الإسلام يهتم بالجانبين المادي والروحي معاً ويحرص على الباطن قبل الظاهر
باب الريان
14 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
سورة التين
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إلا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) اليْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ (8)}
هذه السورة مكية بالإجماع
{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ(3)}
أقسم الله في هذه السورة ببعض مخلوقاته، على أمر يتعلق بخلق الإنسان وفطرته، كما أقسم في سورة مرَّت قبل ذلك على أمر شبيه بذلك، هي سورة البلد: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا البَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد:1-4]. أقسم الله في سورة (البلد) بهذه المخلوقات: أنه خلق الإنسان في مكابدة للمتاعب والمشقات. وأقسم هنا في سورة التين: بأنه سبحانه خلق الإنسان في أحسن تقويم.
حرم الله تعالى علينا أن نقسم إلا به، كما قال رسوله الكريم: «من حلف بغير الله فقد أشرك»، وأقسم هو بما شاء من خلقه، في سور كثيرة في القرآن، تحدث عنها ابن القيم في كتابه (أقسام القرآن). ومما أقسم به ههنا: الأمور الأربعة، التين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين.
ومن المفسرين القدامى، من فسر الآيات على أن المقسم به أربعة أشياء، وقدر التين والزيتون بالصنفين المكيلين، أو الموزونين من المأكولات، التي يتحلى بها، أو يؤتدم بها، وما فيهما من فوائد عظيمة أفاض بها رجال التغذية.
ولكن من علمائنا وأئمتنا الموهوبين من نَظَر إلى هذا القسم نظرة أخرى، فيها كثير من التعمق والتوفيق، فلم يجعل التين والزيتون قسمين، بل اعتبرهما قسما بشيء واحد، وهو الأرض التي تُنبِتهما، أرض فلسطين وما حولها، التي تنبت التين والزيتون المباركين، وهي الأرض التي نشأ فيها عيسى ابن مريم، أحد الرسل الكبار من أولي العزم، الذين أخذ الله عليهم الميثاق.
فقال هنا: هذه محالٌّ ثلاثة، بعث الله في كل واحد منها نبيا مرسلا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار:
فالأول: محلة التين والزيتون، وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم.
والثاني: طور سينين، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران.
والثالث: مكة، وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا، وهو الذي أرسل فيه محمدا صلى الله عليه وسلم.
قالوا: وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء -يعني الذي كلم الله عليه موسى بن عمران - وأشرق من ساعير – يعني: جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى- و استعلن من جبال فاران - يعني: جبال مكة التي أرسل الله فيها محمدا- فذكرهم مخبرا عنهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان، ولهذا أقسم بالأشرف، ثم الأشرف منه، ثم بالأشرف منهما.
{ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}
وقوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} هذا هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة، وشكل منتصب القامة، سوي الأعضاء حسنها.
وهو ما أكده القرآن في أكثر من سورة، كما في سورة التغابن، {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ المَصِيرُ} [الآية:3]، وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار:7-8].
وهنا سؤال مهم يجب أن نسأله هنا، وهو: هل المهم في الفطرة وإلخلقة الإنسانية، التي خلق الله عليها الإنسان: الجانب المادي أم ما يشمل الجانب المادي والروحي معا، بحيث اللفظ والمعنى والظاهر والباطن، والصورة والحقيقة.
أعتقد أن الإسلام يهتم بالجانبين معا، ويحرص على المعنى قبل اللفظ، وعلى الروح قبل المادة، وعلى الموضوع قبل الشكل، وعلى الحقيقة قبل الصورة، وعلى الباطن قبل الظاهر.
وفي هذا يُعَوِّل القرآن على تقوى القلوب، لا على الظواهر أو الجوارح، قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ} [الحج:32]، {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج:37].
ويقول الرسول الكريم في الدلالة على أهمية القلب في صيانة الإنسان، في الحديث الصحيح المتفق عليه: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب».
ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فيما رواه مسلم في صحيحه: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
ومن هنا نقول: إن الإسلام يهتم بالحسن الظاهر في أمور الحياة، الذي يحمل الحياة، ويصوغها صياغة حسنة الظاهر، مقبولة الشكل، ولكنه لا يكتفي بذلك، بل يضم إلى ذلك ولا بد الحسن المعنوي، والجمال الأدبي، والحياة الروحية العليا، كما كان صلى الله عليه وسلم في نفسه مثلا أعلى في ذلك، وكما حرص على أن يكون جملة أصحابه وعِلْية أصحابه ممن ضربهم الله مثلا للذين آمنوا، في الجمع بين الحسن المادي والحسن الروحي المعنوي.
وتحت هذا الضوء يفهم قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}.
إلخلق للإنسان في أحسن تقويم، وتركيبه أعظم تركيب، وتعديله أقوم تعديل، يشمل الجانب المادي والجانب المعنوي، كما أشرنا، فما معنى قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}؟
إن الرد إلى أرذل العمر ليس هو التنكيس إلى أسفل سافلين، ثم هذا لا ينال إلا القليلين جدا من الناس. إنما الذي يليق بهذه العملية الإلهية: هو رد الناس إلى غرائزهم، وإلى طبائعهم البشرية وحدها، تتحكم فيهم وتسوقهم إلى مهاويها الرذيلة، إذا اتبع الإنسان أهواءه وغرائزه الدنيا وحدها، ولم يركز على الإيمان بالله ولا بالدار الآخرة، ولا بالعدالة وحسن الجزاء، بل يكون كما قال الله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72]، {إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:34]، {إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات:6]، {وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِإلخيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء:11]، {وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء:67]، {وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا} [الإسراء:100]، {وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف:54]، {إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} [المعارج:19]، {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:2]. فإذا تُرك الإنسان لهذه الطبائع والغرائز من الجهل والبُخل، والظلم والكفر، والكنود والعجل والجدل، تقوده وتسيره وحدها، بلا تدخل من إيمان يهدي، ومن عقل يصوِّب، ومجتمع يُعدِّل، كان الإنسان أشبه بذئب مفترس أو بهيمة عمياء، كما قال الشاعر:
أبنيَّ إن من الرجال بهيمة
في صورة الرجل السميع المبصر
فطن لكل مصيبة في ماله
وإذا أصيــب بدينه لم يشــعر
فإذا ترك الإنسان وحده بدون إيمان يسنده ويحميه، سلطت عليه هذه الطبائع والغرائز، وحدها تكتنفه وتحتويه، فلن يكون مصيره إلا التردي إلى الجحيم، والسقوط إلى أرذل الأرذلين {أُولَئِكَ الذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد:16]، {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ الهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إلا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:43-44].
إنما الذي ينجي الإنسان من هول هذا السقوط والضياع، هو ما استثناه القرآن في السورة الكريمة، حين قال:
{إلا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}
هنا أبرز القرآن دور الإيمان الحق وحده مصدرًا للإنقاذ، وسبيلا للنجاة، حين يكون الإيمان صادقا لا مجرد كلمة تقال، أو دعوى تدَّعى، فهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
وعمل الصالحات هنا عام يشمل كل الأعمال الإيمانية: المادية والمعنوية، المالية والعاطفية، العبادية وغير العبادية، وهي تشمل التواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والتواصي بالمرحمة، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فهؤلاء المؤمنون الصالحون المصلحون لهم أجر غير ممنون، أي: غير مقطوع بحال من الأحوال، كما قال تعالى: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود:108].
وهنا يبرز القرآن مهمة الإيمان الحقيقي في حياة الإنسان، فهو ليس دورا دخيلا ولا دورا ثانويا، بل دورا أصيلا، كما في قوله تعالى، في سورة العصر: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1-3].
{فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ}
إلخطاب هنا للإنسان، فهل بعد هذه الدلائل والبينات يجد ابن آدم العاقل مجالا يكذب فيه بالدين، والمراد بالدين: ما يحتوي الإيمان بالله رب العباد، ويحتوي ضرورة الجزاء والحساب ثوابا وعقابا، لما عمله الناس في حياتهم الدنيا من خير أو شر.
فالفطرة الإنسانية تقتضي التصديق بهذا القانون المغروس في فطرة البشر، أن لهذا الكون ربا، وأن لهذا الرب عدلا، وأن العدل لا يسوي بين الخير والشر، ولا بين المؤمن التقي والفاجر الشقي، وأن التفريق بينهما هو ما تقتضيه الحكمة {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص:27-28].
لا يوجد أي شيء يكذب بالدين، بل كل الحقائق العقلية والفعلية، والداخلية وإلخارجية كلها تؤيد الدين، وتصدق بقواعد الدين، أي: يا ابن آدم، ما الذي يكَذِّبك بعدُ بالدين؟ أي: بالجزاء في المعاد، ولقد علمت البدأة، وعرفت أن من قدر على البدأة، فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد، وقد عرفت هذا؟
{أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ}
أي: أما هو أحكم الحاكمين، الذي لا يجور ولا يظلم أحدا؟ ومن عدله: أن يقيم القيامة، فينصف المظلوم ممن ظلمه في الدنيا.
وقد ذكر هنا حديث أبي هريرة مرفوعا: «فإذا قرأ أحدكم {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} فأتى على آخرها: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ} فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين».
وأخرج الجماعة عن البراء بن عازب: كان النبي صلى الله عليه وسلم، يقرأ في سفر في إحدى الركعتين: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ}، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه .
سورة العلق
بسم الله الرحمن الرحيم
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعَى * أَرَأَيْتَ الذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * المْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ }
سورة العلق مكية، والآيات الخمس الأولى منها أول ما نزل من القرآن، هذا ما جاءت به الأحاديث الصِّحاح، وأثبتته السيرة المحمدية، وهو ما عليه معظم العلماء والمفسرين، وقال بعضهم: الفاتحة أول ما نزل، وكأنهم نظروا إلى أنها أول ما كُتب في المصحف الشريف، وأول ما يقرأه المسلم منه، ولكن من المعلوم المقرر أن الكتابة في المصحف شيء وتاريخ النزول شيء آخر نعلمه تماما، فآخر آية نزلت من القرآن ليست هي (سورة الناس)، بل قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة:281؟]، وأول ما أنزل من القرآن كما في حديث عَائِشَةَ أُمّ المُؤُمِنِينَ الصحيح قَالتْ: أَوَّلُ مَا بُدِىءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرؤيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إليه الخلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ، اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إلى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارٍ حِرَاءٍ؛ فَجَاءَهُ المَلِكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنَّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ)
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ}: كان محمد بن عبد الله المطلبي الهاشمي العربي هو من خوطب بهذي الآيات الخمس الأولى من سورة العلق، طُلب منه القراءة (اقْرَأْ) طالبه بها الملك جبريل؛ وهو أمي كامل الأمية، كما ذكر ذلك القرآن نفسه في مقام آخر:{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ المُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48]. فرد عليه محمد كما هو معروف ومنقول في السير: «ما أنا بقارئ!» ثلاث مرات، وبعد الثالثة، قال له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ}، فهو يأمره بأن يقرأ، فلها هدف ولها معانٍ، فهو لا يقرأ كما يقرأ سائر الناس، ولكنه يقرأ كلام الله تعالى المنزل عليه، ويقرأه مستعينا به سبحانه، ومسميا به، لا يقرأه باسم أمير ولا مخلوق، كائنا ما كان، ولكن باسم الله سبحانه، مستحضرا في نفسه أن (الله) هو (ربه)، أي: مالكه، وسيده، ومربيه، ومرقيه في مدارج الكمال، وشامله بحفظه ورعايته، دائما{بِاسْمِ رَبِّكَ}، فإذا كانت القراءة هي مفتاح العلم، فإن القراءة باسم ربنا هي مفتاح الإيمان. فكثير من الناس يقرؤون ويصلون، ولكن الذين يقرؤون باسم الله تعالى يهدون ويُصلحون.
{الَّذِي خَلَقَ}: ربك الذي تقرأ باسمه وتستعين به، هو الذي خلق، هو الخالق وحده، لا أحد غيره، ولا أحد معه، هو الذي خلقك، وخلق الذي قبلك، والذي بعدك، وهو الذي خلق السماوات والأرض، وما بينهما وما شاء ربنا من شيء بعدُ، ومعنى خلقها: أنه أوجدها من عدم، وكونها ونظم أمرها، على أحسن ترتيب، وأحسن تقويم، بحيث يقول من رآها: {تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخالِقِينَ} [المؤمنون:14].
{خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ}: وأول ما يبدو من خلق الله جل شأنه، هو خلقه لهذا الإنسان، والمراد بالإنسان هنا: الجنس البشري كله، الذي خلقه الله في أحسن تقويم، وصوره فأحسن صورته، وأعطاه العقل ليفكر، وعلمه البيان ليتكلم، وجعله في الأرض خليفة، وأرسل له الرسل، وأنزل عليه الكتب، وألقى عليه أمانة التكليف.
هذا الإنسان المستخلف خليفة الله ، أول ما خلقه الله خلقه من الدم الجامد، الحاصل من مني الرجل الذي علق ببويضة المرأة، {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق:5-7].
وهذه العلقة ستتطور إلى مضغة، ثم تكون عظاما...إلخ.
{ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ}:
كرر عليه الأمر بالقراءة تبيانا وتأكيدا، وليضيف إليه معنى جديدًا، يشد أزره، ويسند ظهره، وهو أن ربك الذي تستعين به وتقرأ باسمه هو{رَبُّكَ الأَكْرَمُ}، أي: من صفاته الأولى (الكرم)، بل الأكرمية، فإنه هو الذي يمنح صفة الكرم لمن يشاء من عباده، ويبقى هو أكرم من غيره، بل هو الأكرم على الإطلاق، بل هو أكرم الأكرمين، ومن إكرامه أنه يعطي بغير حساب، ويعطي الجزاء الكثير على العمل القليل، ويعطي من لا يستحق العطاء فضلا منه، ويغفر الذنب العظيم، ويهب الخير والرحمة لعباده، ويهديهم سواء السبيل، وينزل عليهم الكتب، ويبعث إليه م الرسل مبشرين ومنذرين.
{الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}:
ومن دلائل الأكرمية التي وصف الله بها نفسه: أنه يعلم عباده ما يحتاجون إليه ، بواسطة الفطرة والمعقول أولا، ثم بواسطة الأنبياء المرسلة، والكتب المنزلة.
ومن أهم المسائل التي علم بها عباده: (القلم)، هذه الأداة التي تعين على الكتابة، التي يُدون بها العلم، ويُنقل بها العلم من فرد إلى فرد، ومن جيل إلى جيل، ومن أمة إلى أمة.
ولولا هذا (القلم) ما وجدنا تراث الأمم -على سعته واختلاف أبوابه منذ عرف الإنسان الكتابة- بين أيدينا اليوم.
و(القلم) في عصرنا أصبح يمثل عالما، يشمل كل ما يطبع، فلم يعد مقصورا على القلم الفردي، الذي يمسكه الإنسان بيده، بل أصبح يمثل قلم الفرد والمجتمع والدولة والمؤسسات الكبرى، من مطابع وما تفرع عنها وما أضيف إليه ا من أدوات بشرية، يمثلها الإنترنت ونحوها {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.
ومن عناية القرآن بـ(القلم)، جاء القسم من الله تعالى به في سورة سميت باسمه، من أوائل ما نزل من القرآن، وهي قوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}
{عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}: ومن نتائج وصفه تعالى بالأكرمية، والتعليم بالعلم،: أنه علم الإنسان ما لم يعلم، فالإنسان مخلوق قابل للتعلم، يكتسب العلم وينميه باستمرار، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل:78].
ويقول الشاعر:
تعلم فليس المرء يولد عالما
وليس أخو علم كمن هو جاهل
فالمرء الذي يولد من غير علم يكتسب العلم ممن حوله، ومن الأرض التي يعيش فوقها، ومن السماء التي يجلس تحتها، ويكتسب العلم الديني من الأنبياء، الذين بعثهم الله لهداية البشر ومن ورثتهم، من العلماء، ومن مصادر علمهم الذي ورثوه للبشر، ويكتسب علوم الدنيا من أهلها الذين يتقنونها، ومن وسائلها المعلومة. ومآلاتها المعروفة، من الملاحظة، والتجربة، والتأمل.
ومن هنا رأينا في عصرنا متكاثر المعرفة على الدوام، وتزداد الإنسانية كل يوم من المعارف والمعلومات ما تزداد{عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}.
هذه الآيات الخمس الأولى هي أول ما نزل من القرآن، أما بقية آيات السورة فقد نزلت بعد ذلك، بعد الإعلان عن الدعوة، والاصطدام بالمجتمع القرشي الجاهلي، كما تجليه آيات السورة.
يتبع غداً إن شاء الله...