السفاح «الوحش».. قتل 48 شخصاً في روسيا وخطط لذبح 64 عدد مربعات الشطرنج (1 - 2)
الصفحات المتخصصة
14 نوفمبر 2013 , 12:00ص
ترجمة - العرب
لم تشهد (روسيا) في تاريخها الطويل سفاحا قاتلا مثل (ألكسندر بيخشين)، فقد كان القتل بالنسبة له حياة، وكالطعام. يقفز السؤال: كم نفسا بشرية قام بقتلها هذا السفاح؟ قضى هذا السفاح على عدد من الأبرياء أكثر من ضحايا السفاح الأميركي المعروف (جيفري داهمر)، (جاك السفاح) أو السفاح الابن سام.
يعيش السفاح المهووس في غابة الصمت. فهو رجل شاحب الوجه عميق الصوت، حديثه أقرب إلى الهمس. يجلس مع صديقته تحت الأشجار السامقة، التي ترتفع سيقانها الكبيرة إلى أكثر من 65 قدماً. ينظران بتأمل للسماء الرمادية الباهتة. يتحدثون عن شيء مهم، عن ماهية الحب؟ هل الحب أمر حقيقي، أم أكذوبة وخداع، المرأة التي تجلس بجانبه لا تعرف بأنه مهووس بدرجة سفاح. كان على درجة عالية من التركيز، لا يكذب أبداً، كما قال لاحقاً في المحكمة.
لم تكن تعرف بأنه خطير، وخطير جدا، رغم مظهره العادي والمتواضع كبائع في البقالة التي تعمل فيها أيضاً. الزمالة في كثير من الأحياء تزيل الكثير من الحواجز. قبل نصف ساعة من هذا اللقاء العاصف، اقترب منها، وهمس إليها، وبدأت الدردشة في أمور عادية، تخللتها نكات سمجة، ضحك لها الزميلان من أعماقهما. قدم لها سيجارة، أشعلها بكل حنية، وهو ينظر إلى عينيها النجلاوين. ثم ضحك لوحده هذه المرة لشيء قاله في نفسه. وطلب منها التمشي قليلاً في الحديقة.
خيوط النور..
كانت لا تعرف الجانب الخفي والغامض من شخصيته، ولا تعرف ما يخبئه لها القدر. طلبت سيجارة أخرى، ومشت صاغرة بالقرب منه. تماسكت أيديهما، يركضان حيناً ويمشيان بهدوء أحياناً أخرى، يدوسان بأقدامهما على أوراق الأشجار التي تناثرت، أو فوق مخلفات المحبين الذين ارتادوا هذا المكان من قبل، كأعقاب السجائر، أو زجاجات الفودكا الفارغة. أو بقايا الحيوانات النافقة. ثم بدأ الحديث عن العلاقات الحميمة. كان يتلذذ في قتل الأشخاص الذين يعرفهم، وقال لاحقاً في المحكمة: إنه كلما كانت الضحية معروفة إليه وتربطه بها علاقة، كلما تلذذ في القتل، وأحس بالنشوة تسري في جسمه. تهادى إلى أسماعهما، أصوات ضحك تأتي من بعيد، لا يأبهان إليها، فهما يسيران في صمت مطبق، وسط الأشجار الوارفة، وتحت الظلال، لم يعد الطريق أمامها واضحاً، قال لها شيئاً، حاول أن يتذكره لاحقاً، لكنه لم يستطع. ثم شاهد خيوط النور، تتقاطع على وجهها.
في ربيع 2006م وفي هذه الغابة الكبيرة، اختفى أكثر من 50 شخصاً لا أحد يعرف مصيرهم. كانت تعرف هذا الأمر جيداً، وتعرف بأمر المعتوه والمهووس المجهول، والحيوانات في الغابة، خلقت هذه الأحداث، أجواء من الثرثرة اليومية لسكان المجمعات السكنية التي تلتف حول الحديقة بالقرب من الغابة. وتطور الأمر إلى برامج تلفزيونية وأحاديث لا تنقطع في شاشات التلفزة المحلية. وفجأة أحست في دواخلها، بأن زميلها عامل البقالة، ربما يكون القاتل المهووس، شاهدت يديه القوية أحست بالتعب ركضت نحو أقرب شجرة، ولفت اليدين حول الجذع، ثم سقطت على الأرض، تبكي وتتوسل إليه، وأغمضت عينيها.
هوس وهوى
ذهل المهووس!! كيف عرفت هذه الفتاة بأمره. خدوش وجروح، هنا وهناك، على رقبتها وخدودها، بدأت تتحدث إلى نفسها. وفي المحكمة، لم تتذكر ما قالته في تلك اللحظة الحرجة من حياتها. لكن السفاح يتذكر جيداً، ما قيل وحدث بعد ذلك، فقال: إن زميلته (لاريسا) أمسكت بجذع الشجرة، وقالت له: هل تريد أن تقتلني، ولم تكن لديه إلا إجابة واحدة: نعم. في الشهور التي تلت يوم اعتقاله في شهر يوليو 2006م، حقق ألكسندر-35عاما- يومها، هدفه الكبير في حياته، في أن يلقب بالوحش، ويتصدر عناوين الأخبار في وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمسموعة والمرئية، خاصة المحطات التلفزيونية المشهورة مثل CNN، صحيفة نيويورك تايمز، BBC، والتي بثت قصصا إخبارية متنوعة حول سفاح روسيا الحديث، إلى جانب علماء الجريمة والنفس، وهواة قراءة حوادث السفاحين. وبكل المقاييس، نال (ألكسندر) لقب السفاح المهووس.
الهالة الإعلامية التي أحاطت به، عكست فداحة جرائمه ووحشيتها، والتي روعت المجتمع الروسي، وفاقت في قسوتها وعددها، عتاة السفاحين في أميركا. فقد ارتكب (تيد بندي)- 30 جريمة قتل،(جيفري داهمر)- 17،(كين بيانكي) – سفاح التلال – 12 جريمة، وأدين (جاك السفاح) بخمس جرائم قتل. و(ديفيد بيركاويتز) - الابن سام، ستة جرائم قتل. أما مهووس روسيا فقد قتل 48 نفساً بشرية بريئة، أقل بقليل من السفاح الروسي المعروف (أندريه شيكاتيلو) الذي أدين بارتكاب 52 جريمة قتل في عام 1994م. و(يانج ألوهين)، الذي قتل 67 شخصا في وسط الصين 1999-2003 م.
أطلقت عليه الصحافة الروسية، سفاح (بيتسفيسكي) المهووس، وجاء هذا الاسم تخليداً لاسم الحديقة التي ارتكبت فيها الجرائم البشعة. كما أطلقت عليه سفاح الشطرنج، لأن الشرطة قد عثرت بسكنه على رقعة شطرنج، حيث سجل أعداد قتلاه بدوائر في مربعاتها. كانت حديقة (بيتسفيسكي)، حديقة غناء، تحفها الأشجار من كل جانب، بداخلها وحولها. تجري بين أشجارها جداول المياه. وفي فصل الشتاء، تتحول المياه إلى ثلوج، يأتي إليها المتزلجون من كل أنحاء البلاد، لممارسة هواية التزلج. تبعد هذه الحديقة من وسط موسكو حوالي أربعة أميال. مساحتها حوالي 2700 فدان، (مساحة بارك في نيويورك 843 فدانا) يعيش حول هذه المنطقة عشرات الآلاف من الناس يسكنون في شقق متواضعة تعلوها أطباق التلفزيونات. الكثير من سكان موسكو يطلقون عليها أسماء مختلفة، تعكس حجم الفوضى التي تعيش فيها المنطقة التي تبعد حوالي نصف ساعة بالمترو من محطة موسكو الرئيسية في وسط المدينة.
أمومة سفاح...
انتقلت (ناتاشا بيخشين)، أم السفاح للسكن في هذه المنطقة، وسكنت في شقة من غرفتي نوم في الطابق الخامس، من إحدى البنايات التي تبعد مسافة ستة دقائق من نهاية شمال الحديقة. عندما كان عمرها 11 سنة في عام 1963م كانت المباني مكونة من خمسة طوابق، وسميت مباني (خروشوف) تخليداً لاسم رئيس الوزراء (نيكيتا خروشوف)، الذي شيدت في عهده مناطق سكنية واسعة في الاتحاد السوفييتي.
شبت والدته في شارع (خرسونشايا)، وكذلك ترعرع الابن في جنبات هذا الشارع، حتى ليلة القبض عليه، في الشقة كان ينام على أريكة في غرفة النوم الرئيسية، والتي تتحول في ساعات النهار إلى غرفة للمعيشة. كانت الأم تنام لوحدها في غرفة أخرى بعد أن ترك زوجها بيت الزوجية، عندما كان (ألكسندر) في العام الأول من عمره. له أخت غير شقيقة عمرها في 2006م – 27عاما، تزوجت من شخص اسمه أيضا (ألكسندر) ولهما طفل عمره ست سنوات.
العشرات من ضحايا المهووس يعيشون في نفس المجمع السكني، حيث تجاورت المساكن ولا تفصلها إلا ممرات ضيقة. يعرف الجميع ما يدور في المجمع. في بدايات عام 2001- 2002م، اختفى الكثيرون من السكان في ظروف غامضة، أغلبهم من أصحاب المعاشات، أو من المتشردين، والذين نادراً ما يحس الآخرون باختفائهم. وفي بعض الحالات، ينتظر ذوو بعض الضحايا لمدة ثلاثة أيام للتبليغ عن الاختفاء. لكن الشرطة التي اشتهر أفرادها بكثرة تناول الخمور، وقبول الرشاوى، لا يفعلون أي شيء حيال هذه الغيابات. لكن بعد ازدياد حالات الاختفاء، وتناقل الأخبار بين الأسر، ازداد الخوف بين الناس، بأن قاتلا يهيم بوجهه ليقتلهم الواحد تلو الآخر.
خوف وقلق من المجهول..
انتشرت الشائعات بين أهالي المنطقة. وكل منهم يعزو أسباب اختفاء الناس، كما يتفق مع شخصيته، فهناك من قال: إن مريضا نفسيا هرب من مستشفى للأمراض النفسية، وارتكب هذه الجرائم، وآخرون قالوا: إن الشيشانيين هم السبب، وفئة ثالثة قالت: إن الجرائم تقف خلفها عصابات المافيا.
بحلول أوائل أو منتصف عام 2003 م، ارتفعت وتيرة القلق لدى السكان، وتساءلوا فيما بينهم، عما إذا كان القاتل شخصاً يعرفونهم ويعيش بينهم، بدليل أن الثلاثين ضحية، كانت تربطهم علاقات بعضهما البعض، وهذا مؤشر أن القاتل من نفس المنطقة، ويعرفها تماماً. بعد سنوات من اكتشاف القاتل، قالت (ناتاشا فيدوسوفا) وهي امرأة شقراء شاحبة في الـ27 من عمرها، ووالدها (بوريس فيدوسوفا) الضحية رقم 36 قالت: «كان القاتل هادئاً جداً، في حاله، لا يتدخل في شؤون الآخرين» كانت ابن الضحية على معرفة بأخت القاتل غير الشقيقة (كاتيا) بحكم حضورهما معاً لمحاكمته التي استمرت 46 يوماً.
يجلسان في منازل متجاورة، ويدخنان السجائر، ويتحدثان عن القاتل. وأضافت قائلة، بعد أن ارتشفت من قهوتها الساخنة، رشفة طويلة: «أعتقد أنه من الغرابة، أن يقوم بقتل الناس الذين يعرفهم، وإذا كان قد قتل ضحايا من الغرباء، فإن الأمر يختلف، لكن الذي استغرب له أنه قتل أناسا يعرفهم». بالفعل، كان مهووسا بقتل الناس الذين يعرفهم، وكان يصادقهم من أجل قتلهم لاحقا ومتى ما أتيحت له الفرصة. ومن بين الكتب المفضلة لديه، كتاب الكاتب (دايل كارنيجي) بعنوان (كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس).
الضحية.. النموذج..
كان الضحية رقم 32، رجلاً في منتصف العمر، اختفى في أواخر ربيع عام 2003 م، كان هدفاً نموذجياً، انتظر القاتل ضحيته لساعات طويلة، حتى أصبح يجلس لوحده، بعد انصراف مرتادي الشارع إلى منازلهم أو إلى البقالة، بعدما أصبح الجو ساخنا في الخارج. انتظر السفاح ساعة كاملة للقيام بحركته الأولى. كان الرجل يجلس على أحد المقاعد، يدخن السيجارة تلو السيجارة، ويشرب الخمر في شراهة، كمن يناقش مشكلة ما مع نفسه، يضع ساقا فوق ساق. بعد بضع دقائق، مشى القاتل والضحية في الشارع المؤدي إلى الحديقة، كان المساء قد حل لتوه، يلوح الأفق البعيد من بين الأشجار، وتماهت ألوان حمرة الشفق في السماء الداكنة عبر الغابة، في منظر بديع.
وكان الضحية رقم 32 في مزاج سيئ، اقترب منه (ألكسندر)، وألقى عليه التحية، كانت رائحة الخمر، تفوح منه بقوة، وأحس القاتل، أن الرجل المخمور ربما يغير رأيه في أية لحظة، ويعود أدراجه، ويفوت عليه الفرصة والتلذذ بنشوة القتل. بدأت بالونات الغضب تكبر في داخله حتى اقتربت من حافة الانفجار. قبل دخولهما إلى الغابة سأل (ألكسندر) الرجل المخمور قائلاً: لو تم منحك أمنية واحدة في حياتك، لتحقيقها، ماذا كنت تتمنى؟ أجاب الرجل على الفور: أن أقلع عن شرب الخمر. فقال له (ألكسندر): سأعدك، بأن أمنيتك ستتحقق هذه الليلة، وستتوقف في هذا اليوم عن تناول الخمر!
تعود السفاح دائماً، أخذ ضحاياه إلى بئر مربوطة بنظام الصرف الصحي في المدينة. توغل الرجلان إلى أعماق الحديقة، لم يسأل الرجل أية أسئلة، كان يمشي بالقرب من قاتله في صمت، كان يترنح ويتعثر في مشيته، لكنه لم يتوقف، وإنما واصل السير. وبوصولهما إلى البئر، لم يفصح عن هويته لفريسته، قبل انتقالها إلى الدار الآخرة.