسلمين.
ولا يوجد مكان محدد لموقع المئذنة من المسجد، فقد تكون جزءا من المبنى نفسه، كما هي الحال في دمشق والقيروان وقرطبة، وقد تكون قائمة بذاتها على مقربة من المسجد كما هي الحال في جامع سامراء وابن طولون.
أما القبة فهي بناء دائري المسقط، مقعر من الداخل، مقبب من الخارج، والقبة هي أحد الأشكال الخاصة التي استخدمت في تغطية أسقف كثير من المباني على مر العصور، فيرجح أن القباب الأولى نشأت في بلاد ما بين النهرين، والشرق الأدنى، كما أن العمارة الرومانية والبيزنطية عرفت القباب واستعملتها في المباني.
إن استخدام القباب في العمارة الإسلامية له رؤية خاصة، فهي لم تكن حلا بيئيا ومناخيا أو إنشائيا ووظيفيا فقط، بل أيضا رمزيا، حيث ترمز إلى السماء، خاصة في المناطق المسقوفة من المسجد، حيث يعدها البعض صورة مصغرة لما كان يراه العربي في صحرائه من اتساع الأفق، واستدارة السماء من فوقه، لذلك فلقد جاء استعمال القباب في العمارة الإسلامية بأسلوب فريد ومميز عما سبقها من قباب الحضارات السابقة.
وتعد قبة الصخرة ببيت المقدس التي شيدت عام 72 هجرية أقدم مثال للقبة في تاريخ العمارة الإسلامية، أما أول استخدام حقيقي للقبة في المسجد فكان أمام وأعلى المحاريب، تأكيدا على مكانتها وأهميتها، كما في المسجد الأموي بدمشق (132– 133 هجرية)، والمسجد الأقصى بالقدس (163 هجرية). وفي مسجد سوسة (263 هجرية) وغيرها من المساجد. كما اشتهر استخدام القباب في تغطية المشاهد والأضرحة، وإن كانت السنة النبوية الصحيحة قد نهت عن البناء على القبور وتغطيتها.
وقد تنوعت أشكال القباب وزخارفها، فكان منها الشكل الكروي، والبيضاوي، والبصلي، والهرمي، والمضلع، ومن أشهرها وأجملها زخرفة خارجية: قبتا ضريحي قايتباي، وبرسباي، كما استخدمت عدة أساليب إنشائية للانتقال من المسقط المربع إلى دائري يحمل القبة، حيث استخدمت المحاريب الركنية، أو المثلثات الكروية، أو المقرنصات، أو باستخدام المحاريب الركنية والمقرنصات معا.
وجدير بالذكر هنا أن نشير إلى أن استخدام القبة في العمارة الإسلامية لم يقتصر فقط على المساجد أو المباني الدينية فقط، فقد استخدمت القباب في بعض الاستراحات والقصور، كقصريا عمرا بالأردن، وقصر الأخيضر بالعراق. وفي العصر الفاطمي شوهدت القباب في مداخل أسوار القاهرة، وفي العصر الأيوبي جاء استخدامها في تغطية الأبراج الدفاعية، حيث كان يعلو برج الظفر قبة حجرية.
3 - الأعمدة والعقود
العمود هو ما يدعم به السقف أو الجدار، وقد أخذ تسميات عدة: فهو عمود في المشرق، وسارية في المغرب، وشمعة في لبنان، وأسطوان أو أسطوانة على لسان بعض الكتاب.
وفي العصور الإسلامية المبكرة، استعملت جذوع النخيل كأعمدة، كما في المسجد النبوي، وبعد ذلك لجأ المسلمون إلى استعمال الأعمدة اليونانية والرومانية والبيزنطية المجلوبة من المباني السابقة، ثم ما لبث أن اعتمدت العمارة الإسلامية على أعمدة ذات تصميمات نابعة من الفن الإسلامي نفسه.
والعمود من الناحية المعمارية يتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية هي: القاعدة، ثم البدن، ثم التاج، وتم استعمال الأعمدة ذات البدن الأسطواني، ثم ابتكرت أعمدة أخرى ذات بدن مضلع قطاعه مثمن، كما ابتكرت أعمدة ذات أبدان مضلعة تضليعا حلزونيا، وظهر في الطراز العثماني نوع من الأعمدة امتاز بما في بدنه من (خشخان) أي تقوير متعرج، أو على هيئة معينات.