د. الربيعة: تحقيق التوحيد الطريق للتمكين والاستخلاف في الأرض
محليات
14 سبتمبر 2013 , 12:00ص
الدوحة - محمد عيادي
شدد الدكتور محمد بن عبدالله الربيعة على أن كتاب الله عز وجل هو المنهج الذي أراده الله أن يكون دستورا للبشرية جمعاء، لأنه منهج رباني قويم يحقق للإنسان كماله وسعادته في الدنيا والآخرة.
وتطرق الداعية السعودي في خطبته أمس بمسجد الإمام محمد بن عبدالوهاب لأهم ملامح سورة البقرة ومفاصلها بالتفسير، موضحا أنها من أعظم سور القرآن الكريم، مكث نزولها عشر سنوات من أول بداية الهجرة، فيها أول ما نزل بالمدينة وآخر ما نزل على النبي صلى الله عليه فهي سنام القرآن وفسطاطه.
وقال إنه قصد بذلك التذكير بعظمة القرآن وما ضمنه الله فيه من الهدى، وإنه اختار سورة البقرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرؤوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة السحرة (السحرة )»، وقال عليه الصلاة والسلام «اقرؤوا الزهراوين: البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صوافّ، تحاجَّان عن أصحابهما».
وزاد عضو هيئة التدريس بقسم القرآن وعلومه بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة القصيم، أن في سورة البقرة العظيمة تنوعا في موضوعاتها، لكنها انتظمت أحكاما أعظم انتظام في عقد فريد يؤكد لنا عظمة القرآن وإعجازه، حيث ركزت على إعداد المؤمنين وأمة الإسلام لتلقي أوامر الله عز وجل وتشريعاته العظيمة وتمثلها وتطبيقها وتبليغها في العالمين ونشرها، لأنها سبيل لاستخلاف المؤمنين في الأرض وتمكينهم لقوله تعالى «الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة».
وقال الدكتور محمد الربيعة إن رحلة سريعة في رحاب السورة، تبين أن من تلقى أوامر الله عز وجل وأكمل أداءها وتطبيقها، فإن له وعدا من الله عز وجل بالتمكين والإمامة في الدين، حيث افتتحت بالإشارة لعظمة القرآن دستور الأمة ومصدر تلقيها الأول: «الم* ذلك الكتاب لا ريب فيه»، وفي ذلك إشارة إلى أنه أعلى وأفضل ما نزل على البشرية جمعاء.
وأضاف الخطيب أن الله تعالى قال «الكتاب» ولم يقل «كتاب» أي أنه اشتمل على معاني الكتاب كله ولذلك جاء عن الحسن أن الله عز وجل جمع الكتب السماوية في أربعة كتب وجمع الأربعة في كتاب واحد وهو القرآن العظيم الذي لا ريب فيه ولا أدنى شك ولا نقص ولا خلل، ولا يمكن لأحد أبدا أن يجد فيه نقصا فهو الكتاب الكامل والدستور الذي لم ولن يجد الإنسان أكمل ولا أعظم منه بينما دساتير البشرية منتقصة، حيث تتبدل ويزاد فيها وينقص، ليضعوا فيها ما يشاؤون من أهوائهم خلافا لكتاب الله، فهو المنهج القويم الذي به قيام دولة الإسلام وأنزل لهداية البشر لسواء السبيل لقول الله تعالى «إن هذا الكتاب يهدي للتي هي أقوم».
وبعد هذا البيان لمنزلة القرآن ومقصده الأعظم، ذكر الله تعالى في سورة البقرة أقسام الناس الثلاثة في موقفهم من القرآن؛ الذين يؤمنون بالغيب، والمكذب الكافر المعرض «سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون»، ومنهم النوع الثالث -وهو الأخطر- المنافقون المكذبون المفسدون في الأرض بعد إصلاحها.
وزاد الخطيب أن بعد هذا التقسيم جاءت دعوة الله عز وجل لهذه الأصناف الثلاثة بالدعوة لعبادة الله «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».
وتستعرض السورة النموذج الأول ممن تلقى أوامر الله للخلافة في الأرض وهو آدم عليه السلام «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»، أي أن الله أراد أن يكون في الأرض خلفاء يقيمون شرعه ولذلك جاء في قصة آدم «قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»، أي أن الذين يتبعون هدى الله ويطبقون شرعه ويمتثلون أمره هم أعظم الناس أمنا واستقرارا في الأرض بإذن الله لهم التمكين من الله والأمن والأمان في الدنيا والآخرة.
ثم يأتي النموذج الفاسد، وهو النموذج الذي استخلفه في الأرض فأفسد وكذب وأعرض وتلكأ عن أوامر الله، وجعل كتاب الله وراء ظهره وهم بنو إسرائيل الذين أرسل لهم الله 300 نبي و25 رسولا ومع ذلك كذبوا وعاندوا وتشددوا على أنبيائهم، وقتلوا من قتلوا منهم، مشيرا إلى أن سورة البقرة جاءت لتذكر الأمة المحمدية وتحذرها من أن يكونوا مثل هؤلاء الذين استخلفهم الله في الأرض فكذبوا أنبيائهم وتلكؤوا في أوامر الله، وبالتالي فإن من لا يقوم بشروط الاستخلاف يسلبها منه الله تعالى ويحرمه التمكين.
وبين الخطيب أنه لم يؤمن من اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا أقل من عدد أصابع اليد العشرة، منهم عبدالله بن سلام رضي الله تعالى عنه، موضحا أن قصة البقرة التي سميت السورة بها تبين عواقب التشدد وكثرة التساؤل، حيث قتل قتيل في قوم من بني إسرائيل ولم يعلموا من القاتل فجاؤوا إلى موسى وعرضوا عليه الأمر فقال لهم «إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة»، فقالوا: ما علاقة البقرة بقتل القتيل؟ لأنهم يعلمون أن القاتل هو من جاء يسأل موسى عليه السلام وهو عم المقتول، وطالبهم بذبح البقرة وضربه ببعضها لكي يحييه الله عز وجل وينبئهم بالقاتل لكنهم لم يستجيبوا وسألوا عن لونها وماهيتها وقالوا «إن البقر تشابه علينا»، فتلكؤوا وتشددوا فشدد الله عليهم فلم يجدوا تلك البقرة إلا عند يتيم اشتروها بوزنها ذهبا فذبحوها وضربوا بعظمها المقتول فأنبأهم من قتله.
وقال الدكتور محمد الربيعة إن في هذه القصة تحذيرا للأمة المحمدية من التساؤل والتلكؤ كما فعلت بنو إسرائيل. وسميت السورة بالبقرة لتحذر من هذا التشدد والتلكؤ مع أوامر الله ورسوله، مضيفا أن على الأمة الإسلامية والمؤمنين أن يسارعوا لتنفيذ أوامر الله والاستجابة لقوله تعالى «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم»، فلا مجال للمؤمن بالتماطل لأن الاستجابة لأمر الله من كمال دين المسلم.
وزاد أن السورة ذكرت النموذج الثاني للأصل الذي ترجع إليه أمة الإسلام والذي استخلفه الله تعالى وهو إبراهيم عليه السلام الذي كان أمة للعالمين، وأمرنا الله باتباع ملته.
وقال الخطيب، إن الله جعل إبراهيم إماما لما ابتلاه الله تعالى بكلمات التوحيد فحققها وكملها فهو أعظم من حقق ملة التوحيد مع نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك إشارة وتأكيد على أن من حقق التوحيد لله في الأرض وفي نفسه وبيته ومجتمعه ودولته، فإن له حقا عند الله أن يمكن له، فالتوحيد هو الطريق للتمكين والاستخلاف في الأرض، وعلينا أن نحقق التوحيد لله تعالى فلا نشرك به شيئا ولا نتعلق بغير الله سبحانه في أي أمر من أمورنا.
وأضاف أن قصة إبراهيم عليه السلام تشير لقصة بناء الكعبة قبلة هذه الأمة «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل»، حيث أكرم الله الأمة المحمدية بأن جعل أباها إسماعيل مشاركا لإبراهيم في بناء البيت الذي جاءت من داخله دعوة إبراهيم للنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم «ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم»، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم «أنا دعوة أبي إبراهيم» وهذه كرامة من الله.
وبعد ذلك تأتي الإشارة لاختيار الله عز وجل لأعظم قبلة لهذه الأمة بعد أن شرفها الله تشريفا عندما اختار لها أعظم كتاب وأعظم نبي ثم أعظم قبلة واختارها أعظم أمة «كنتم خير أمة أخرجت للناس»، وهو ما يستوجب شكر الله على هذه النعم والقيام بحقها حق قيام بحمل أمانة الدين وتبليغه في الأرض.
وبعد هذا الاختيار للأمة، يأتي تكليفها بأعظم التشريعات التي تضمنت كليات الشريعة في الإسلام وحفظ الضرورات الخمس، وإقامة الصلاة وأحكام الصيام وأحكام القتال وغير ذلك من الأحكام، وأعظم من ذلك أحكام الإيمان حيث تكررت أصول الإيمان في السورة في ثلاثة مواضع أولها «الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون»، وأوسطها «ليس البر أن تولوا وجوهم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر...» الآية، وآخرها «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون...» الآية.
وأوضح الدكتور محمد الربيعة أن التأكيد على أصول الإيمان يأتي لأن الشريعة الإسلامية مبنية على روح تنبض في قلب كل مسلم، ولأن الشريعة ليست مجرد حروف جوفاء بل هي روح تنبض في قلب كل مؤمن وغير ذلك لا يعني شيئا الإنسان.
وأضاف أن الله تعالى اعتنى ببقاء الإنسان وسلامته وحفظ نفسه فقال «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى»، وقال تعالى: «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب»، وذلك لتحقيق الاستقرار لبني الإنسان، لأنه لا إقامة للشريعة بغير استقرار، فحفظ النفس البشرية مهم لتستطيع إقامة الشريعة، والإسلام أعظم من دعا للأمن والاستقرار بشريعته، ثم يليه حفظ العرض والنسل في أحكام الزواج والطلاق بشكل مفصل حتى يكون النسل مسلما متربيا على دين الإسلام، وإقامة العلاقة بين الزوجين على قواعد سليمة لأن العلاقة الأسرية إذا فسدت فسد المجتمع والعكس صحيح.
وبين الخطيب أن الله فصل أحكام الطلاق بنفسه لتلافي الأهواء البشرية والتلاعب وحتى لا يحصل ظلم طرف على آخر وبهذا كان شرع الله أعظم من حفظ للمرأة حقوقها وحد للرجل حدودا لا يجوز لها تعديها، فبعدما كان الرجل في الجاهلية يطلقها ويرجعها مائة مرة لم يعد من حقه في شرع الله أن يطلقها إلا ثلاثا له حق الرجعة في اثنتين ولا يرجعها بعد الثالثة إلا بعد الزواج من غيره.
وأشار الدكتور الربيعة في الخطبة الثانية إلى آيتين وردتا في سورة البقرة هما من أعظم آيات القرآن الكريم، أولهما آية الكرسي التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أي آية أعظم في كتاب الله قال آية الكرسي، التي جاء في فضلها، أنه من قرأها في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت، وهو ما يرسخ الإيمان في القلوب، مشيرا إلى أنها وردت في وسط أحكام التشريعات بالسورة للتأكيد على أن هذه التشريعات العظيمة لا يمكن أن يتمثلها الإنسان إلا بقوة إيمانية تضخ في قلبه ونفسه، وأن مجيئها في الوسط إنما هو لتعزيز هذا الأمر في قلب المؤمن فيحقق التشريعات ويطبقها، ولذلك ترددت كلمة التقوى في السورة أكثر من 35 مرة لأنها المحرك لامتثال أمر الله.
وقال الدكتور محمد الربيعة: نحن أمة الاستجابة، نقول لأمر الله سمعنا وأطعنا، مشيرا إلى أن هذه الآية تضمنت ما يميزنا عن الأمم كلها وهو أننا الأمة الوحيدة التي تؤمن بجميع الأنبياء عكس من لا يؤمنون إلا بأنبيائهم كاليهود والنصارى، وأن الأمة الإسلامية أعظم أمة ما دامت تقوم بشريعتها وتطبقها منبها إلى أنها قد تقصر وتخطئ ولكن ليست بعناد وتلكؤ ولذلك ورد في آخر السورة «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا..»، وختمت بطلب العفو من الله وطلب النصر على الكافرين لأن الأمة الإسلامية أمة جهاد لتبيلغ شريعة الله والدعوة لها والتمكين لها وتحقيقها.
وأشار الخطيب إلى أن هذه الآيات أنزلت من تحت العرش لأنها أعظم شهادة في التاريخ، شهادة من الله لأمة محمد أنهم آمنوا واستجابوا وامتثلوا أمره، خلاف ما كان من بني إسرائيل، قال تعالى: «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا»، ولم يقولوا كبني إسرائيل سمعنا وعصينا.