نتنياهو الماكر.. وفرص الحرب ضد إيران
حول العالم
15 مايو 2012 , 12:00ص
إندبندنت - ترجمة: ياسر إدريس
دائما كان هناك شيء من الافتعال حول تصريحات نتنياهو المروعة بشأن قصف إسرائيل، لكن كاستراتيجية، كان لها تأثير مدهش في الداخل والخارج. وكان نتنياهو خبيرا في التلاعب بمشاعر الإسرائيليين بشأن هذا التهديد، فشعبيته لدى الناخبين مكنته الأسبوع الماضي من إثارة دهشة المراقبين والسياسيين في إسرائيل بعد تشكيل ائتلاف مع حزب كاديما المعارض.
لقد بدت نية إسرائيل لشن حرب ضد إيران لمنعها من اكتساب قدرة نووية أنها «خدعة هذا القرن»، لكن نتنياهو لاعب «بوكر» جيد، وقليلون كانت لديهم الجرأة للمراهنة عليه حتى عندما أصبح موعد الهجوم النهائي أقرب من أي وقت، فقد حقق مكاسب منها فرض عقوبات أكثر صرامة على طهران بشكل لم يتصوره الإيرانيون مستغلا رغبة العديد من الدول في فرض حصار اقتصادي على رؤية القاذفات الإسرائيلية تضرب الخليج.
ربما لا يصدق قادة إيران تهديدات نتنياهو ضدهم، لكن من الواضح أنهم استهانوا بتأثير هذا التهديد على بقية دول العالم. كذلك فإن مواجهات نتنياهو الكلامية مع إيران همشت في الوقت الراهن مصير الفلسطينيين والمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية, وعلى مدى العامين الماضيين انشغل بقية العالم في التوسل لإسرائيل بعدم شن حرب ضد إيران من أجل تسليط مزيد من الضوء حول ما يحدث في رام الله أو غزة.
كما أن الكثير من منتقدي وأعداء نتنياهو كانوا عونا كبيرا له؛ فمائير داجان، الرئيس السابق للموساد، ويوفال ديسكين رئيس جهاز الأمن الداخلي «الشباك»، صورا رئيس الوزراء الإسرائيلي على أنه داعية للحرب غير مسؤول، وبالتالي ازداد صيته في بقية أنحاء العالم. ربما كانوا على صواب؛ فقد أخبرني مؤرخ إسرائيلي الأسبوع الماضي أن نتنياهو بالفعل «متهور». صحيح قد يكون متطرفا في رفضه لأي اتفاق مع الفلسطينيين لكنه ماهر في تحقيق أهدافه بالوسائل السياسية الماكرة, وعلى عكس سلفه، إيهود أولمرت، لم يبدأ حربا فعلية، رغم أنه برر الحروب التي بدأها قادة آخرون.
يتميز نتنياهو بضبط النفس, فبلده لم تحقق انتصارا حاسما في أي حرب منذ 40 عاما تقريبا, إذ انتهت مغامرتها الطويلة في لبنان التي بدأت بالغزو عام 1982 بالذل والانسحاب بعد 20 عاما. وفي عام 2006 فشل القصف المستمر لشهر من قبل القوات الجوية والمدفعية الإسرائيلية في إبعاد مقاتلي حزب الله بعيدا عن خنادقهم القائمة على بعد أميال قليلة من الحدود الإسرائيلية. ويبدو أنه تساءل: هل القاذفات الإسرائيلية ستكون أكثر نجاحا ضد المنشآت النووية الإيرانية الموجودة في أعماق الجبال؟ ماذا سيكون الهدف وراء قصف من هذا القبيل؟
المخابرات الأميركية تقول إن إيران لا تمتلك سلاحا نوويا ولم تقرر إذا ما كانت تريد صنع واحد، لكن إجراء إسرائيليا على الأرجح سيجعلها عاقدة العزم على صنع قنبلة نووية مهما حدث. إسرائيل لم تذهب إلى حرب دون ضوء أخضر من الولايات المتحدة. ومن غير المرجح أن تفعل ذلك في المستقبل. ويدرك الناخبون الإسرائيليون أن تحالفهم الوثيق مع أميركا ليس هناك أهم منه. ويميلون لرد فعل قوي ضد الساسة الذين يعرضون تلك العلاقة للخطر وهو ما حدث مع نتنياهو نفسه عندما خسر الانتخابات العامة عام 1999.
من وجهة نظر إسرائيل إيران تلعب دورا مهما في دعم التحالف بينها وبين الولايات المتحدة ولطالما أحبت إسرائيل تقديم نفسها على أنها أفضل حليف لأميركا ضد الأشرار. ومن المفارقات، عندما كانت إيران أكثر تطرفا في معظم أعمالها تحت حكم آية الله الخميني، لم يقم الإسرائيليون بطريقتهم المعتادة في تشويه صورة حكمه أو تقديمه بوصفه خطرا على العالم.
هناك سبب آخر يجعل من مصلحة إسرائيل تجنُّب النزاع المسلح؛ فقوتها العسكرية واستخباراتها أقل مما يتصور الكثيرون، حيث كشفتها حرب عام 2006 في لبنان والتي أظهرت عدم كفاءتها على كل المستويات. إن إيران ليست التهديد الحقيقي لإسرائيل وليست أي دولة أخرى، بل في حالة عدم اليقين التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط برمتها في أعقاب الربيع العربي، بعد أن تدهورت علاقات إسرائيل الدافئة مع الحكام العرب المستبدين، ومن المرجح أن تزداد مع من يخلفهم. وفي الوقت نفسه فإن القيادة الإيرانية، الحريصة والمخادعة أكثر من أي وقت مضى، تبدو أنها تتحرك تجاه حل وسط بشأن التطوير النووي يمكنها من الانسحاب دون فقدان ماء الوجه.
* باتريك كوكبرن
خبير سياسي بريطاني