«هالوين».. «فالنتين» و«كريسماس».. «الغرب» يغزو مجتمعاتنا من باب «التجارة»

alarab
تحقيقات 14 نوفمبر 2013 , 12:00ص
الدوحة - رانيا غانم
مناسبتان لا يفصل بينهما سوى أيام، إحداهما تعد احتفالا وطنياً كبيراً يخص كل أهل البلد كما يهتم به وبدرجة كبيرة المقيمون فيه، أما المناسبة الأخرى فتتعلق بعادات وتقاليد وربما احتفال ديني لعدد قليل من سكانه الوافدين ولا يخص مواطناً واحداً فيه، ورغم ذلك ورغم الانتقادات المتكررة كل عام يتزايد الاحتفال والاهتمام بالحدث الثاني بطريقة تستفز غالبية سكان الدولة، والأكثر استفزازاً أن الاستعدادات والتحضيرات له تبدأ مبكراً للغاية وربما لأكثر من شهرين عن موعد الاحتفال الغربي به. فمنذ الآن تحولت مداخل الكثير من المتاجر الكبرى خاصة المتخصصة في الديكور والأثاث والمستلزمات المنزلية، وأيضاً محلات السوبر ماركت الكبرى، وحتى متاجر الحلويات والهدايا وغيرها الكثير، إلى ساحات لعرض أشجار عيد الميلاد وزينات الكريسماس ودمى القديس سانتا كلوز الشهير بـ «بابا نويل»، وكل ما يتعلق بالاحتفال بهذه المناسبة وكأننا في أوروبا أو أميركا، علماً بأن القادمين تواً من هذه البلدان يؤكدون أن عرض مستلزمات الاحتفال بالكريسماس لم يبدأ لديهم بعد بمثل هذا الزخم الذي نراه في الدوحة. بالطبع ربما يعود اهتمام المتاجر بهذا إلى أسباب تجارية بحتة والبحث عن الأرباح، لكن من ناحية المنطق مناسبة الاحتفال باليوم الوطني هي الأكثر ربحاً إذا ما قسناها بكم الزبائن من مواطنين ومقيمين والذين يقبلون بشكل كبير على شراء مستلزمات الاحتفال باليوم الوطني، وحتى زوار الدولة الذين يقتنون هذه البضائع ولو من باب كونها تذكارات من قطر لاحتوائها على العلم الوطني بشكل أو بآخر، والكثير من الرموز التراثية والتاريخية والحديثة أيضاً. فيما تعد نسبة من يقبلون على شراء مستلزمات احتفالات الكريسماس نسبة أقل بكثير سواء من الغربيين أو من الجنسيات الأخرى التي تحذو حذوهم. وقبل أيام قليلة أبرزت المتاجر بشكل مبالغ فيه ثمرات «القرع» البرتقالية بأحجامها المختلفة مع تفريغ بعضها على هيئة وجه مرعب بالشكل الذي نراه خلال الاحتفال بما يسمى بـ «الهالوين»، كما عرضت المتاجر كميات كبيرة من الأقنعة المرعبة والملابس التنكرية وهي من الأشياء التي يتم استخدامها في هذا الاحتفال الأميركي في الأساس، خاصة أن هناك بعض المدارس الأجنبية تطالب طلابها بارتداء الملابس أو الأقنعة التنكرية في هذه اليوم وإحضار كميات كبيرة من الحلوى. وفي بدايات شهر فبراير من كل عام نجد الكثير من المحال وقد تحولت إلى اللون الأحمر وكأنها مصابة بالحمى، وهي بالفعل كذلك، فحمى الـ «فالانتين»، المنسوبة إلى القديس الذي يحمل الاسم ذاته، انتقلت إلى الكثير من بناتنا وشبابنا الذين يهتمون بالاحتفال به بشكل مبالغ فيه، وتنتهز متاجر الحلوى والكعكات والزهور والهدايا والديكور وغيرها الكثير ذلك وتحاول اقتناص فرصة الربح من إقبال المراهقين -سواء بالسن وبالتصرفات- على شراء كل ما هو «أحمر». «العرب» استطلعت آراء عدد من المواطنين والمقيمين الذين أرجعوا تزايد الاحتفالات بهذه المناسبات الغربية إلى مبالغة المتاجر والفنادق في عرضها أمام الجمهور الأمر الذي يجعلها معتادة في المجتمع مما يزيد الإقبال عليها وتتعاظم أرباحهم، وطالبوا الجهات المعنية بالتدخل لوقف تمادي المتاجر والفنادق في إبراز العادات والتقاليد الغريبة عن مجتمعنا على هذا النحو الذي نراه كل سنة، خاصة أن الأمر يتزايد عاماً بعد الآخر رغم الانتقادات الكبيرة من المواطنين للتغريب المتعمد الذي تنتهجه تلك الجهات الباحثة عن الربح في كل شيء. حصار غير مقبول بداية تقول أم صقر التي بدت مستاءة للغاية مما أسمته «حصار الكريسماس»: إن هناك مبالغة غير مقبولة في الاحتفال بهذه المناسبة الغريبة عن مجتمعنا الإسلامي المحافظ «أقوم حالياً بتأسيس بيتي الجديد، لذا فقد أتوجه إلى عدة أماكن في اليوم نفسه لشراء بعض قطع الأثاث لاستكمال الناقص منها في بعض مناطق وأركان البيت، أو لشراء أغراض أخرى للبيت، ومنذ يومين توجهت إلى متجرين كبيرين شهيرين، أحدهما موجود منذ فترة والأخرى افتتح أحد أفرعه حديثاً في الدوحة، وما صدمني بحق هو أن المدخل الرئيسي لكلا المتجرين المتنافسين كان ساحة كبيرة لعرض مستلزمات الكريسماس ما بين الأشجار المزينة وكرات ونجوم ورموز الزينة الأخرى، والألعاب المتعلقة بها والهدايا وكل شيء، كان المشهد بحق صادماً أن نحتفل في قطر بأعياد الغرب بكل هذا الزخم بينما تمر أعيادنا على المتاجر مرور الكرام اللهم بعض الأوراق المتدلاة من الأسقف أو على الحوائط، وفي أوراق الدعاية لهم تحمل تهنئة بالعيد، رغم الأرباح الكبيرة التي تجنيها كافة المتاجر في هذه المناسبة، سواء الملبوسات والأحذية أو المفروشات ومستلزمات المنزل والأدوات المنزلية والحلوى والمطاعم، الكل يكون رابحاً في أعيادنا الإسلامية ومع ذلك لا يهتم أحد بها وبإبراز الاحتفال بها». وتابعت «لم يتوقف الأمر في أحد هاذين المتجرين على الأشجار والزينات في مداخله، لكن أحدهما حول مساحة كبيرة للغاية فيه -وهي للمصادفة أيضاً في مدخل ومخرج التسوق في الدور الأرضي منه- حولها إلى معرض كبير لكل ما يتعلق بالكريسماس من مصابيح وأطباق وكؤوس وعلاقات ومفارش وأغطية سرير وشموع وزجاجات وورق وعلب لف الهدايا، ودمى بابا نويل، وظللت فترة تائهة في هذا القسم الإجباري حتى استطعت الوصول إلى الأقسام الأخرى في المتجر، لكن كنت مقهورة للغاية فانا أتسوق من متجر في قطر وليس في أحد متاجر نيويورك أو باريس». مقارنات ظالمة وتتفق معها السيدة شيخة العبدالله التي انتقدت هي الأخرى الاهتمام المبالغ فيه بالاحتفال بالأعياد غير الإسلامية خاصة ما تقوم به المتاجر والفنادق من مبالغة شديدة في عرض أغراضها الأمر الذي يؤثر كثيراً في أبنائنا ويدفعهم إلى محاولة تقليد الآخرين في اقتناء هذه الأغراض «أصبح السؤال السنوي من أبنائي الآن في مثل هذا الوقت لماذا لا توجد في أعيادنا زينات مثل هذه؟ لماذا لا نشتري هذه الأغراض ونضعها في منزلها؟ لماذا ولماذا، وأنا عاجزة عن الرد، أو بالأحرى ردي لا يقنعهم، فأنا أتحدث إليهم عن روحانيات وقيم في ديننا وأعيادنا وهم يرون بأعينهم زينات وألعاباً وألواناً وهدايا أينما ذهبوا، كنا نتحاشى الذهاب إلى البلدان الغربية في الأوقات التي تصادف مثل هذه المناسبات، لكن متاجرنا أحضرتها إلى ديارنا لتصدم أطفالنا». ويقول المقيم العربي عمرو محمد «كنت من قبل أعيش في الولايات المتحدة، وبالطبع الاحتفال بهذه الأعياد من الأساسيات هناك، وقتها كان ابني الأول ما زال صغيراً وفي سنوات عمره الأولى لكنني كنت حريصاً على ألا أجعله يعتاد الاحتفال بهذه الأعياد الغربية كالكريسماس والأميركية كالهالوين، وكنت أنا ووالدته دائماً ما نغرس فيه حب أعيادنا الإسلامية، وكنا نأخذه دائماً إلى المركز الإسلامي بالمدينة للاحتفال مع الأطفال والعائلات المسلمة بأعيادنا وبرمضان، وحتى في عيد الأضحى كنت أحرص على أخذه معي إلى المجزر ليشهد ذبح الأضحية». وتابع «كان لنا جيران -للأسف- عرب ومسلمون يمرون على بيتنا في الهالوين ومعهم أمهم يرتدون الملابس المرعبة ويطلبون الحلوى كما هو المعتاد في هذا اليوم، لكن زوجتي طلبت منهم آلا يمروا على منزلنا بهذه الملابس التي لا تريد أن يراها ابننا، وبالفعل استطعنا إبعاده عن كل هذه الأجواء، وأعرف الكثير من الأسر التي كانت تفعل هذا في أميركا لدرجة أنها لم تكن ترسل أبناءها إلى المدرسة في الهالوين مثلا حتى لا يعتادوا هذه الأجواء لأن يوم الهالوين ليس يوم عطلة مدرسية في أميركا ويتم الاحتفال به هناك خلال اليوم الدراسي». ويضيف الأب «عندما قررنا الإقامة هنا في قطر كنت أنا وزوجتي سعيدين أننا سنربي أبناءنا في بيئة إسلامية صحيحة ومجتمع عربي محافظ، وبالفعل هذا ما لمسناه منذ قدومنا إلى هنا، لكن ما أدهشنا هو إصرار الجهات ذات الطابع التجاري من متاجر وفنادق على تغريب المجتمع. من حق الأجانب الاحتفال بأعيادهم لكن ليس من حقهم إجبارنا على مشاركتهم الاحتفال وتغريب أطفالنا. يمكنهم بيع كل مستلزمات الاحتفال بعيدهم لكن داخل المتجر في أماكن محددة دون الاحتفاء بها وفرضها على غالبية السكان على هذا النحو، وأعرف الكثير من الأصدقاء القطريين الذين عبروا عن ضيقهم هم وأسرهم من هذه المبالغة في الاحتفال من قبل المتاجر، ولم تكن المتاجر في الولايات المتحدة تستعد مبكراً كما نرى هنا. أيضاً الفنادق تبالغ هي الأخرى بالاحتفال فمداخلها تتزين لفترات طويلة بأشجار عيد الميلاد وسانت كلوز وهداياه الوهمية بدلا من الاحتفاء بالتراث القطري أو الإسلامي رغم وجودها في هذا المجتمع ذي العادات والتقاليد والقيم والأصيلة». بلا اسم وذكرت أم عامر أن المدرسة التي يدرس بها ابنها تحتفل بمثل هذه «الأعياد» لكن دون أن تذكر الاسم، وإن كانت تفاصيل الاحتفال تتشابه، لكن الطلاب يدركون تماماً بماذا يحتفلون «العالم الآن قرية صغيرة ولا يخفى على أحد ما يدور في الجهة الأخرى منه، كما أن مسلسلات الكارتون والمسلسلات الأجنبية التي يقبل عليها أبناؤنا، كذا وجود زملاء لهم ممن لا ينتمون إلى الدين الإسلامي في مدارسنا كل هذا نقل الثقافات الدخيلة وجعل طقوس أعيادهم معروفة تماماً لنا، وبالتالي حتى لو لم تقل إدارة المدرسة صراحة إن ما يتم الاحتفال به هو الهالوين أو الكريسماس فالأطفال يعرفون جيداً أن هذا هو سبب جلبهم للحلوى أو ارتدائهم الملابس التنكرية، أو تبادلهم الهدايا وغيرها من التفاصيل. مبالغة لجذب الزبائن وتنتقد الداعية والمهتمة بشؤون الأسرة الأستاذة لينة الدليمي هذه المشاهد قائلة: «من عدة سنوات مضت لم تكن هذه الظواهر معروفة هنا، كنا فقط نسمع أن هناك ما يطلق عليه الكريسماس ولم نعرف شيئا عنه سوى ما نراه في التلفزيون والكارتون والقنوات الأجنبية وبعض القنوات العربية، لكن الآن ومع كثرة الأجانب في بلدنا ودخولهم وخروجهم علينا، ما جعل أصحاب المحلات يعملون لهم حسابا، لأنهم لا يفكرون إلا في الجانب المادي وجذب الزبون بأي طريقة، لذا أصبحنا نرى مثل هذه المبالغة والحركات لجذب زبائنهم المرتقبين، وبعدما كان الكريسماس مجرد حدث يمر علينا مرور الكرام، تدريجيا أصبح يحيط بنا في كل مكان كالمولات الكبيرة التي تضع الأشجار الكبرى في مداخلها وجنباتها، والغزلان المتحركة إرضاء للأجانب، وكان من يتوجهون منا إلى هذه الأماكن هم فقط من يكتشفونها، لكن الآن أصبحت هذه المظاهر في كل مكان حتى المتاجر الصغيرة ينبهوننا بأن الكريسماس على وشك الوصول. فالمتاجر تعرض البضائع بطريقة لافتة للانتباه وبشكل غير طبيعي يجذب زبائنها ويثير استفزاز وغضب كثير من أهل البلد، والناس المتحمسة والمستفَزَة جزء منها عاجز عن التعبير والجزء الآخر يعبر بغضب، لماذا يحاولون نشر هذه المفاهيم على هذا النحو، القضية بالنسبة لهم مالية أو ربحية في المقام الأول، وبالتالي لا يفكرون في مشاعر الآخرين، ويسوقون في ذلك الكثير من الأعذار، منها أنهم يعيشون وسطنا، وأن لهم دينهم ولنا ديننا، صحيح لكل منا دينه، لكننا لا يجب أن نشجعهم، فعندما كنا في أوروبا، وفي أميركا في الفترة التي أقمنا فيها هناك، عندما كان يحين وقت أعيادنا لم يكونوا يفعلون شيئا من أجلنا، ربما يمكن مشاهدة لافتة من بعيد تقول «عيد مبارك»، أو أخرى تحمل كلمة عيد بالإنجليزية، كان هذا نادرا، لكنهم لا يعطوننا أكبر من حجمنا -ولو أن عددا كبيرا من العرب والمسلمين يقيمون في هذه البلدان- لكننا مع ذلك لا نمثل بالنسبة لهم شيئا يستدعي الاهتمام بأعيادنا، وينبغي أن يكون هذا عندنا أصلا، لكن العكس هو الذي يحدث، نهتم جدا بأعيادهم وتفاصيلها ونشعرهم بها في كل مكان رغم أن نسبتهم في بلادنا أصلا نسبة بسيطة وليسوا الغالبية. لذا يجب أن تهتم هذه الجهات التجارية وغيرها بما يرضي أهل البلد والدين، لا بتحقيق المكاسب والأرباح، ويكفي الفنادق فهي تقوم بالواجب وزيادة في الاحتفال بالكريسماس، لكن لماذا المحلات تفرض علينا هذا». غرس الوازع الديني وعن تأثير هذه المظاهر على الأطفال ومدى جذبها لهم وارتباطهم برموز الديانات الأخرى، تقول الدليمي «نحن بالفعل نصدم بمثل هذه الأشياء وبأسئلة من أولادنا مثل لماذا أعيادهم أحلى، وهل يمكننا الحصول على شجرة وتزيينها، ولماذا لا يأتي بابا نويل لنا ويوزع هدايا علينا؟ لكننا يمكننا أن نخرج من هذه الأسئلة المتكررة بإجابات مقنعة تبين الجوانب المشرقة في أعيادنا وفي ديننا ككل، نوضح لهم مثلا أنهم يفرحون بهذا لأنهم لا يجتمعون مع أهلهم إلا مرة في السنة، لذا هم يبالغون في الاحتفال، أما نحن فباستمرار نتصل بأهالينا ونزورهم في كل وقت، فنحن لا نقطع أنفسنا عنهم أبدا، أما هم فلان فهذا هو اليوم الوحيد لتجمعهم ونجدهم يريدون إمتاع أنفسهم بكل الطرق ومنها الزينات تلك. وإن ديننا يحثنا على التواصل والعلاقات الاجتماعية، لذا فنحن هنا نؤكد على دور الأهل في توعية الأبناء وإبعادهم عن هذا، فنحن عشنا من قبل في أميركا ولم تكن هذه الأشياء تشغل أبنائي، صحيح تبهرهم الزينات والاحتفالات لكنهم لم يلمسوا فيها الدفء والألفة والحب لدينا، هم قد يرون من يزين منزله خارجيا في أبهى حلة وأضواء وأشجار لكنه يدخل بيته البارد ليحتفل بالعيد وحده، بعكس أعيادنا التي نتواصل فيها مع الأهل والأصدقاء طوال أيام العيد وقبله وبعده، فالتراحم أهم ما يميز ديننا ويجعله ديناً بحق». العلاقات الإنسانية هي الأهم وليس الزينات وتابعت الداعية لينة الدليمي «وبرغم أننا كنا هناك نفتقد الأهل إلا أننا كجاليات عربية ومسلمة كنا نحول العيد إلى جو عائلي بامتياز، ونكون جميعا عائلة كبيرة من كل البلاد الإسلامية، وهذا أجمل ما في ديننا وأعيادنا. ونسلم ونعايد ونحتفل مع من عرفنا ومن لم نعرف، ونجتمع في المطاعم العربية ونتبادل العزومات والهدايا، فالعلاقات الإنسانية هي الأهم وليس الزينات، فهي ليست الأساس لدينا كما هي بالنسبة لهم، وهذا ما يجب أن نوصله لأبنائنا. ومن النقاط التي تستوقفني من أسئلة الصغار: لماذا لديهم بابا نويل يعطيهم الهدايا ونحن لا، فنقول لهم إننا طوال العام نشتري لكم الهدايا ولا تقتصر على المناسبات فقط مثلهم، لا بد أن نبرز لأولادنا الجميل في أعيادنا، لا أن ننجر لتقليد ما لديهم، فخلال تواجدنا في أميركا كان أحد الآباء من الأخوة العرب المسلمين يريد تعويض أبنائه عن بابا نويل، فكان في رمضان يخترع شخصية «الشيخ رمضان» الذي يزور البيت في رمضان ليلا ويترك للأطفال الهدايا، لكنني لم تروقني هذه الفكرة، لأن هذا تنازل، فليس لازما أن يكون لدينا بابا مثلهم أو شيخ مقابله، لكننا نختلف عنهم. نحن لدينا ما هو أفضل. وهذا ما يجب أن يعرفه أبناؤنا، نحن نحنو على أولادنا، ولا نحتاج الأعياد فقط لنعبر لهم عن حبنا وحناننا وعطايانا. فالهدايا لأولادنا لا تنتهي في كل وقت ومكان. لا بد أن نُفهم الأبناء، فالقضية تتركز في التواصل بيننا وبين أولادنا، فكلما كان التواصل بيننا أكبر كانوا أكثر ذكاء وتفهما، لأن نقاشاتنا توسع مداركهم وتبين لهم الصحيح من الخطأ والمفاهيم التي اختلطت عليهم، بمنطق عقلانية، والأهم هو غرس الاعتزاز بديننا مع احترام الأديان الأخرى، لكن في نطاق المعقول، وألا نعطيهم أكبر من حجمهم». أكثر من اللازم وتواصل الدليمي المقارنة وكشف المبالغة في احتفال مجتمعاتنا بالمناسبات الغربية والتمادي فيها أكثر من الدول التي ابتدعتها «في الفالنتين -الذي أخذناه منهم- كنا نخرج إلى المولات أو ملاهي الأطفال أو البحر وغيره لأنه يوم إجازة، ولم نكن نلمح ما يدل على هذا اليوم في أي مكان نتوجه إليه، أما لدينا ففي هذا اليوم نجد الناس تتقاتل من أجل الحصول على أغراضه، باقات الورود من اللون الأحمر يكاد يختفي من الساحة في دول العالم كله لأنها تحولت إلى دول الخليج، محلات الشوكولاتة والكعكات عليها طوابير حجز، تغزوها القلوب الحمراء، محلات الهدايا ضربها إعصار اللون الأحمر، أما هناك فلا شيء من هذا، بالعكس الفالنتين لديهم هو يوم التنزيلات الرهيبة، لذا تكون الناس كلها في الأسواق، فهم لا يعيرونه أي اهتمام، ولو حدث فيكون بمنح وردة واحدة بدولار، أما هنا فنجد قتالا من أجل الحصول على كل ما هو أحمر، فالقضية لدينا تتركز في الإسراف وعدم الاعتزاز بالدين، وجدت هنا في بلدي البنات تتبادل إرسال باقات الورود الباهظة الثمن وبها معسول الكلام على الكروت المصاحبة، والفرو، والكعكات، والقلوب في سلال الشوكولاتة، وأصحاب المحلات من جانبهم ما قصروا فهم يعلقون ويبرزون كل ما هو أحمر لجذب هذه الفئة، بشكل غير معقول. وتابعت قائلة «القضية بيزنس أكثر من كونها تقليدا، فأنا عشت هناك ولم أجد مثلما شاهدت في بلدي، وأنا أنكر عليهم هذا الشيء، حتى الهالوين أصبحنا نحتفل به في قطر، وكان المركز الإسلامي في المدينة التي كنا بها في أميركا يجمع أبناء الجالية المسلمة من كل جنسيات العالم ويعرفهم ماذا يعني الهالوين وكيف أنه خارج عن ديننا ومعتقداتنا ويخالفها، وأننا يجب أن نبتعد عن الاحتفال به، ومشاركة الأميركيين في ذلك. لكن هنا وجدت من يحتفل به، للأسف نحن ضيعنا هويتنا، وهو ما أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم من تكالب الأمم علينا، الآن أسمع عن بنات مراهقات يحتفلن في غرفهن الخاصة بالهالوين ويأتين بكعكات عليها صورة الساحرة، ويحتفلن بطريقة «استهبالية»، فهم للأسف يريدن التقليد شبرا بشبر وذراعا بذراع دون تفكير أو وازع ديني. نحن نتعامل مع الدين على أنه شيء له فترة صلاحية، بداية ونهاية وبعدها نفعل ما نريد. البعض يعتقد أنه لا يجد السعادة في الدين، لكن الدين معنا في كل شيء حتى يقبض الله أرواحنا ولن يقبل الله لنا بغير الإسلام دينا، رأيت بنات في مدارس يرتدين ملابس الهالوين التنكرية، وفي إحدى المرات ابنتي شاهدت في حفلات البنات ما أذهلها وأخافها فخرجت مسرعة، فهي لم تشاهد هذا في البلدان التي استوردنا منها هذه التصرفات الدخيلة. فأنا جئت من بلاد الكفر ولم أجد فيها ما رأيته في بلاد الإسلام. لا أدري لماذا نسمح للمتاجر بالتمادي في هذا، ونشر هذه الثقافة في المجتمع، ولماذا الأهل سلبيون تجاه تصرفات أبنائهم. لا بد أن تكون هناك وقفة قبل أن نأتي لوقت لا ينفع فيه الندم».