

تتمتع المائدة القطرية في شهر رمضان المبارك بعدد من المأكولات، التي ارتبطت بهذا الشهر الكريم خاصة، والتي تمثل جزءًا أساسيًا من التراث التقليدي القطري المتوارث، وتميز شهر رمضان عن بقية شهور السنة، حيث تستعد الأسرة القطرية لاستقبال هذا الشهر بتجهيز بعض المأكولات، منذ منتصف شهر شعبان، أو ما يُعرف بيوم النافلة، إذ يشتري رب الأسرة الميرة والمواد التموينية الخاصة بتحضير الأكلات الرمضانية، مثل الحب، الطحين، الحلويات التقليدية كالساقو والنشاء، وغيرها.
ويتميز شهر رمضان في البيت القطري بكون المجالس مفتوحة، وقد يوجه رب الأسرة الدعوة للأهل والجيران للإفطار معه، حيث تقام الولائم بذبح الذبائح، وطبخها بطريقة تختلف عن بقية الأيام العادية، إلى جانب المأكولات الخاصة بهذا الشهر المبارك، كما قد يدعوهم كذلك لتناول وجبة «الغبقة»، وهي وجبه تؤكل بعد الانتهاء من صلاة التراويح، ويمتد زمنها إلى منتصف الليل، وعادة ما تضم أطباقا مختلفة من الأسماك، وتعتبر هذه الوجبة بمثابة السحور.
وكانت سيدة البيت تستخدم الحب في إعداد الهريس، من خلال عمليات تبدأ بتجمع نساء الفريج في بيت إحداهن، ويقمن بتنظيف الحب ورشه بالماء، ثم وضعه في «المناحيز»، والتي لها عصا طويلة، ثم يبدن بدقه بهذه العصا وهن واقفات، ويرددن أثناء هذه العملية بعض الأغاني الخاصة، والتي تعرف بأغاني طحن ودق الحب، وتستمر هذه العملية في كل بيت من بيوت الحي أو الفريج حتى ينتهين جميعًا.
النساء يتناوبن إدارة الرحى
وتعتمد أكلات الثريد واللقيمات والعصيدة على الطحين المستخرج من الحب بعد تنظيفه وطحنه في رحى خاصة، تدر بواسطة عصا صغيرة مثبتة فيها، وتتشارك نساء الحي في هذه العملية أيضًا، إذ يتناوبن إدارة الرحى، ووضع الحب من ثقبها، وذلك حتى ينتهين من هذه العملية، التي يقمن بها وهن فرحات مسرورات، سعيدات بتعاونهن وتشاركهن، فقد كانت هذه المناسبات بمثابة أعياد يجتمعن فيها، وتبدو فيها أسمى معاني التعاون والمودة والتراحم والأخوة، وبعد الانتهاء من عملية الطحن، يتم نخل الطحين حتى يصبح جاهزًا للاستعمال، وكانت هذه العملية كذلك تصاحبها أغاني خاصة بها، تعرف بأغاني طحن الحب في الرحى.
وكانت نساء الحي أو الفريج يجتمعن في هذه المراحل منذ منتصف شهر شعبان في إطار استعداد الأسرة القطرية لشهر رمضان المبارك، وكان ذلك يمثل أروع صور التعاون بين الفريج.
واستخدمت المرأة القطرية الطحين في صناعة وإعداد خبز الرقاق، الذي يعتبر عنصرًا أوليًا لتحضير الثريد، حيث تقوم ربة البيت بعجنه بالماء والملح، وقليل من التمر على صاج «التاوه»، ثم تقوم بخبزه على الفحم، وبعدها يصبح جاهزًا لإعداد الثريد، أو لأكله كخبز مرقوق، ولإنتاج الثريد منه، فإنه يكسر في أواني مفتوحة، يطلقون عليها «بادية»، ثم يرش عليه مرقة الثريد، ثم يوضع اللحم والخضار، ومن ثم يصبح جاهزًا للأكل.
وكانت البلاليط، التي تنتج من الشعيرية والبيض، أو الأرز باللبن تمثل وجبة السحور في بدايات شهر رمضان المبارك، حيث تتناول الأسرة السحور مع بعضها البعض، ثم يقوم كل فرد فيها لصلاة الفجر، ومع شروق شمس اليوم الجديد يخرج كل إلى عمله.
حب ولحم وماء
ويمثل الهريس، الذي يتكون من حب ولحم وماء وملح طبقًا رئيسًا على مائدة الإفطار الرمضانية، ويبدأ الاستعداد بتجهيزه من بعد صلاة الظهر، إذ يترك على النار لفترة طويلة، حتى ينضج، ثم يغطى ويترك حتى قرب موعد الإفطار، فيؤتى بالحب المطبوخ، ويوضع في قدر، ثم يضرب بعضا خشبية خاصة، من أسفل القدر إلى أعلاه حتى يصبح الخليط ناعمًا، وبعد ذلك يوضع في الصحون، ويسوى سطحه بالدهن، وعندئذ يصبح جاهزًا للاكل، ومن ثم يوزع بعضه الصبية الصغار على الأهل والجيران من باب صلة الأرحام.
وبعد صلاة الظهر تدب الحركة في البيت القطري لإعداد مرقة الثريد التي تتكون من اللحم والخضار، ويتميز شهر رمضان بخصوصية في إعداد الثريد، حيث تقوم ربة البيت بإضافة القليل من التمر فيها، وهي إضافة لا تضاف إلى في هذا الشهر فقط.
وعند إعداد اللقيمات تبدأ المرأة القطرية بعجن الطحين مع الماء والخميرة، ويترك لمدة كافية، ثم تبدأ عملية قلي اللقيمات في الزيت، ثم تشريبها بالقطر أو الساقو بغلي الماء والسكر والكركم، وإضافة حبيبات الساقو بعد نقعها في الماء، وتترك على النار حتى تتماسك، ثم يضاف السمن والهيل والزعفران.
وتزدان المائدة الرمضانية القطرية كذلك بالقرص المفروك، والذي يتكون من الطحين الذين يعجن بالماء، ثم يشكل على هيئة أقراص، ويخبز في رماد الجمر، وبعد نضجه يقطع إلى قطع صغيرة.