الرسول وفاطمة الزهراء.. علاقة مثلى بين الأب وابنته
الصفحات المتخصصة
15 يونيو 2012 , 12:00ص
د. أبو الفتوح صبري
الزهراء بنت محمد (?) آخر الرسل الكرام وأشرف الخلق أجمعين، والشافع المشفع يوم الدين، وزوجة علي (رضي الله عنه) -أول من آمن من الصبية، وفادي الرسول يوم الهجرة، ورابع الخلفاء الراشدين-. هي أم الحسن والحسين حِبّي رسول الله (?) وريحانتيه وسيدي شباب أهل الجنة. وُلدت بعد مبعث الرسول (?) بخمس سنين، ونشأت في بيت النبوة ومهبط الرسالة، رباها أعظم المربين على سطح الأرض، أمها السيدة خديجة (رضي الله عنها) أولى زوجات الرسول ?، وأولى النساء إيمانا بالإسلام، والمبشرة بقصر في الجنة، وقد كان بعض أزواج النبي (?) ينزعجن من شدة حبه وذكره إياها أمامهن ووفائه لذكراها حتى بعد وفاتها!
لم تكد تبلغ الخامسة من عمرها حتى توفيت أمها السيدة خديجة (رضي الله عنها) فامتلأت نفسها حزنًا وألمًا، فكانت تلوذ بأبيها المصطفى (?) الذي بات سلوتها الوحيدة، فوجدت عنده كل ما تحتاجه من العطف والحنان والحب، علمها الصبر والجلد، ووجد فيها الرسول أيضا ما فقده بموت أمه، فكانت قرة عينه وسلوة أحزانه.. كانت في حنانها عليه واهتمامها به كالأم الحنون حتى قال عنها: «فاطمة أم أبيها» (الطبراني في المعجم الكبير).
كانت فاطمة الزهراء خليجاً من حنان وصبر أمها ورأفة ورحمة المصطفى (?)، صارت هي الدوحة المُظلة لأبيها، رافقته ما استطاعت، وطببته في غزوة أحد من جروحه، وكانت تضمه كأنها أمه المشفقة الوالهة، وكان يبادلها بأكثر من ذلك، لذلك قال: «فاطمة بضعة مني». وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت أحدا من الناس كان أشبه بالنبي ? كلاما ولا حديثا ولا جلسة من فاطمة.. وكان النبي ? إذا رآها قد أقبلت رحب بها ثم قام إليها فقبلها ثم أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه، وكانت إذا أتاها النبي ? رحبت به ثم قامت إليه فقبلته..» (صححه الألباني– الأدب المفرد 1326– حديث رقم 947).. وهذا هو السر في كونها أم أبيها.
تعرضت السيدة فاطمة (رضي الله عنها) لأذى الكفار، مثلها مثل غيرها من مسلمي قريش، حيث شهدت العديد من مكائد الكفار واعتدائهم على رسول الله (?)، ومن أقسى ما مر بها (رضي الله عنها) عندما ألقى أحد سفهاء الكفار وأشقاهم وهو عقبة بن أبي معيط (جزاه الله بما يستحق) الأذى على رأس النبي (?) وهو ساجد يصلي في ساحة الكعبة، ويبقى الرسول ? ساجدا إلى أن تتقدم فاطمة وتلقي عنه القذر.
ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود، قال (رضي الله عنه): «بينما رسول الله ? يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي ? وضعه بين كتفيه. قال: فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر -أي: ابن مسعود - لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ?، والنبي ? ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة بنت النبي ?، فجاءت وهي جويرية -تصغير جارية- فطرحته عنه ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي ? صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثاً، ثم قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته. ثم قال: اللهم عليك بـأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط، وذكر السابع ولم أحفظه). وجاء في رواية أخرى عند البخاري: أن هذا السابع هو عمارة بن الوليد. قال: (فوالذي بعث محمداً ? بالحق لقد رأيت الذين سماهم النبي ? صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب -أي: البئر التي حُفرت لهم- قليب بدر).
هاجرت السيدة فاطمة إلى المدينة، وبعد أن تزوج الرسول (?) من السيدة عائشة (رضي الله عنها) تقدم كبار الصحابة لخطبة فاطمة الزهراء من رسول الله (?)، بعد أن كانوا يحجمون عن ذلك سابقا -لعلمهم أنها كانت تخدم وتؤنس أبيها (?)، ومنهم أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف (رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم)، ولكن النبي (?) اعتذر في لطف ورفق، وتحدث الأنصار إلى علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وشجعوه على التقدم للنبي (?) لخطبة فاطمة (رضي الله عنها)، وأخذوا يذكرونه بمكانته في الإسلام، ومكانته عند رسول الله (?) حتى تشجع وذهب إلى الرسول (?) خاطبا، وعندما حضر مجلس النبي غلبه الحياء فلم يذكر حاجته، وأدرك رسول الله (?) ما ينتاب عليا (رضي الله عنه) من حرج فبادره بقوله: ما حاجة ابن أبي طالب؟ روى الطبراني: «قَالَ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عِنْدَكَ فَاطِمَةُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا حَاجَةُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: «مَرْحَبًا وَأَهْلا». وبالفعل خطب علي (رضي الله عنه) السيدة فاطمة رضي الله عنها، وكان مهرها (رضي الله عنها) درعا كان الرسول (?) قد سبق وأهداها إلى علي في غزوة بدر، قال: «أردت أن أخطب إلى رسول الله ابنته -والله مالي شيء- فخطبتها إليه، فقال: وهل عندك شيء؟ فقلت: لا، قال: فأين درعك الحطمية التي أعطيتك يوم كذا كذا؟ قلت: هي عندي، قال: فأعطها إياها»، فكانت تلك الدرع مهر بنت رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، وبنى الإمام علي (رضي الله عنه) بالسيدة فاطمة (رضي الله عنها) في العام الثاني للهجرة كما ورد في أغلب الروايات، وقد دعا لهما رسول الله (?) فقال: «اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في نسلهما» (الطبراني في المعجم الكبير)، فأنجبا الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة وريحانتي رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، وحنكهما النبي وعق عنهما وسماهما، ثم وضعت فاطمة زينب وأم كلثوم.
دعا لها رسول الله ? ألا تجوع أبدًا، فما جاعت قط. فقد كانت فاطمة لا تشبع من طعام، فهم دائما في فاقة من العيش، ونتيجة لذلك ضعف جسمها. فعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كنت عند النبي (?) جالسًا إذ أقبلت فاطمة رضي الله عنها قد تغير وجهها من الجوع، فأقبلت حتى قامت بين يديه، فقال لها: ادني فدنت، ثم قال لها: ادني يا فاطمة فدنت، حتى قامت بين يديه، فرفع يده حتى وضعها على صدرها في موضع القلادة، فقال: «اللهم مشبع الجاعة ورافع الوضعة لا تجع فاطمة بنت محمد»، قال عمران بن الحصين: فرأيت الدم قد غلب على وجهها كما كانت الصفرة قد غلبت على وجهها، قال عمران فلقيتها بعد فقالت: ما جعت بعد يا عمران (دلائل النبوة للبيهقي ودلائل النبوة لأبي نعيم، والمعجم الأوسط للطبراني).
وكانت فاطمة تحبه حبًا جما وتشفق عليه (?) مما يلاقي من عناء وتعب في سبيل الله، فعن أبي حازم عن أبيه أنه سمع سهل بن سعد يسأل عن جرح رسول الله «صلى الله عليه وسلم» يوم أحد فقال: جرح وجه رسول الله وكسرت رباعيّته، وهشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة بنت رسول الله تغسل الدم، وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها بالمجنّ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدّم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رمادا، فألصقته بالجرح فاستمسك الدّم» (البخاري ومسلم).
وقد كان النبي (صلي الله عليه وسلم) يحب فاطمة حبا شديدًا، فعن المسوّر بن مخرمة عن رسول الله (?) قال: «فاطمة بضعة مني فمن أبغضها أغضبني» (البخاري ومسلم).
هذا، وقد أخبر النبي (صلي الله عليه وسلم) السيدة فاطمة بأنها أول أهل بيته لحوقا به، فعن عائشة قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأنّ مشيتها مشي النبي «صلى الله عليه وسلم» فقال النبي: مرحبا بابنتي، ثم أجلسها عن يمنيه أو عن شماله ثم أسرّ إليها حديثا فبكت، فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثا فضحكت، فقلت: ما رأيت اليوم فرحا أقرب من حزن فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله حتى قبض النبي «صلى الله عليه وسلم» فسألتها، فقالت: أسر إلي أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرّة، وأنّه عارضني العام مرّتين ولا أراه إلا حضر أجلي وإنكِ أول أهل بيتي لحوقا بي فبكيت، فقال أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين فضحكت لذلك» (البخاري ومسلم).
وقد حزنت السيدة فاطمة حزنًا شديدًا علي وفاة أبيها، فعن أنس قال: لما ثقل النبي «صلى الله عليه وسلم» جعل يتغشّاه فقالت فاطمة (رضي الله عنها): يا كرْباه لِكرْب أبتاه. فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلمّا مات قالت: يا أبتاه أجاب الرب دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلمّا دفن قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب؟» (البخاري).
صدقت يا رسول الله فيما أخبرت عن السيدة فاطمة فقد كانت أول أهل بيته لحاقا به (عليه الصلاة والسلام)، حيث مرضت بعد وفاة أبيها حزنا وكمدًا عليه، وقبل أن تموت أوصت الزهراء (رضي الله عنها) علي بن أبي طالب بثلاث وصايا في حديث دار بينهما قبل وفاتها. وقالت الزهراء: يا ابن عم، إنه قد نعيت إلي نفسي، وإنني لا أرى حالي إلا لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي. فقال رضي الله عنه: أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله (?)، فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت، فقالت رضي الله عنها: يا ابن العم ما عهدتني كاذبة ولا خائفة، ولا خالفتك منذ عاشرتني، فقال (رضي الله عنه): معاذ الله! أنت أعلم بالله تعالى، وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفا من الله تعالى، وقد عز علي مفارقتك وفقدك إلا أنه أمر لابد منه، والله لقد جددت علي مصيبة رسول الله (?) وجل فقدك، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد أوصت الزهراء رضي الله عنها عليا رضي الله عنه بثلاث: أن يتزوج بأمامة بنت العاص بن الربيع، وهي بنت أختها زينب (رضي الله عنها)، وفي اختيارها لأمامة رضي الله عنها قالت: إنها تكون لولدي مثلي في حنوتي ورؤومتي. وأمامة هي التي روي أن النبي (?) كان يحملها في الصلاة. وأن يتخذ لها نعشا وصفته له، وكانت التي أشارت عليها بهذا النعش أسماء بنت عميس (رضي الله عنها)، وذلك لشدة حيائها (رضي الله عنها)، فقد استقبحت أن تحمل على الآلة الخشبية ويطرح عليها الثوب فيصفها، ووصفه أن يأتي بسرير ثم بجرائد تشد على قوائمه، ثم يغطى بثوب. وأن تدفن ليلا بالبقيع.
توفيت الزهراء وهي في التاسعة والعشرين من عمرها، وقد نفذ علي (رضي الله عنه) وصيتها، فحملها في نعش كما وصفته له ودفنت بالبقيع ليلا، فكانت أول من حملت في نعش وأول من لحقت بالنبي (?) من أهله.
هذه هي بنت الرسول زهراء الأمة خير النساء وخير الزوجات، وفي فضلها أحاديث عظيمة وكثيرة، لا يسمح المجال بعرضها، ويكفي أنها حظيت بتربية الرسول وتوجيهاته النبوية، وحبه وحنانه وعطفه، ثم دعواته لها (رضي الله عنها) ومنها ما ذكرت من الدعاء لها بالبركة في زواجها من علي (رضي الله عنه)، والدعاء لها بألا تجوع أبدا.. إنها العلاقة المثلى بين الأب وابنته.. علاقة المودة والحب والعطف.. علاقة البشاشة والصفاء والوقار.. هذا نموذج راق لم يشهد التاريخ بسواه عظمة وقوة وتفردا.. هذا ما يجب علينا أن نقتدي به.