السبت 14 ربيع الأول / 31 أكتوبر 2020
 / 
10:00 م بتوقيت الدوحة

«الغويرية» خيار استراتيجي لإعادة التوطين.. والنهوض بالسياحة التراثية

أمير سالم

الأربعاء 14 أكتوبر 2020
الغويرية

مواطنون: نحتاج خطة متكاملة تشمل تملّك الأراضي وتطوير البنية التحتية

إنشاء فرع للجامعات في الخور يخفّف أعباء انتقال الطلاب وأسرهم إلى العاصمة

مطالبة «كتارا» بحملة تعريفية وتبني فعاليات ميدانية بمعالم المنطقة

انطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية والمجتمعية تفتح «العرب» ملفاً استراتيجياً يتعلّق بشؤون وشجون المناطق الخارجية بالدولة؛ بهدف وضع هذه المناطق في بؤرة الضوء أمام المسؤول والمواطن على حد سواء. ويطرح هذا الملف سؤالاً أساسياً فحواه: هل آن أوان تحقيق هجرة عكسية من الدوحة إلى المناطق الخارجية؛ سعياً لنشر التنمية الشاملة في مختلف ربوع الدولة، وزرع هذه المناطق بالبشر لتعميرها؟
أرقام جهاز التخطيط والإحصاء تكشف عن حال سلبي لتوزيع السكان داخل البلاد؛ إذ يشير تعداد العام 2015 إلى أن ما نسبته 79% من إجمالي عدد السكان يقيمون ثلاث بلديات فقط، هي: الدوحة والريان والوكرة، بواقع 42% و25% و12%، فيما تتوزّع نسبة الـ 21% الباقية من السكان على باقي بلديات الدولة.
والسياج البشري المأمول في هذه المناطق يتطلّب توسيع نطاق الخدمات والبنية التحتية لتحسين جودة الحياة هناك، لجذب شرائح سكانية جديدة، وتفكيك التكدس بالدوحة والمدن الرئيسية بالدولة.تحتل الغويرية مكانة متميّزة في جغرافيا قطر؛ لكونها تقع بين الدوحة ومدينة الشمال، وإن كانت الأقرب إلى الأخيرة، كما تكتسب هذه المكانة بحكم قربها من مدينة الخور الواقعة على الساحل الشمالي الشرقي للبلاد، والقرب من منطقة الزبارة الأثرية ودخان غرباً.
ومثلما تمتلك مكانة متميّزة بخارطة الدولة، توجد لدى الغويرية مميزات أخرى لا تتوافر في مناطق كثيرة؛ فهي محاطة من جميع الجهات بسياج من الروض، مثل: روضتا الغويرية، والمايدة، ويقع في محيطها الغربي جزء كبير من محمية الريم، وهي واحدة من أكبر المحميات بالبلاد. ما سبق يؤهّل الغويرية -المنطقة الهادئة هائلة الإمكانيات- لأن تكون مقصداً للسياحة البيئية ومحبي رياضة «المقناص»، وأن تكون خياراً استراتيجياً يعزز العودة لأبناء المنطقة والمناطق المجاورة من الدوحة، وتخفيف الضغط السكاني المتزايد عليها.
الرحلة الثالثة لـ «العرب» إلى المناطق الخارجية مختلفة هذه المرة؛ حيث إن الروض المحيطة بالغويرية جعلت منها مدينة ذات أجواء مناخية جيدة للغاية، وبلا رطوبة تقريباً، ومن المثير أن الغويرية -حسبما يشير أهلها في حديثهم مع «العرب»- وجدت مَن يرى فيها من الأجانب والوافدين، مكاناً مثالياً للعيش، حيث الهدوء، ونقاء الجو، وجمال الطبيعة، وأنهم فضلوها على مناطق أقرب إلى مقار أعمالهم؛ نظراً لكونها أكثر جاهزية من حيث مظاهر الحياة المدنية.

 مقصد لمحبي المقناص والحياة البرية 

تطورت الغويرية كثيراً عن العقود السابقة؛ حيث يوجد بها مدارس للمراحل التعليمية الأساسية الثلاث، للبنين والفتيات، وحضانة نموذجية، ومركز صحي، لكنها تحتاج إلى مزيد من الخدمات، وبدء إجراء عملية تطوير شاملة للبنية التحتية، بما يؤهلها لجذب أبنائها للعودة مجدداً للإقامة بها، هذا ما يؤكده ناصر علي النعيمي، معتبراً أن الغويرية جديرة بأن تكون مجتمعاً عمرانياً متكاملاً أسوة بالمدن الموجودة في الشمال، مع مراعاة هويتها الخاصة.
تمتلك الغويرية مميزات لا تتوافر في مناطق أخرى، وهي مقصد دائم لمحبي «المقناص» وهواة الحياة البرية، والسياحة البيئية، ووفقاً لناصر يبقى من الضروري وضع المنطقة على خارطة السياحة البيئية والتراثية، ويمضي إلى القول: إن الغويرية تحتاج نظرة من المسؤولين، مشيراً إلى وجود عدد من الروض، إلى جانب جزء من محمية الريم، في محيط الغويرية، مثل: روضة الغويرية، والمايدة، وجميعها تحوي أشجاراً نادرة، وتوجد بها أنواع كثيرة من الطيور المهاجرة، خاصة خلال موسم سقوط المطر.
يذهب ناصر إلى القول بإمكانية أن تقوم مؤسسة الحي الثقافي «كتارا» بدور كبير في التعريف بالطبيعة البرية والتراثية المتفردة للغويرية، عبر فعاليات تمكّن محبي الطبيعة التراثية والبيئية من زيارة معالمها بما يخدم السياحة التراثية في هذا الجانب.

مقصد لـ «الأجانب».. والممشى «حبيس الأدراج» 

يوضح ناصر أن عدداً من الأجانب يعيشون منذ سنوات في الغويرية، رغم أن وظائفهم في أماكن أخرى، وإدراكاً منهم بتميّز المنطقة بالهدوء والطبيعة الساحرة، لافتاً إلى أنه نجح بالفعل في الحصول على الموافقة بإنشاء ممشى لمحبي ممارسة الرياضة، بجوار روضة «الغويرية»، لكن المشروع ما زال حبيس الأدراج لدى المسؤولين بوزارة البلدية والبيئة.

خدمات الطوارئ غائبة.. وحاجة ضرورية إلى مستشفى متكامل 

لا يوجد في مكتب البلدية بالغويرية موظف يقيم بالمنطقة، وبالتالي لا يدرك احتياجاتها، ومن المفروض أن يكون الموظف قريباً من مقر سكنه، فأنا –على سبيل المثال- أعمل بفرع «كهرماء» في منطقة مشيرب، وأذهب إلى العمل يومياً من الغويرية إلى قلب الدوحة.. هذا ما يشير إليه سعيد حمد إدغام النعيمي، موضحاً أن هناك خدمات غائبة مثل «الطوارئ» بمركز الغويرية الصحي، وهي خدمة ضرورية لعلاج مصابي الحوادث الذين يحتاجون رعاية طبية عاجلة حتى لا يفقدوا حياتهم.
ويضيف أن المركز الصحي لا يوفّر خدمة الطوارئ، وسبق أن كاد أحد الأشخاص يفقد حياته غرقاً، وأصيب آخر بلدغة «عقرب» ولم يجرِ إسعافهما بالمركز، وكان القدر رحيماً بهما، ونجحت جهود إنقاذهما بمستشفى الخور، لافتاً إلى أن مرضى الطوارئ يلجؤون في الغالب إلى تلقي العلاج في مدينة الكعبان، ما يستدعي ضرورة إنشاء مستشفى متكامل يعالج الحالات المرضية كافة، خاصة الطارئة منها.
خدمات البنية التحتية مطلب رئيسي للأهالي حسب وصف سعيد؛ حيث لا يزال الصرف الصحي بدائياً، ولا يوجد سوى فرع لـ «الميرة» يقصده الجميع للحصول على احتياجاتهم؛ فيما ترتفع الأسعار بمحال البقالة الأخرى، كما لا يقدّم مكتب البريد الوحيد خدمات حقيقية، فهو شبه «ميت».


مطلوب توزيع أراضٍ.. وخدمات مركزية 

من هذه النقطة ينطلق محمد حمد النعيمي إلى الحديث عن زيادة الخدمات البلدية في الغويرية، التي تحتاج إلى استكمال مشروع إنشاء الممشى الترفيهي، بما يساعد الأهالي على ممارسة الرياضة، فضلاً عن ضرورة المسارعة بمد خدمات الصرف الصحي، إلى جانب توزيع أراضٍ على المواطنين لبناء مساكن جديدة تستوعب الأهالي الذين ضافت بيوت الآباء بهم.
عودة أبناء الغويرية للإقامة في المنطقة مجدداً يستدعي في المقام الأول -وفق محمد النعيمي- ضرورة تخصيص أراضٍ لبناء بيوت جديدة؛ لأنه إذا توافر البيت، تصبح العودة أمراً سهلاً وخياراً رابحاً للجميع.
قائمة المطالبات لا تقتصر على ما سبق، وتضم خدمات ضرورية -حسبما يشير- وتتمثل في أهمية توفير منطقة خدمات مركزية، مثل أسواق الفرجان، منوهاً بأن أهالي الغويرية يجلبون أسطوانات «البوتاغاز» من أسواق الزبارة، أقرب مركز خدمات إليهم، داعياً إلى ضرورة حصول الأهالي على خدمات مماثلة لما هو موجود بالمناطق المجاورة.


إنشاء فروع للجامعات يمنع الرحيل إلى «العاصمة»

دفع عدم وجود فروع للجامعات خارج الدوحة -هذه المشكلة القديمة التي ضلت الطريق إلى الحل منذ سبعينيات القرن الماضي- الكثيرين من أبناء الغويرية إلى الإقامة في الدوحة مع أبنائهم الدارسين في الجامعات؛ حتى لا يكونوا بعيدين عنهم، ما أدى إلى تفريغ المنطقة من السكان، ووفق محمد سيف النعيمي، وهو من أكبر أبناء الغويرية سناً، يتطلب الأمر ضرورة النظر بشأن إنشاء فروع للجامعات في مدينة الخور للتيسير عن أبناء الغويرية وباقي قرى ومدن الشمال، ويقول في هذا السياق: إن خطوة من هذا النوع سوف تخفّف كثيراً عن أبناء مدن وقرى الشمال، ولن يضطر أي منهم إلى الإقامة في الدوحة؛ نظراً لأن أبناءنا سوف يكون من السهل عليهم متابعة الدراسة الجامعية من أقرب مكان إلى مقار إقامتهم.
ويلقي محمد سيف النعيمي بمسؤولية هجرة أبناء الغويرية إلى الدوحة على الجهات المعنية التي لم تساعدهم في الحصول على أراضٍ لبناء مساكن جديدة تستوعب الزيادة السكانية منذ عقود طويلة، لافتاً إلى أن أبناء الغويرية يعيشون في بيوت الأجداد، ولا يمتلك الأبناء بيوتاً خاصة بهم، ما يجعلهم يفضّلون العيش بعيداً، ويقول في هذا السياق: إن منح أبناء الغويرية أراضي للسكن وإقامة مزارع سوف يدعم عودتهم للإقامة مجدداً، مما يخدم التنمية، ويصب في مصلحة الجميع.

أسواق الفرجان والخدمات البنكية.. مطلب حيوي 

توزيع الأراضي على أبناء الغويرية يبقى رهاناً رابحاً لإنجاح الهجرة العكسية والعودة طواعية إلى أرض الآباء والأجداد، هذا ما يؤكده هزاع علي النعيمي، موضحاً أن أبناء الغويرية يحتاجون إلى أراضٍ للبناء عليها والإقامة فيها، والاستقرار بصورة طبيعية بعيداً عن التكدس في البيوت الحالية المملوكة للآباء والأجداد.
محفز آخر يدعم إعادة توطين أبناء الغويرية -حسبما يقول هزاع- يتمثل في إنشاء مركز للخدمات الحكومية يخدم أهالي المنطقة في إنجاز المعاملات عبر «شباك واحد» بدلاً من التوجّه إلى المراكز الحكومية البعيدة نسبياً، داعياً إلى أهمية توفير أسواق فرجان تلبي احتياجات الأهالي من السلع والخدمات الضرورية، وإلى صيدلية، وخدمات بنكية، منوهاً بأن الفرع الوحيد لأحد البنوك جرى إغلاقه قبل عامين دون سبب واضح، وكالعادة يلجأ الأهالي إلى فروع المصارف الموجودة في الخور أو الدوحة لإنجاز المعاملات.
هزاع يؤكد أن الموقع الجغرافي المتميّز للغويرية يجعلها مؤهلة لأن تكون مجتمعاً عمرانياً متكاملاً، يستقطب الكثيرين من سكان الدوحة والخور والشمال والمناطق القريبة، ويعمل على تفكيك التكدس السكاني بها.

اعتداءات متكررة على الروض.. والصرف الصحي غائب

تواجه الروض الموجودة في الغويرية اعتداءات متكررة من جانب الزوّار الذين يتركون مخلّفات ونفايات تسيء إلى المظهر الحضاري، ما يستدعي ضرورة قيام الجهات المعنية بمسؤولياتها لتوفير الحماية الكافية لهذه الثروة البيئية والتراثية.. هذا ما يشير إليه ناصر محمد سيف النعيمي، مضيفاً أن أسوار عدة روض تعرّضت للهدم، ولم يُعاد بناؤها، ما يجعلها عُرضة لانتهاكات جديدة؛ منها إلقاء المخلّفات من جانب الزوّار الذين لا يلتزمون باحترام التعليمات في هذا الشأن، وقد اضطررنا إلى رفع المخلفات الموجودة بالروض أكثر من مرة.
ولا تزال مشكلة عدم وجود خدمة الصرف الصحي تؤرق أهالي المنطقة -حسب وصف محمد- كما يعاني المدخل الرئيسي من غياب الإنارة ليلاً، وانتقد ناصر غياب خدمات التشجير، و»الإنتر لوك» بالشوارع، منوهاً بأن توافر الخدمات سوف يعمل على تسهيل جودة الحياة في المنطقة.
إجمالاً يمكن القول: إن الغويرية أرض بكر للسياحة البيئية والتراثية، وهي جديرة بأن توضع على خارطة المقاصد السياحية بالدولة، وسوف تكون وقتها مسرحاً مفتوحاً، ومقصداً رئيسياً للسياحة الداخلية والوافدة من الخارج.
كما تبقى الغويرية عبر وجودها في بقعة سحرية على خارطة قطر تربط الشمال بالعاصمة، وتقرب بين شرق الدولة وغربها، مؤهلة لأن تكون مدينة عصرية قادرة على إذابة وتفكيك الزحام في الدوحة، وتخفيف الضغط على الخور، والتكامل خدمياً مع الكعبان والشمال، وكذلك منطقة الزبارة، ودخان في الغرب.

_
_
  • العشاء

    6:23 م
...