

في قلب محمية زكريت الطبيعية التاريخية، وعلى مقربة من العمل الفني الأيقوني لريتشارد سيرا «شرق–غرب/غرب–شرق»، يطلّ معرض «رحّال» بوصفه تجربة ثقافية وفنية متفرّدة تتجاوز مفهوم المتحف التقليدي، لتؤسس فضاءً متنقّلًا يحتفي بالطبيعة بوصفها شريكًا أصيلًا في إنتاج المعنى الجمالي والمعرفي.
المتحف المتنقّل الذي أسّسه الشيخ محمد بن راشد آل ثاني، المدير المؤسس لمعهد الفن العربي والإسلامي في نيويورك، بالتعاون مع المصمم العالمي ومؤسس «ويليام وايت» ويليام كوبر، ينطلق من رؤية تعيد وصل الفن بالبيئة الطبيعية، وتستحضر قرونًا من الطقوس العربية التي قامت على بناء المجتمع حول الأرض والمكان.

وأوضح الشيخ محمد بن راشد آل ثاني، أن فكرة المشروع تقوم أساسًا على «تسليط الضوء على طريقة عيش العرب قديمًا، سواء في الحضر أو البادية، وعلاقتهم العميقة والوطيدة بالصحراء»، مشيرًا إلى أن الخيمة تاريخيًا ترمز عند العرب إلى الضيافة والملاذ الآمن للعائلة والمسافر.
وأضاف أن الرحالة القادمين عبر طرق التجارة القديمة، ومنها طريق الحرير، كانوا يدركون دلالة الخيمة بوصفها علامة أمان، إذ «يعرفون أنهم سيجدون طعامًا وراحة وضيافة قبل مواصلة رحلتهم»، وهو المعنى الذي يسعى «رحّال» إلى استعادته عبر تجربة حيّة تمكّن الزائر، خصوصًا القادم من الخارج، من معايشة الضيافة القطرية والتفاعل مع أهل قطر وثقافتهم.
وقال الشيخ محمد آل ثاني إن «رحّال» يمتد على ثلاثة أجنحة رئيسية هي: المجلس، والمعرض، والمكتبة. ويشكّل المجلس رمزًا للضيافة والحوار، بينما يقدّم المعرض تجربة بصرية متعددة الحواس تستكشف علاقة الإنسان بالبيئة في مختلف أنحاء العالم، انطلاقًا من فكرة أن البشر، مهما اختلفت بيئاتهم أو مستوياتهم، يشتركون في تأمل عناصر الطبيعة ذاتها كالشمس والقمر والجبال والغابات.
وفي هذا السياق، يضم المعرض أعمالًا لفنانين معاصرين من قارات متعددة، منهم البرازيلي أنطونيو دياز، والصيني زانغ فانزي، والسوري زياد دلول، واللبنانية إيتيل عدنان، والمصور الأمريكي لي فريدلاندر، في حوار فني عابر للجغرافيا، منوها بأن غياب الفن القطري عن الأعمال المعروضة له دلالة أيضا وهي أن قطر هي التي تحتضن مختلف الثقافات؛ فالخيمة القطرية تفتح أبوابها للجميع.
جمال المكان وتاريخه
وأكد أن اختيار موقع زكريت لم يكن مصادفة، بل لأن «جمال المكان وتاريخه يفرضان نفسيهما»، موضحًا أن التكوينات الصخرية الحالية جاءت نتاج تحولات جيولوجية طويلة، ما يجعلها شاهدًا طبيعيًا على الزمن.
وأضاف أن المشروع يهدف أيضًا إلى إبراز تنوّع البيئة القطرية، وإظهار أن تضاريسها لا تقتصر على الكثبان الرملية، بل تضم تشكيلات طبيعية فريدة تضاهي بيئات عالمية مختلفة.
أما جناح المكتبة، فيقدَّم برؤية غير تقليدية؛ إذ لا يقتصر على الكتب، بل يضم منتجات ومواد من ثقافات متعددة، في استلهام لفكرة الأسواق التاريخية التي رافقت قوافل التجارة، حيث تتلاقى السلع والقصص والحضارات.
ويؤكد متحف «رحّال» من خلال بنيته المتنقلة أنه مشروع عابر للمكان، إذ كشف الشيخ محمد بن راشد آل ثاني عن تلقي عروض لنقل التجربة مستقبلًا إلى دول عدة منها إيطاليا وكازاخستان، مع إمكانية تكييف الشكل المعماري بما يتناسب مع ثقافة كل بلد، مع الحفاظ على الجوهر الإنساني للفكرة.
وقال إن الهدف الأعمق هو خلق تواصل مباشر بين القائمين على المشروع والزوار، بحيث تصبح الزيارة تجربة تفاعلية حيّة، لا مجرد مشاهدة صامتة، منوها بأن هذا المتحف قد حظي بزيارات مهمة وكبيرة من ضيوف قطر والزائرين خاصة من تزامن آرت بازل قطر حيث كان متحف رحال جزءا من الزيارات الخاصة لضيوف المعرض من كبار الفنانين والشخصيات.
بهذا لا يقدّم «رحّال» معرضًا فنيًا فحسب، بل يطرح نموذجًا ثقافيًا معاصرًا يعيد التفكير في علاقة الإنسان بمحيطه، ويؤكد قدرة الفن على بناء جسور حيّة بين الطبيعة والخيال، وبين المحلي والعالمي، في تجربة مفتوحة على التأويل والاكتشاف.