آباء يافعون وأبناء مسؤولون
ثقافة وفنون
14 أكتوبر 2013 , 12:00ص
فاطمة الصفر
جلس العجوز عند طرف حديقة بيته الصغيرة مقابلا بوابة بيته المفتوحة على مصراعيها كأنها تحتضن الشارع.. تلتقط الناس والزوار مرحبة بهم في أحضان البيت المتوسط الحجم والرفاهية، رفع رأسه للسماء لتدغدغ أشعة الشمس بشرة وجهه السمراء المجعدة وليشتم رائحة أزهار الليمون المنتشرة في أحد أفرع الشجرة الكبيرة التي نصّبت نفسها حارسا للبيت وهي تقف عند أحد جانبي البوابة العريضة, وقد كان لها الحق في ذلك لضخامتها وامتداد أفرعها.
مر رجل من أمامه: كيف حالك يا أبا أحمد.
رد العجوز: الحمد لله، كيف حالك والأولاد؟
الرجل: بخير الحمد لله.
وبعد عدَّة دقائق لاح خيال من بعيد لم يكن غريبا عليه البتة، ومع اقتراب هذا الشبح تيقن العجوز أنه سيسمع أخبارا جديدة قديمة، واقترب الشبح من العجوز حتى وقف مقابلا له، كان شابا حنطي البشرة طويل القامة انكفأ على رأس العجوز طابعا قبلة على شعره الأشيب الكثيف ثم جلس على كرسي كان بجانب العجوز، ووجه الشاب نظره إلى الشارع وكأنه يغوص في التواءات أبنيته ليطوف بين الشجيرات المبعثرة على أرجائه، وبعد برهة عاد إلى شاطئ الواقع مبللا بقطرات الشرود شديدة الملوحة.
الشاب: كيف حالك يا جدي؟
العجوز: بخير والحمد لله.
الشاب: وكيف هي أمورك؟
العجوز: تمر أيامي بهدوء وراحة.
وارتسمت على وجه العجوز ابتسامة وقورة ثم حول نظره إلى الشاب قائلا: كيف حالك أنت يا بني؟
الشاب: الحمد لله.
العجوز: وكيف حال والديك وإخوتك.
الشاب: بخير أما حالهم فكما هو دائما.
العجوز: هل هذا ما يكدر صفوك أن حالهم كما هو دائما؟
الشاب: لا أنكر القول أن شجاراتهم الصبيانية لطالما نغَّصت علينا أنا وإخوتي, ولكن لا مفر من الاعتياد على وجود هذه الشجارات التي تنطوي أسبابها على كثير من التفاهة والصبيانية, مغلفة بأعذار جدية, والتي عادة ما تنتهي بنقاشات عقيمة لتعاود الظهور بمضمون واحد, ولكن بشكل مختلف.
العجوز: لا أنكر عدم نضوج تصرفاتهما إلا أن ليس هنالك بيت يخلو من المشاكل, ولا بد لك ولإخوتك من التكيّف لمتابعة حياتكم ودراستكم, فهذا يعد بسيطا لما قد يواجهه غيركم من الأولاد كآباء مدمنين أو تمزق أسري وغير ذلك.
الشاب: نعم هذا صحيح, وقد انحنى ظهره مسندا يديه على رجليه.
العجوز: إذا ماذا هنالك يا بني, لم أرك لا تقوى على إبقاء ظهرك مستقيما؟ ما الذي يثقل كاهليك؟
الشاب: أشعر أني مجهد نفسيّا, أحس بتعب يلتهم صدري، هنالك ثقل على قلبي يبطئ نبضاته.
العجوز: اهدأ وتنفس ببطء.
ثم التفت العجوز ناحية البيت وقال بصوت عال نسبيا: حضري لنا كأسين من عصير الليمون البارد من فضلك يا مريم.
وجاء صوت هادئ من البيت: «حاضر يا أبو أحمد».
وبعد لحظات خرجت امرأة أربعينية من البيت تحمل صحنا متوسطا فيه كأسا عصير وطبق يحتوي على بسكويت محضر منزليا، وما إن اقتربت حتى وضعت الصحن على طاولة مجاورة للعجوز وقالت: كيف حالك يا منصور؟ وكيف هما والداك؟
رد الشاب: بخير يا خالتي، كيف حالك أنت؟
المرأة: بخير والحمد لله.
العجوز: سيتناول منصور معنا اليوم طعام الغداء، سنبقى نتسامر هنا حتى يحين موعد الغداء.
المرأة: أهلا به في أيّ وقت، سأعود أنا للداخل لأكمل إعداد الغداء.
العجوز: شكرا لك.
ثم عاد العجوز ليخاطب الشاب: اشرب هذا العصير فلليمون قدرة عجيبة على تهدئة الأعصاب.
قال العجوز هذه الجملة بأسلوب لا يخلو من المرح والمداعبة، وبعد أن ارتشف الشاب بضع مرات من العصير، بادره العجوز: ماذا هنالك يا منصور؟
الشاب: اليوم قمت بمقابلة مع شركة للالتحاق بوظيفة, ولم ينل نقاشي وعلاماتي المتوسطة كثيرا من رضاهم، إلا أنهم قالوا لي الجملة المعتادة: سنقوم بإبلاغك هاتفيا عن قرارنا الأخير, ونتمنى لك كل التوفيق.
العجوز: وماذا في ذلك؟ إن كان لك نصيب في هذه الوظيفة فسيقسمها الله لك، وإن لم يكن فالله أعلم بما فيه الصالح لنا.
الشاب: لقد شرحت أني كنت أعمل جزئيا في الإجازات مما يبقي وقتا أقل للدراسة, ولكني لم ألق ردا منهم غير الصمت.
العجوز: كنت تعمل جزئيا لتساعد والديك في بعض المصاريف، كما كنت مسؤولا عن متابعة دراسة إخوتك، إذ إن الشهادة الأكاديمية ليست شيئا أساسيا بالنسبة لوالديك, كما أنهم يتوقعون منكم زيجات مبكرة مندفعة عشوائية وأعمالا لا يهم مستقبلها الوظيفي قدر ما يهم عائدها الشهري، ترتسم في خيالاتهم مشاريع مستقبلية لكم تكاد لا تختلف عن قراراتهم التي قد اتخذوها في شبابهم.
الشاب: لقد تعبت من ثقل المسؤولية, أشعر أني كهلت قبل الأوان, وأني أكبر عمرا وحتى أكثر نضوجا من والدي في معظم الأحيان، لطالما قدمت حلولا للمشاكل التي تواجهنا، تضع اعتبارات الأسرة ومستقبل إخوتي أساسا لقرارات عقلانية, قبل أن يقذفوا استقرار بيتنا بقذيفة جديدة من مدفع قراراتهم المزاجية.
أطلق الشاب زفرة طويلة ثم قال: أشتاق في بعض الأوقات لأقفز بين العصافير مفعما بسذاجة الشباب كما يفعل أقراني بين الحين والآخر وأستمتع بالحياة كما يفعل الشباب.
العجوز: لقد ولدت يا منصور في ظروف تجعل منك متعقلا متزنا وقورا لتعادل بين طيش أبويك حتى لا يتوه قارب بيتكم في بحور نجهل محتواها وعلو أمواجها، لكل إنسان ظروف تصقل وتنمي جانبا من شخصيته، شاءت لك الظروف ذلك, ولكن أليس من الأجدر بك أن تكون أكثر فخرا واعتزازا بأنك أقدر على اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية من أقرانك؟
ساد صمت, ثم عاود الشاب الحديث قائلا: يا جدي إنهم في وسط عاصفة عناد كبيرة, استشاطت غضب كل منهما, حتى إن جدران البيت تتراقص من قوة زفيرها.
العجوز: «ممم» إنها رعونة صبيانية شديدة على ما يبدو.
الشاب: بدأت قبل عدة أيام ووصل العناد بهم درجة أن والدي يؤجل دفع إيجار البيت ومستحقات المدرسة, وأمي لا ترد على اتصالات جيراننا الراغبين في خطبة أختي مها، إنهم يقحمونني في مواقف محرجة تعقد لساني, عاجزا عن خلق أعذار تبرر للغرباء توضيحا لتصرفاتهما غير المفهومة... هذا يسبب لي إحراجا كبيرا, كما أن زمام الأمور يكاد يخرج من بين يدي.
العجوز: أفهم ما تعني يا بني... أخشى أن من لم تنضجه المدارس والجامعات يظل عالقا بحبال تصرفاته الصبيانية, ويصعب عليه السبيل للتصرف كراشد متزن قد أغلق بوابة الصبيانية ومضى قدما.
ثم عاود العجوز حديثه: اسمع يا بني إذا لم تنضجهما كل هذه السنين وما كان على عاتقهما من مسؤولية, من الأرجح أنهم سيحيون ما تبقى لهم من عمر على هذا النحو، ولا يسعنا أنا وأنت إلا أن نحاول توفير بيئة متزنة لإخوتك ليشبوا لا يشكون خللا نفسيا... الآن لنبدأ بالحلول العملية أنت تأخذ إيجار البيت من أبيك لتسلمه لصاحب البيت, وأنا سأستقبل الجيران في بيتي... ما رأيك؟
الشاب: لا أعرف أي عاقل كنت سألجأ إليه في أحلك الظروف لو لم تكن موجودا يا جدي.
العجوز: لا عليك فلندخل لتناول الغداء.
وبعد عدة أيام حاول فيها الجد العجوز والحفيد الشاب إرجاع المياه إلى مجاريها، جلس العجوز في وقت الضحى يقلب الجريدة اليومية وهو يتلذذ برائحة القهوة قبل أن يرتشف منها كل مرة، وإذا بجرس الهاتف يرن... فأجاب العجوز: «ألو نعم»
الشاب: جدي.. كيف حالك يا جدي العزيز؟
العجوز: أهلا منصور أنا بخير كيف حالك أنت؟ إني لأستشعر السعادة في نبرة صوتك.
الشاب: أجل يا جدي الوظيفة, إنها الوظيفة, لقد قبلت.
العجوز: مبروك وكيف ذلك؟
الشاب: لقد قالوا لي إنهم أعجبوا بشخصيتي القيادية, وحس المسؤولية العالي لدي, لما مررت به من وظائف ونشاطات مختلفة.
العجوز: لا تيأس من رحمة الله يا ولدي أرأيت؟ عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.
الشاب: الحمد لله.
العجوز: أتمنى لك كل التوفيق يا بني، في رعاية الله.
وعاد العجوز إلى صحيفته يطوف بعينيه على صفحاتها وعلى ثغره ابتسامة ملؤها الرضا.