

الصيام بتجلياته يفرض التوسط والاعتدال في المأكل والمشرب
أعكف على كتابة «تأملات في السيرة النبوية» أحد أحلام العمر المبكِّر
أجد في ظلال العبقري نجيب محفوظ سلواي.. وشعر محمود درويش حُلم يحمل الواقع وواقع يطير حالماً
الكلمات تُسَهِّل الحياة، وتُطَيِّب الأوقات.. وأَوَّلُ ما يَشدُّك إلى كاتب لُغَتُه، فكلمات الكُتّاب قناديل تضيء دروب حياة القراء، وتُساعدهم أحياناً على حلّ ما استعصى عليهم، وتُخفف عنهم أحياناً أخرى جَفَاءَ ما يتخبطون فيه من واقع.
«العرب» التقت بصيدلي يبدع في تركيب الدواء، وأديب وشاعر يتقن فن تركيب الكلمات ونظم الشعر، إنه الدكتور السيد أحمد برايا الدكتور الشاعر والأديب متعدد المواهب؛ فهو رغم تخصصه في علم الصيدلة فإنه موهوب في الأدب والشعر والكتابة المتنوعة.
وإلى نص الحوار:
دكتور.. هلّا حدثتنا عن بداية رحلتك الأدبية والعلمية؟
حصلت على بكالوريوس الصيدلة ودبلوم معهد الدراسات الإسلامية وماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية عن المنظمات غير الحكومية من جامعة القاهرة، وأمارس عملي كصيدلي بحب شديد، وقد وصلت فيه لأقصى ما أتمنى، حيث تقلّدت الكثير من الوظائف القيادية بعدة شركات أدوية، وكذلك التصنيع الدوائي، ولي مجموعة من الأبحاث نُشِرت في مجلات المؤتمرات العلمية في الولايات المتحدة واسكتلندا وألمانيا وكوريا وغيرها، وأبحاث في كثير من الدوريات العلمية العربية.
دكتور سيد متخصص وخبير في الصيدلة والطب، وموهوب في الأدب والكتابة، كيف تحقق ذلك؟
هناك أرضية مشتركة بين الصيدلة والأدب حيث المعاني المشتركة في مناهضة وعلاج أوجاع وآلام الناس. ففي مرحلة مبكرة من حياتي ولمدة عشرين عاماً عملت محرراً لمجلة الصيدلة والدواء عن وزارة الصحة المصرية، وقد أمدّني ذلك بخبرة كبيرة في عالم الكتابة، كما أن دراسة الصيدلة والكيمياء أفادتني في اختيار ودقة الكلمات المعبرة عن موضوعات الكتابة، فمن تبسيط العلوم دون إخلال بالمعلومة أو اختلال في الفهم، إلى إطار محتوى المنتج الدوائي من ألوان جاذبة وتذوق حلو الطعم، إلى تنوع في الأشكال الإبداعية من مقالات وشعر وقصة قصيرة ورواية، كما أن الأدب يشفي بعض أمراض الروح مثلما يشفي الدواء أمراض البدن. وهناك وشائج قربى بين فن الأدب والشعر والطب والصيدلة، ففيما مضى كان العرب ولا يزالون يطلقون لقب الحكيم على الطبيب الحاذق. كما يُعَد الأدب أحد الروافد المهمة في الثقافة الموسوعية للصيدلي.
العلاقة بين الأدب والصيدلة
الأدب والصيدلة.. ما العلاقة بينهما؟ وفيمَ يتفقان؟ ولماذا يختلفان؟
الصيدلي يلاحظ أمراض الأفراد وأعراضهم فيصلحها بعلاجه، ويستعمل صناعته وفنه في علاج الأجسام، بينما الأديب يعالج أمراض الأمة الاجتماعية وأعراضها، ويمنحها وصفة دواء ناجع يصلح به بنيتها الاجتماعية والأخلاقية. فهما شريكان في العلاج؛ الأول يعالج الجسد والثاني يعالج الفكر ويغذي الروح. وكثير من الأطباء الصيادلة (وكانت فيما مضى مهنة واحدة) شعراء أدباء من الطبقة الأولى، ونرى الكثير من الآثار العلمية التي خلفوها، إضافة إلى آثارهم في الشعر والأدب والنظم البديع الحسن، مثل ابن سينا وابن زهر وأمية بن أبي الصلت وغيرهم كثير. لكن هناك بعض الاختلافات، فالطب والصيدلة علم قائم على التجربة والربط المنطقي بين الأسباب والنتائج، أما الشعر والأدب فهو من قبل كل شيء منبعه الإحساس والعاطفة، ويدخل الخيال دوراً مهماً وأساسياً في البناء الأدبي الذي لا مكان له عند الصيدلي والطبيب في تشخيص وعلاج الأمراض. وقد أطلق البعض لفظ الأدب على التأليف عامة، فقد ترجم ياقوت في كتابه «معجم الأدباء» لمؤلفين في جميع فروع المعرفة، ونقل عن الجاحظ أنه أدخل في الأدب جميع فروع المعرفة، وجميع العلوم كالرياضيات والصيدلة والكيمياء، وعن إخوان الصفا أنهم أطلقوا في رسائلهم الأدب على الفنون والصناعات والطب والصيدلة.
إن الأدب بجميع أنواعه يمثل ينبوعاً مهماً من ينابيع الثقافة لكل المهن. فمن أشهر الأدباء العلميين أنطوان تشيكوف أمير القصة القصيرة، وكذلك آرثر كونان كاتب القصص البوليسية ومخترع شخصية شرلوك هولمز، وكذلك يوسف إدريس وإبراهيم ناجي.
كيف امتزج الإبداع الشعري والطبي لديكم؟
الشعر مرحمة النفوس، وسره هبة السماء ومنحة الديان، والطب مرحمة الجسوم ونبعه من ذلك الفيض العلي الشأن، فكيف لا يلتقيان؟ ولنا أسوة في السابقين؛ فهذا الرازي من أعظم الأطباء الصيادلة الذين عرفتهم بغداد، بل على مر العصور له قصائد فلسفية رائعة يحملها الزمان لكل جيل كما يحمل علمه، وكذلك كتاب ابن أبي أصيبعة «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» استعمل الشعر كوسيلة تعليمية طبية؛ حيث يجيب بالشعر على أسئلة طبية.
لديكم مخزون ثقافي متنوع لافت.. أنى لكم ذلك؟
جزء من تكويني الثقافي هو تكوين علمي ليس بحكم الدراسة فقط، ولكن بحكم حبي للقراءة في العلم والمعرفة منذ البكور. ومتابعة كل جديد، والتعبير عنه بشكل أدبي، فالعلم مدهش وساحر، ويحيل الحياة إلى فراشات ملونة وتصالح مع الكون بإبداعاته الخلاقة، وارتقاء بالإيمان بالخالق سبحانه وتعالي، وجميل صنعه، فتعانق الحروف كالنجوم والجبال، وتصافح الجمال المبهر في صنع الله حين تحاول التعبير عنه. كل لحظة في الحياة فارقة، فالكل متغير والكل متجدد، ولا يعيد التاريخ نفسه ولا الأوقات تعود كما كانت، وتتغير الفصول وتتقلب النفوس، وتهفو الأرواح أو تغفو، فليعش كل منا اللحظة، ولا يجعلها تستبد به، فهي تتحول لشيء آخر مختلف. فالليل يعقبه نهار، والقمر ينداح عن شمس باهرة، وحر الصيف الحارق يتابعه برد الشتاء القارس، والمرض بفضل الله تعقبه صحة، والحاجة يعقبها حمد لله على امتلاء الإناء الفارغ، حتى الجبال الشم لا تثبت في موقعها {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِي تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} فقط هو الله الواحد الأحد الذي لا شيء قبله ولا أحد بعده، وهو المبتدئ وإليه المنتهى، يقبض ويبسط، لا بد للإنسان من اليقين بعبودية الله المدبر {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ}، فيسلم نفسه لربه، ويعمل ويجتهد وفق أوامره سبحانه ونواهيه فيرضي ربه، ويريح قلبه والتسليم المطلق لرب العالمين.
ما أهم إصداراتكم العلمية والأدبية؟
أصدرت كتاباً في «تاريخ الصيدلة والدواء» وكتاب «طب الأعشاب بين العلم والخرافة» و «الدواء في حياتنا» و «الدواء بين العلم والوهم» و»فقه الصيدلي المسلم». وفي أدب الرحلات كتاب «ثلاثة عيون على الدنيا» وهو حصيلة زيارات ثلاثين دولة حول العالم وأكثر من أربعين مدينة، وفي الشعر ديوان «الحروف الغائمة».
مَن الأديب المفضّل لديك؟
أنا أحب أن أنهل من إبداع الجميع، فأقطف من كل بستان زهرة، فهناك العديد من الأدباء الذين تأثرت بهم، فمثلاً حين تصيبني نوبات الحنين والشوق أجد في ظلال العبقري نجيب محفوظ سلواي، وآنس بالأماكن التي تجلت عبقريته في وصفها، حتى كأنك تراها رأي العين، وتشعر فيها بالليل وبالنهار، وتصاحب شخصياته على اختلافها وتنوعها.
وكذلك تداعبني براكين أمير القصة القصيرة يوسف إدريس وهو يكتب كبركان متدفق، ومحمد المخزنجي في تراكيبه اللغوية ودقة العرض، والتاريخ عند المنسي قنديل، ويحملني شعر محمود درويش إلى بعيد حتى لا أستطيع العودة إلى ما كنت فيه قبله، فهو الحلم يحمل الواقع، وهو الواقع يطير حالماً.
هل لديكم أعمال سترى النور قريباً؟
أعكف حالياً على كتابة «تأملات في السيرة النبوية»، وأرجو الله تعالى الانتهاء منها قريباً، فهي أحد أحلام العمر المبكر وظلت معي حتى الآن.
العلم قهر «الإيدز»
و«الإيبولا»
لا نستطيع أن نفوت هذه الفرصة، ونحن مع خبير في علم الصيدلة دون أن نسألك عن جائحة كورونا، وأثرها على العالم؟
ما فعلته كورونا بالعالم أكبر أثراً مما فعلته الحروب التي كانت محدودة بالجغرافيا والتاريخ والزمن، فهذا الفيروس اقتحم كل شبر في العالم، وفرض استراتيجيته الظالمة عليه، وسلب حرية الخلق، وضيق عليهم، وحرمهم حتى من الابتسام، وتحسس الجميع من الهواء والماء والسلام، وتطارد موجاته المتجددة الأمل الذي ما إن يتجدد حتى يتبدد.
وقد شهد التاريخ ما هو أسوأ من هذا الوباء، فقد مرّ بالإنفلونزا الإسبانية إلى الطاعون الأسود، ومن الإيدز إلى الإيبولا، لكن في النهاية ينتصر العلم، ويشرق نوراً في آخر كل نفق مظلم.
هل وقف العلم عاجزاً أمام «كوفيد - 19»؟
لم يقف العلم عاجزاً، لكنه يغلي كما تغلي القدور حتى ينتج اللقاحات التي بذرت بذور الأمل في الشفاء، وتمثل حصناً حصيناً وسوراً عالياً يمنع فيروس كورونا وتداعياته المقيتة من الاستمرار في عنفوانه وسطوته.
ما دور الأسرة في حياة دكتور برايا؟
أسرتي الدافع والداعم الأول لي في الحياة، والحمد لله، فزوجتي صيدلانية، وولدي الأكبر صيدلاني، وابني الثاني يحضر ماجستير في الهندسة المدنية بجامعة ميونيخ، وابني الأصغر يدرس هندسة الكمبيوتر والبرمجة في الجامعة التقنية في ألمانيا.
هلّت علينا بداية شهر رمضان الكريم ما نصائحكم الصحية للصائمين؟
رمضان ربيع الحياة وشفاء الأرواح والأجساد ورواء النفوس، وهدية الله تعالى لأمة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وقبول الهدية يكون بشروطها وفهم مقاصدها. والصيام بتجلياته في شهر القرآن يفرض التوسط والاعتدال في المأكل والمشرب.