مواطنون يستنكرون الاحتفال بـ«الكريسماس»... وآخرون يدعون للانفتاح

alarab
تحقيقات 14 ديسمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - هناء الرحيم
قبل حوالي شهر من حلول عيد الميلاد أو الـ "الكريسماس" فتحت المجمعات التجارية في قطر ذراعيها معلنة بدء موسم الميلاد من خلال وضع شجرات الزينة المعروفة بهذه المناسبة بديكوراتها وتصميماتها الجاذبة باللون الأخضر أو المكسوة بالأبيض، تتدلى منها شلالات من الإنارة والأجراس وتتربع على رأسها النجمة. هذه الظاهرة بدأت تكتسح المجمعات التجارية في الدوحة خلال السنوات القليلة الماضية وتعدتها إلى تربع بعضها داخل بعض البيوت المسلمة أيضاً رغم رفض الدين والعادات والتقاليد لمثل هذه الظاهرة. ومن الواضح أن كثيرا من المحلات والأسواق التجارية تستغل موسم الأعياد لطرح أجمل الديكورات الجاذبة لشجرة الميلاد بأسعار باهظة والتي من الصعب على ناظرها أن يقاوم شراءها لدرجة أنها باتت ترهق ميزانيات بعض الأسر بهدف تباهي الكل بشجرته. يقول محمود محمد إنه ضد ظاهرة الاحتفالات والتزيين بمناسبة عيد الميلاد، لافتا إلى أنها ظاهرة دخيلة على المجتمع القطري، ويشير إلى أن المجتمع القطري توغل في هذا الموضوع لدرجة أنه نسي الاحتفال بالمناسبات الدينية الإسلامية كالمولد النبوي الشريف وعيدي الأضحى والفطر. ويعتبر محمود أن الانفتاح ساعد على انتشار هذه الظاهرة، حيث لم يعد هناك ضابط لها. ويشدد على ضرورة التمسك بعادات وتقاليد المجتمع القطري رغم النهضة والتطور الحاصل ودخول قطر عصر الانفتاح. أم شعاع تقف بين بين إزاء هذه الظاهرة فتقول إنها معها وضدها في الوقت عينه. وتوضح قائلة: «أنا معها انطلاقا من الحديث الشريف لكم دينكم ولي ديني وضدها لأنها تروج لدين آخر غير الدين الإسلامي الذي تعتنقه دولة قطر. وتضيف في حين نرى أنه ليس هناك اهتمام بالمناسبات الإسلامية لا بل هناك إهمال من حيث إحيائها. ظاهرة دخيلة ويعتبر عبدالعزيز بن علي البادي أن هذه الظاهرة دخيلةدعلى المجتمع القطري والإسلام ينبذها، لافتا إلى أن القطريين لم يكن يسمعوا بمثل هذه الأمور من قبل إلا منذ حوالي 5 سنوات. ولا يكتفي عبدالعزيز بانتقاد الاحتفال والزينة بعيد الميلاد بل ينتقد أيضاً مظاهر الاحتفال والزينة في عيد الحب. ويقول إن المسلمين لديهم عيدان الفطر والأضحى ويرى أن الشيء إذا زاد عن حده انقلب ضده، لافتا إلى أن الله تعالى دعا إلى الزينة والاحتفالات بالمناسبات الدينية ولكن بالعقل وعدم المبالغة لدرجة أنه يخرج عن نطاقه ويصل إلى مرحلة الترف. ويشير عبدالعزيز إلى أن هناك الكثير من الأموال التي تصرف على الزينة في مثل هذه المناسبات ويعتبر أن ذلك لا يرضى به الله، لأنه مآلها في النهاية إلى سلة المهملات. ويرى أن الحل للحد من هذه الظاهرة يكون بتوعية الأسرة والإعلام بالإسلام وتعاليمه. ويعتقد أن ما يحصل حاليا هو ضريبة العولمة ولكنه يشدد في الوقت عينه على ضرورة تحصين العائلة القطرية وعاداتها وتقاليدها رغم وجود مظاهر جديدة وغريبة لا بل هجينة على مجتمعنا. وينتقد بعض بيوت المسلمين اللذين يجرفهم التيار ويتشبهون بالغرب ويضعون زينة الميلاد في بيوتهم ويعتبر أن التيار جرفهم بإرادتهم أو من دون إرادتهم ويعود ويشدد على أهمية دور الإعلام ودوره في التوعية. عادات غريبة ينتقد طالب المري هذه الظاهرة بقوة ويؤكد أنها لا تمت للإسلام بصلة ويتساءل لماذا نقوم بالاحتفال بعادات غربية لا علاقة لها بمجتمعنا وديننا. ويستغرب المبالغة في عرض السلع الخاصة بأعياد الميلاد التي تُفقد المجتمعات المسلمة هويتها. داعيا المسلمين للحرص على تميزهم في عاداتهم وتقاليدهم وأعيادهم. وفي السياق، يقول منصور المري إن أكثر ما يثير غضبه واستهجانه أن هذه العادة تعدت زينة المجمعات لدرجة باتت تقوم الكثير من العائلات الإسلامية بوضع شجرات الميلاد في بيوتها رغبة منها بالتشبه بالغرب، ويعتبر أن ذلك خطأ فادح حيث يتربى الأولاد على مفاهيم خاطئة بعيدة عن دينهم. من جهته، يرفض حمد علي هذه الظاهرة ويقول إن أعياد المسلمين هي الأضحى والفطر فقط. ويضيف: ورغم وجود مسيحيين مقيمين في قطر فإن البلاد مسلمة. ويتساءل: لماذا نحتفل معهم بعيدهم وتكتسي مجمعاتنا بزينة عيدهم في الوقت الذي يحرم على المسلمين الاحتفال بمناسباتهم في بلدانهم كما أنهم لا يحتفلون بأعياد المسلمين. ويقول إن أغلب المناسبات الإسلامية كبداية السنة الهجرية أو المولد النبوي الشريف لا نشعر بها، لأن لا يوجد مظاهر للاحتفال بها. بدوره، يعتبر سالم محمد أن عادة الاحتفال بعيد الميلاد في قطر وبعض الدول العربية ظاهرة أخذت في الاتساع خلال السنوات الماضية، ويشير إلى أن ذلك يعد ضريبة ونتيجة طبيعية للانفتاح والعولمة. ويعتقد أن هذا الأمر هو مجرد تقليد أعمى للغرب لا أكثر ولا أقل ولا يمت للعادات والتقاليد الإسلامية بصلة. يغرد خارج السرب أما مبارك الكواري فيغرد بعيدا عن السرب ويعلن قبوله لهذه الظاهرة ويقول أنه بات أمرا عاديا وعلى المجتمع القطري تقبله مع دخوله عصر الانفتاح حيث إن العالم بات قرية صغيرة تنصهر فيه الحضارات والثقافات والأديان. ويشير مبارك إلى أنه من حق المسيحيين المقيمين بالدوحة الاحتفال بهذا العيد على طريقتهم. زينة باهظة الثمن إلى ذلك، تزينت واجهات المحلات بمستلزمات عيد الميلاد التي لم تتبدل بشكل كبير عن العام الماضي سوى بارتفاع أسعارها. فالشجرات تتراوح أسعارها ارتفاعا بحسب طول الشجرة وكثافتها وعما إذا كانت خضراء أو بيضاء فتبدأ من 100 ريال كحد أدنى للصغيرة لتصل إلى 800 ريال وأكثر للكبيرة. أما الكرات تتراوح أسعارها بين 10 ريالات للكرة الصغيرة إلى 25 ريالا للوسط، لتلامس 80 ريالا للكبيرة والمزخرفة منها. أما الأجراس فقد تصل إلى 100 ريال أيضاً باختلاف حجمها وزينتها، وقد ابتدعت بعض المحلات زينات مميزة وفريدة من فوانيس وورود وأسلاك ضوئية وأخرى مزينة بالورود والبرق لدرجة أنها تغري القرب وتعمي العيون فيسارع المستهلك لشرائها مهما غلا سعرها وارتفع. وتنتقد أمل الكواري استغلال المحلات لموسم الميلاد لطرح زينتها بأسعار مبالغ فيها تقوم من خلالها باستغلال الناس وإغرائهم ببهرجات فارغة. جدل ويبدو أن مظاهر الاحتفال بعيد الميلاد أو «الكريسماس» في قطر تثير جدلا واسعا بين رجال الدين الذين يرفضونها ويحرمونها من جهة وبين بعض المفكرين أمثال الدكتور عبدالحميد الأنصاري. يقول فضيلة الشيخ محمد حسن المريخي لـ «العرب» إنه للأسف هذه المسألة تساهل فيها كثير من المسلمين ووصفها بالخطرة، حيث إن الدين الإسلامي يمنع المسلمين من مشاركة هؤلاء في أعيادهم وأفراحهم لأنهم يشركون بالله تعالى ويزعمون أن «لله ولدا وزوجة» وقد تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. ويضيف: ولذلك فإن المسلم مأمور أن يبتعد عن الشرك ولا يقترب منه وحرام تقليد هؤلاء ونحن لا نعترف بهم أصلا. ويستغرب المريخي كيف يتم الاحتفال بعيد النبي عيسى وتاريخ ميلاده مجهول ويعتبر التاريخ الذي ينسبونه له وهمي. ويقول إن ديننا هو بوحي من الله تعالي وقد أمرنا بالاحتفال بعيدي الأضحى والفطر ولا يستطيع أحد أن يبتدع عيد ثالث ورابع. ويرجع «المظاهر السلبية والسيئة التي نراها اليوم لما يسمى الاحتفال بعيد الميلاد أو الكريسماس إلى نقطتين رئيستين الأولى أن بعض المسلمين بكل أسف انفتح على هؤلاء المشركين انفتاحاً عجيباً لدرجة أن بعضهم نسوا عقيدتهم وبالتالي نحن نريد أولا أن نراجع عقيدتنا ونتساءل هل هذا يجوز أو لا يجوز؟!». أما الثانية كما يقول فضيلة الشيخ المريخي: أن ما نراه الآن من مظاهر الاحتفال بالكريسماس في الوقت الذي يهمل فيه الاحتفال بعيدي الأضحى والفطر إنما يرجع إلى الجهل بالعقيدة الإسلامية وهذه الأفعال حرام شرعاً ولا تجوز ويجب أن نعلم أبناءنا العقيدة الصحيحة لأننا للأسف نرى بعض المسلمين يهنئون هؤلاء بالكريسماس وهذا شيء خطير للغاية. من جانبه، يرى فضيلة الشيخ أحمد البوعينين في تصريح لـ «العرب» أنه في أي عمل يجب على المسلمين الاتباع وليس الابتداع، لافتا إلى أن الاحتفالات بالسنة الهجرية بدعة فكيف بالسنة الميلادية أو ما يسمى بالكريسماس، ويعتبر أنها مخالفة للشرع وهناك إجماع على ذلك. ويقول إنه قد ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) إن هناك عيدين يجب الاحتفال بهما الأضحى والفطر أما المشاركة في الكريسماس فهي بدعة ولا يجوز. عدم المشاركة انعزال ويبدو أن الرأي الديني يختلف تماما ويعارض تفكير الدكتور عبدالحميد الأنصاري عميد كلية الشريعة السابق بجامعة قطر، الذي يرى في تصريح خاص لـ «العرب» أن الاحتفالات بصفة عامة هي مناسبات بهيجة وسعيدة سواء أكانت «كريسماس» أو غير ذلك من الأعياد. ولا يرى أنه من الصواب والحكمة أن يحتفل العالم بهذه المناسبة في حين تنعزل المجتمعات الأخرى وتنأى بنفسها وتمنعها عن ذلك، ويفسر الأنصاري ذلك بأنه انغلاق وعدم انفتاح على العالم. ويتساءل ما المانع أن يحتفل الإنسان بأعياد الآخرين خصوصا أن تركيبة المجتمع الخليجي عموما قائمة على تنوع الأجناس والمذاهب والقوميات والسياسات والثقافات. ويرفض الأنصاري أن يتصف مجتمعه بالانعزالية ويؤكد أن ليس هناك محظور ديني يحظر الاحتفال بأعياد الآخرين. ويرد على من يقولون إنه تشبه بالكفار بالقول إن التشبه بالكفار فقط يكون بأمور العقيدة والعبادة. ويعتبر أن موسم الكريسماس فيه عائد اقتصادي مهم للتجار الوطنيين وينعش المحلات التجارية وهذا شيء طيب. ويؤكد أن ليس لديه حساسية الاحتفال بالأعياد الوطنية والقومية والدينية ويشدد على ضرورة عدم ترسيخ كراهية الآخر المختلف عند الأطفال، مشيراً إلى أنه من الأولى غرس روح التسامح والابتعاد عن التطرف. ويستشهد بالرسول (صلى الله عليه وسلم) حين ذهب إلى المدينة ووجد اليهود يحتفلون ويصومون في العاشر من محرم شكرا لله تعالى بنجاة النبي موسى (عليه السلام) وغرق فرعون فأمر المسلمين أن يصوموا العاشر من محرم قائلا: إن المسلمين أولى بموسى، ويقول إنه إذا احتفل المسيحيين بميلاد النبي عيسى (عليه السلام) فإن المسلمين أولى بعيسى فهو رسول كريم أيضاً. ويرى أنه لا بد أن يتشارك أبناء الوطن الواحد مسلمين ومسيحيين الاحتفالات انطلاقا من مبدأ المواطنة.