الصفحات المتخصصة
15 مايو 2014 , 12:00ص
مختار خواجه
قصّ الله علينا في كتابه العزيز خبر إبراهيم وإسماعيل ويعقوب عليهم السلام في سورة البقرة، واختتم الله ذلك بقوله:
«تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون»، وقص موقف اليهود والنصارى وادعاء كل طرف انتماء الأنبياء إليه، ودعا المؤمنين للتوحيد والإخلاص، واختتم بالآية ذاتها هذا الشق.
وهذا يوقفنا على معنى ظاهر، وهو أن التوحيد نواة بناء الأمة بناء صحيحاً، وبدونه لا استمرارية لها، وأنه بغير التوحيد تتوقف وتموت، والآيتان تشيران إلى أن العبرة بالمبدأ لا الأشخاص، بخلاف أتباع الباطل مقدسي الأشخاص، وعند الحساب لا ينفع أحد أحداً.
لكن هذا لا ينفي وحدة الأمة في مسارها التاريخي على أساس التوحيد، بل إن احترام الثابتين على المبدأ الداعين إليه هو إكمال لمسيرة التوحيد، خاصة من
نقلوا الدين إلينا، وأي تجاوز في هذا الأمر سينعكس
على تلقي التوحيد وتطبيقه، ووحدة الأمة واقعياً،
ولهذا قال الله تعالى مرشداً الأجيال القادمة المؤمنة: «ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا»، ولهذا حكم الإمام مالك
بحرم من يسب الصحابة من الفيء بهذه الآية، وفي
حكمه هذا إشارة إلى أن هتك وحدة الأمة تاريخياً يهتك وحدتها واقعياً، فالفيء علته الجهاد، ولا يتمكن الجهاد إلا بوحدة الأمة كاملة، ونؤكد أن احترام العظماء لا يعني تقديسهم أكثر من المبدأ بقدر ما يعني احترام من ساروا على هذا المبدأ.
وهذا يقودنا لطبيعة التوحيد وقابليته للاستمرار عبر التاريخ، وقيمته في وحدة الأمة بشكل صحيح وقوي ومؤثر بحكم عوامل نراها ماثلة للعيان في تجارب الأمة تاريخياً وواقعياً:
وحدة مرجعية الوحي، وهو لا يناقض بعضه بعضاً، وفيما المبتدعة يستشهدون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، وكل بدعة تجد فيها هذا الخلل راكزاً بيناً.
انتفاء العصمة لغير الله ورسله: فلا قدسية ولا توثين، بل اتباع وتأس.
فطرية التوحيد، فالتوحيد في الإسلام فطرة الله تعالى، وفي تطبيقاته تتجلى الفطرة وتهذب، وتنقى،
وأما تشريعات المبتدعة
فهي مخالفة للفطرة
السوية.
أخلاقية التوحيد: فالتوحيد رسالة ذات بعد أخلاقي رصين، والخلل في التوحيد ينعكس على الأخلاق ولا شك.
وسطية التوحيد: ففي بناء التوحيد المعرفي في الإسلام تجد نفي النقص، وإثبات الكمال لله تعالى، وكل ما في التوحيد وسط بين نقيضين، وإنما البدعة من الغلو في أحدهما.
والوسطية ابنة الفطرية تتفرع عنها، والوسطية هنا تشمل العقل والعاطفة بتوازن وضبط بلا ميل لأحدهما على الآخر.
عدم القابلية للاحتكار: فالتوحيد مبناه على العدل، وإقرار ما عند المخالف من حق ما وجد.
وبتحقق هذه الخصائص نستطيع أن نعيد للتوحيد فاعليته، ونجنب الأمة الفرقة، بدون خسارة عقيدتها، بل بتصويب وتصحيح مسارها وواقعها، ويمكننا تقييم الأسماء الرنانة حولنا.