الخميس 13 رجب / 25 فبراير 2021
 / 
02:07 م بتوقيت الدوحة

د. حسن رشيد في حوار بين شجون الماضي وشؤون الحاضر: راتبي بالإذاعة كان 300 ريال.. والحظ خدمني بقراءة بيان استقلال قطر

حامد سليمان

الأحد 14 فبراير 2021
د. حسن رشيد يتحدث لـ «العرب»

إذاعة قطر كانت حلم كل مواطن.. وضمت كافة ألوان الطيف العربي

جمعتني غرفة واحدة في العمل بإحسان رمزي وحيدر محمود

مجلة «العروبة» وبعدها «العرب» ثالث مصادر التغذية الثقافية لجيلي بعد رحلات القاهرة وبيروت 

الإعلام في أمسّ الحاجة للمزيد من الوجوه القطرية

تزامناً مع احتفال العالم باليوم العالمي للإذاعة، لم تجد «العرب» أجدر من الدكتور حسن رشيد الإعلامي والكاتب والناقد المسرحي وأول قطري يعمل في إذاعة قطر، ليطل على القراء بهذه المناسبة، خاصة أنه أيضاً أول من أذاع بيان استقلال الدولة.
يروي د. رشيد -في الحوار بدايات العمل في الإذاعة، وذكرياته مع زملائه، وكثيراً من الأحداث التي مر بها، كما يتطرق إلى حال الإعلام القطري حالياً، وإلى نص الحوار:

 في البداية، كيف كانت انطلاقة إذاعة قطر وبدايتك فيها؟
إذاعة قطر كانت حلم كل مواطن، وقبلها كان الأمر مقتصراً على إذاعة الكويت وإذاعة الأردن، وإذاعة البحرين في أيام الجمعة، والتي كانت تذيع الأغاني، فكان التفكير من المسؤولين في الدولة لإطلاق إذاعة قطر، وشهد يوم 25 يونيو 1968 الخطوة الأولى لافتتاح هذا الكيان.
وفي تصوري الشخصي، كانت إذاعة قطر من أهم الإذاعات، لأنها ضمت الطيف العربي بكافة ألوانه من سوريا ومصر وفلسطين واليمن ومن لبنان، ما حول الإذاعة إلى ما يشبه «الأكاديمية»، فقد احتضنت أسماءً كبيرة في العمل الإذاعي.

.. وكنت أول من التحق بالإذاعة؟
نعم، تقدم عدد كبير للإذاعة، فكنت أول من نجح في الالتحاق بها، وكان معي صديق الرحلة الإنسان الجميل الشاعر محمد جاسم المعضادي، ولاحقاً انضم إلينا الفنان والنجم غازي حسين.
وكانت الإذاعة بالنسبة لنا مدرسة حقيقية، وقد ساهم تعدد توجهات الزملاء والأطروحات واللهجات المختلفة في التطور.

 حدثنا عن رحلتك للتعلم في المعهد الإذاعي بمصر وكيف استفدت منها؟
في عام 1968، كنت محظوظاً حيث أُرسلت إلى القاهرة للمعهد الإذاعي، وهناك كانت الإذاعة تمثل مدرسة أخرى في العمل الإذاعي، ومكثت 6 أشهر في محاضرات يومية كان يقدمها إذاعيون كبار، مثل عبد الحميد الحديدي «بابا شارو»، والشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل، وعميد دار العلوم كمال بشر، ويوسف الحطاب، وغيرهم من الأسماء التي يمثل كل منها جامعة وحده.
وبعد عودتي، وجدت أن الإذاعة القطرية أشبه بخلية نحل، فهناك جنسيات متعددة ومذيعون ومخرجون وغير ذلك، فكان لهذا الأمر أثر كبير علينا كقطريين نعمل في إذاعة قطر، فبدأنا نخطو الخطوات الأولى للتعرف على ثقافة الآخر، وهي أهم نقطة يمكن أن يمر بها الشخص في حياته.

 جمعتك غرفة واحدة في إذاعة قطر بالأستاذ إحسان رمزي والشاعر الكبير حيدر محمود الذي أصبح فيما بعد وزيراً للثقافة في المملكة الأردنية الهاشمية، كيف أثر ذلك على مسيرتك؟
خريجو الثانوية تكون ثقافتهم وعلاقتهم بالفكر والأدب محدودة، فلم يكن هناك احتكاك ثقافي كبير، ولكن هذه الغرفة فتحت لي المدارك، فيحدثني الأستاذان عن صلاح عبد الصبور على سبيل المثال، لأخرج وأبحث عن النقاط التي يحدثوني عنها، أبحث عن أحمد عبد المعطي حجازي، أبحث عن بدر السياب، نازك الملائكة، ارنست همنجواي، وتولستوي، وغير ذلك من الأسماء التي كنت أسعى لـ «النبش» في تاريخها وآثارها.
وعندما كنت أسافر إلى القاهرة، عاصرت إشعاعاً فكرياً بأرخص الأثمان، ففي شارع قصر النيل كنا نشتري الكتب من المركزين الثقافيين السوفيتي والعراقي بأسعار رمزية جداً، إضافة إلى غير ذلك من الأماكن التي تبيع الكتب القديمة، من بينها مطبوعات «كتابي» التي تلقي الضوء على الكثير من الإصدارات وبإيجاز كبير، فتعرفت على الكثير من الأعمال. كانت الرحلات بين القاهرة وبيروت تغذية ثقافية بالنسبة لنا، وكانت ثالث هذه الأبواب عبر مجلة «العروبة» وبعدها صحيفة «العرب»، التي فتحت المجال لنا أن نكتب، وكنا نحب أن نكتب في كافة المجالات سواء الأغنية أو القصة القصيرة أو غيرها، وقد كتبت أول «دويتو» في تاريخ الإذاعة القطرية، غناها فرج وعتاب رحمة الله عليهما.

 ما السر وراء هذه المحاولات المستمرة والتسابق بين أبناء جيلكم؟
السر يكمن فيما وجدناه من صدى خلق لنا التواصل مع الآخرين، وكان جيلنا يتميز بشيء آخر غير التسابق، وهو العلاقات الأفقية مع زملائنا في إذاعات الكويت والسعودية والإمارات وسلطنة عمان وأساتذتنا في الأردن ومصر، والتي التقيت فيها بأساتذة أجلاء كان لهم دور في حياتي المهنية، منهم الأستاذ المرحوم علي عيسى والأستاذ وجدي الحكيم وغيرهما من الزملاء في صوت العرب، فكانت القاهرة تعطيك كل ما تحتاجه من ثقافة وفكر.

 هل الأمر تعلق فقط بنيل الوظيفة في إذاعة قطر؟
لا بالطبع، لقد عشق جيلنا الإذاعة فتغلغلت في مسامعنا، ولم تكن بالنسبة لنا مجرد وظيفة، فإن تحول الإذاعي إلى موظف يؤدي مهمته ويترك مقر العمل غير مكترث بذلك، ولكن بالنسبة لنا كان «القلق اليومي» جزءاً من عملنا، ما يخلق لنا مساحة الإبداع الذي كنا في مسيس الحاجة له.
عملنا الإذاعي يشبع غرورنا، فتصبح محط الأنظار في الشارع، وفي الإذاعة تستلم رصيدك اليومي من الإعجاب، وقد كنا -نحن العاملين في إذاعة قطر- نخرج في رحلات لمختلف أماكن قطر، أبوظلوف أو الرويس أو غيرها من الأماكن، فكنا أسرة يجمعنا الحب رغم الراتب المتواضع.

راتبي ثروة 
.. كم كان راتبك حينها؟
300 ريال، ولكنها في وقتها كانت تمثل لنا ثروة، فكان سعر 16 قرصاً من الخبز الإيراني روبية واحدة، وكان «ربعة» أي 2 كيلو من سمك الصافي بأقل من ريال، فكانت الوجبة في المطعم لا تتجاوز 3 ريالات، ووقود السيارة بـ 8 ريالات، فكان الراتب جيداً جداً بالنسبة لنا، في حين كان راتبنا في القاهرة 30 جنيهاً.

 في السابق كنت داخل الإذاعة وأنت تتابعها اليوم كأحد المستمعين، ما أبرز الاختلافات التي تراها؟ وهل تحسنت من وجهة نظرك أم تراجعت؟
بالطبع كل الإذاعات تراجعت، وهذا لسبب واحد وهو أنه في السابق كانت إذاعة قطر فقط، ولكن في الوقت الحالي لديك الكثير من الإذاعات الخاصة التي تبث الأغاني، وباتت الإذاعة على هاتفك الجوال، ولكن في السابق كان أحد الزملاء يقدم برنامجاً أسبوعياً مدته نصف ساعة، فيمكث طوال الأسبوع يعد من أجل هذه الـ 30 دقيقة، وقياساً على ذلك باقي الزملاء، فكانت الإذاعة مسموعة بصورة كبيرة.
ولم تكن بإذاعة قطر دراما خاصة، فكنا نشتري المسلسلات من مصر، فكانت الأشرطة تأتي بالطائرة، وفي مرة من المرات تأخر بث المسلسل عن موعده 5 دقائق، فاستقبلنا كماً كبيراً من الاتصالات للسؤال عن المسلسل، فهل يشهد المسلسل الإذاعي في وقتنا هذا الانتشار؟ وهذا بالنسبة لكافة الإذاعات ليس إذاعة قطر فحسب.
وفي الوقت الحالي، نجد أن أثر الأفلام القديمة أكبر من الدراما في الوقت الحالي، فالصدق الذي كان متجذراً في هذه الأعمال ما زال ينتقل إلى كافة المشاهدين.

 في مقابلة لك في سبعينيات القرن الماضي قلت إنك «أسعد مذيع» لأنك أول قطري يقول «إذاعة قطر من الدوحة» وكنت من أذاع بيان استقلال قطر، كيف عشت هذه اللحظات؟
في بعض الأوقات يخدمك الحظ، فأن أتقدم مع 36 شخصاً فأجتاز الاختبار وأحصد المركز الأول، وبعد ثلاثة أشهر يخدمني الحظ مجدداً، فيصيبهم الملل من العمل الجديد، وحين فكرت بأن أتخذ نفس المنحنى تثور عليّ شخصية قطرية وتطالبني بأن أكمل الرسالة، حتى لا يُقال إن القطري غير قادر على مواجهة الصعاب، فكلها أمور جعلتني أول قطري يقول هذه الجملة.
أما إذاعة بيان استقلال قطر، فالحظ أيضاً كان له دور في ذلك، بأن أكون في الإذاعة وقتها، فيُطلب مني قراءة البيان، وكذلك الحركة التصحيحية التي قام بها الأمير الأب الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، رحمه الله، فأنا أتصورها من الأمور القدرية.

الإعلام.. والكوادر الوطنية
 هل ترى أن الوجوه القطرية موجودة بالشكل الكافي في الإعلام القطري، أم أن الإعلام ما زال يفتقر للكوادر الوطنية؟
بالطبع الإعلام في أمس الحاجة للمزيد من الوجوه القطرية، ولكن الفيصل يكون في حب العمل في الإذاعة أم اتخاذ العمل كوظيفة، فقد كنا نعمل ونعيش في الإذاعة فنعتبرها بيتنا الأساسي، في حين أنه في الوقت الحالي يقوم الكثيرون بالعمل كوظيفة يؤديها الموظف ويتوجه إلى بيته مباشرة، على عكس ما كنا عليه من حب العمل، وروح الأسرة إن وجدت في أي مكان ينجح.
ولا يمكن أن ننسى أن هذا المجال له عشاقه من القطريين في الوقت الحالي، فعلى سبيل المثال في التلفزيون أجد الدكتور محمد النويمي الهاجري، الذي دائماً ما أشعر أنه يريد أن يوصل رسالة وليس موظفاً فحسب، وكذلك هناك من ارتبطت حياتهم بالإذاعة، فالدكتورة إلهام بدر -على سبيل المثال- حتى ولو بعد عقود سترحب دائماً بالعمل الإذاعي، ولكن مع إيقاع الحياة السريع تحولت الإذاعة بالنسبة للكثيرين إلى مجرد وظيفة.
لا بد أن يعشق المذيع عمله ويطور أدواته، فهناك نماذج خلقت لذاتها مكانة لدى المتلقي، مثل غازي حسين ومحمد المعضادي وإلهام بدر وعبد العزيز محمد على سبيل المثال، هؤلاء حتى في غيابهم عن الميكرفون ما زالوا يعيشون في ذاكرة المتلقي، وهناك نماذج ابتعدت عن هذا الكيان ولكن الكيان يعيش في داخله، إنه الإعلامي مبارك جهام. الارتباط بالإذاعة لا يمكن الفكاك من أسره.

_
_
  • العصر

    3:06 م
...