الصفحات المتخصصة
15 يوليو 2011 , 12:00ص
? الشيخ فريد أمين الهنداوي
بسم الله الرحمن الرحيم «لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ*وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ*لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ*أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ*يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا*أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ*أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ*وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ*فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ*فَكُّ رَقَبَةٍ*أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ*يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ*أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ*ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ*أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ*وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ*عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ».
* بين يدي السورة:
(1) سورة «البلد» مكية، وعدد آياتها عشرون آية.
(2) نزلت بعد سورة «ق»، وقبل سورة الطارق.
(3) سميت بهذا الاسم لأن الله -تعالى- أقسم في فاتحتها بالبلد الحرام (مكة)، وسميت عن صحيح البخاري «سورة لا أقسم».
(4) السورة كلها محكمة، ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
* معاني الكلمات:
(1) (الْبَلَدِ): مكة المكرمة.
(2) (حِلٌّ): ساكن «مقيم»، نازل بهذا البلد الحرام.
(3) (وَوَالِدٍ): آدم عليه السلام.
(4) (وَمَا وَلَد): جميع ذريته.
(5) (كَبَدٍ): نصب وشدة، وأصله: من كَبِدَ الرجل كَبَداً إذا وجعته كبدُهُ، ثم استعمل في كلِّ تعبٍ ومشقة.
(6) (لُّبَدًا): كثيراً وفيراً، وأصله من تَلَبَّد الشيء إذا اجتمع وتكرس بعضه على بعض، ولا يخاف فناؤه من كثرته.
(7) (النَّجْدَيْنِ): طريق الخير والشر، والنَّجْدُ: ما ارتفع من الأرض، وأصله الطريق المرتفع، وجمعه نجود ونجاد، ومنه سميت «نجد» لارتفاعها عن انخفاض تهامة.
(8) (اقْتَحَمَ): الاقتحام: الدخول في أمرٍ شديدٍ ومجاوزته بصعوبة.
(9) (الْعَقَبَةَ): الطريق الوَعرْ.
(10) (فَكُّ): الفك: تخليص الشيء من الشيء، ويقال فككتُ الحبلَ، وفككتُ الأسير: إذا خلصته من قيد الأسر.
(11) (رَقَبَةٍ): العضو المعروف من الإنسان، وعُبِّرَ به عن ذات العبد.
(12) (مَسْغَبَةٍ): مجاعة، من سَغِبَ يَسْغِبُ سغبا، من باب (فرح): إذا جاع.
(13) (مَقْرَبَةٍ): القرابة في النسب، تقول: فلان من ذوي قرابتي، إذا كان قريبك في النسب.
(14) (مَتْرَبَةٍ): المتربة: الفقر، تقول: تَرِبَ الرجل إذا افتقر.
(15) (مُّؤْصَدَةٌ): مطبقة مغلقة، من أوصدت البابَ: إذا أغلقتُهُ وأطبقته.
* التفسير:
«لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ»: أي: أقسم بالبلد الحرام الذي هو مكة، وأقسم بها تشريفاً لها.
«وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ»: أي: والحال أنَّك يا محمد نازل ومقيم بهذا البلد الأمين مكة المشرفة.
قال البيضاوي في تفسيره (3/660): «أقسم بالبلد الحرام، وقيَّده بحلوله -عليه السلام- فيه، أي إقامته فيه، إظهاراً لمزيد فضله، وإشعاراً بأن شرف المكان بشرف أهله».
«وَوَالِدٍ وَمَا وَلَد»: أي: وأقسم بآدم وذريته الصالحين.
قال الخازن في «تفسيره» (4/248): «أقسم الله -تعالى- بمكة لشرفها وحرمتها، وبآدم وبالأنبياء والصالحين من ذريته؛ لأن الكافر -وإن كان من ذريته- لا حرمة له حتى يُقْسِم به».
«لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ»: أي: لقد خلقنا الإنسان في نصب ومشقة وغباء، فإنه مع كونه أضعف الخلق لا يزال يقاسي فنون الشدائد، مبدؤها ظلمة الرحم وضيقُهُ، ومنتهاها الموت وما بعده، فابن آدم يكابد من البلايا ما لا يكابده غيره.
والآية جواب للقسم.
«أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ»: أي: أيظن هذا الإنسان الكنود المغترُّ بقوته وسلطانه أن لن يقهره أحد ويغلبه؟ فما أجهله!! فإن قوة الله -تعالى- لا تقف أمامها قوة «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ».
«يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُّبَدًا»: أي: يقول رياء وسمعة: أنفقت مالاً كثيرا، وذلك إذا دعي للبذل والخير، وعبر عن الإنفاق بالإهلاك كأنه جعل المال الكثير الذي بذله ضائعا لا فائدة فيه ولا نفع يرجى من ورائه.
«أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ»: أي: أيظن ذلك المغتر بماله أن الله لم يطلع عليه، فيرى ويعلم ما أنفق، ولماذا أنفق؟ فإن الذي خلقه مطلعٌ على قرارة نفسه، عالم بخبيئات قلبه، (يَعْلَم خَائِنَة الْأَعْيُن وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)، (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) أي: وما هو أخفى من السر، كالوسوسة والهاجس والخاطر، ألا فليرتدع هذا المعاند الفاجر.
* ثم يذكر الله -تعالي- ذلك الظان الشقي بنعمه عليه وإحسانه إليه..
(ونستكمل تفسير بقية السورة الأسبوع القادم إن شاء الله)