د. السعيد: الدبلوماسية الإسلامية نموذج يُتبع حتى اليوم

alarab
باب الريان 14 أغسطس 2011 , 12:00ص
فتحي زرد
لقد جاء الإسلام بقواعد تحدد السلوك والمعاملات والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية بما يتفق وروحه العظيمة وليكون أساسا لحضارة إنسانية تعم الدنيا كلها، ومن الثابت أن القانون الدولي الحديث لم يصل في بعض أحكامه إلى ما وصلت إليه الشريعة الإسلامية منذ أكثر من 14 قرنا من الزمان. بل إن الكثير من المشاكل الدولية التي لا تزال محل نقاش في المحافل الدولية تناولتها الشريعة الإسلامية بالضبط والتنظيم على أسس واضحة المعالم «وبرز ذلك في فن الدبلوماسية الإسلامية والعمل السياسي الذي تمتع به العهد الإسلامي أيام الرسول الكريم وسفرائه في الإسلام». وحول قصة سفراء الرسول الست إلى الملوك والأمراء حول العالم وفن الدبلوماسية الإسلامية التي كانت نموذجا يتبع حتى الآن يقول الدكتور منصور السعيد، الاستاذ بجامعة الأزهر، إن الرسول عليه الصلاة والسلام ومن بعده الخلفاء الراشدين قاموا بإرسال المبعوثين لأداء المهام الموكولة إليهم وكانوا يمنحون المبعوث حصانة خاصة وهو أمر لم يكن معروفا ولا متفقا عليه كما كان النظام الإسلامي أيضاً يعرف مراسم استقبال وإرسال المبعوث إلى الخارج. وتطورت الدبلوماسية في الإسلام والعصور المختلفة التي مر بها بدءا من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نهاية هذا العصر، كما يقول السعيد، مشيراً إلى أن الدبلوماسية في عهد الرسول كان لها طابع خاص. وحيث كان إنشاء الدولة الإسلامية وامتداد نفوذها في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ثمرة مجهودات حربية وتشريعية وسياسية كانت حصيلة النشاط السياسي والدبلوماسي للنبي العظيم مجموعة كبيرة من الرسائل والصكوك والمعاهدات تحدد العلاقة بين السلطة المركزية وبين قبائل العرب في شبه الجزيرة والملوك والرؤساء خارجها واتسمت الرسائال والوثائق النبوية بالبلاغ المبين وعرفت الدبلوماسية بالدقة والوضوح والاختصار والموضوعية وكانت تضم آيات قرآنية. وكانت التصرفات الدبلوماسية التي أسس لها الرسول الكريم ظاهرة في الكتب والرسائل التي حملها رسله إلى الملوك والأمراء والرؤساء ومن بينهم كسرى عظيم الفرس وقيصر ملك الروم والمقوقس حاكم مصر والنجاشي ملك الحبشة والحارث الغساني ملك الحيرة والحارث الحميري ملك اليمن. واختار الرسول عليه الصلاة والسلام رسله وسفراءه من الصحابة الموثوق بهم وكانوا جميعا من الشباب المؤمن وقد لوحظ في جميع كتابات الرسول الكريم أن الدعوة في ظاهرها دعوة دينية لأنها تدعو إلى الدين الجديد ولكنها في الحقيقة كانت دعوة قومية. وأضاف الأستاذ بالأزهر الشريف أن الدبلوماسية أصبحت أمرا ضروريا لدعم أركان الدولة الجديدة وتعددت وسائل الاتصال في الدبلوماسية الإسلامية وشملت المحادثات الشخصية والمراسلات والسفارات والمؤتمرات وكان أسلوب تعامل الرسول الكريم مع كل قبيلة أو دولة يختلف عن غيرها لأن حسن التقدير وحسن الاختيار كان أمرا مسلما به في الحرب والسلم على حد سواء وهو أمر معترف به في السياسة الدولية ولهذا استطاع الرسول الكريم توحيد كلمة العرب مما كان له أعظم الأثر في نشر الدعوة المحمدية في العالم أجمع، مشددا على أنه صلى الله عليه وسلم كان أول من أوفد السفراء فوق العادة وأول من استقبل السفراء وأعطاهم الأمن والأمان في عالم لم يعرف ذلك كما كان أول من احترم المواثيق والعهود وأسس دولة ذات تاريخ حفل بالدبلوماسية. وعرفت الدولة الإسلامية التمثيل الدبلوماسي على نحو مقارب لما هو معروف الآن وتتفق المصادر على أن الرسول الكريم اختار 6 من أصحابه وأوكل إليهم تسليم رسائله وهم دحية بن خليفة الكلبي الذي أرسل إلى قيصر، وعبدالله بن حذافة السلمي الذي أرسله إلى كسرى، وعمر بن أمية الضمري إلى نجاشي الحبشة، وحاطب ابن أبي بلتعة اللخمي إلى المقوقس حاكم مصر، وشجاع بن وهب الأسدي المرسل إلى الحارث بن شمر الغساني، وسليط بن عمرو العامري إلى هوزة علي الحنفي شيخ اليمامة. كما استقبل الرسول عليه السلام رسل المشركين وكانوا يعاملون معاملة السفراء لهم الأمان والضمان بالعودة سالمين وقد أجاز بعض الفقهاء عقد الأمان للرسول مطلقا دون تحديد مدة معينة وقد أجاز الحنفية والشافعية تجديد الأمان عاما بعد عام وعقد الأمان هو تصريح بالبقاء وأداء الوظيفة في حرية شبيهة بالحصانات الدبلوماسية التي تمنح للسفير الآن. وكان حق تبادل التمثيل السياسي حقا ثابتا لكل دولة مستقلة كاملة السيادة وكان حجم البعثة يشمل النواحي الاقتصادية والثقافية وكانت السفارة الإسلامية تتكون عادة من السفير وحاشيته الذين يكونون أعضاء البعثة وكان السفراء يُختارون ممن يتوافر فيهم الحكمة والبلاغة وعادة ما يكونون من القادة والعسكريين ورجال الفكر، وفشل السفير في مهمته يعني النفي خارج البلاد أو السجن والقتل أحيانا.. ونجاح السفير في مهمته يعني الكثير فكانت تقام له وليمة شعبية ويمنح أراضي مليئة بشجر الزيتون!! وأوضح السعيد أن العرب أدركوا أهمية الصفات الجسمانية للسفراء فكانوا يستحسنون في السفير تمام القد واعتدال الطول وعبالة الجسم فلا يكون ضئيلا جهير الصوت وسيما لا تقتحمه العيون وإلى جانب ذلك يشترط حسن الرداء، أما عن الصفات الخلقية فيجب أن يكون السفير على درجة عالية من سداد الرأي ونفاذ البصيرة وحصافة العقل وأن يكون عاقلا يميز الأمر المستقيم من المعوج وأن يتميز بالجرأة والإقدام والفصاحة والذكاء وتجنب شرب الخمر وعدم التدخل في شؤون الدولة المرسل إليها وأن يتوخى الأمانة بالإضافة إلى الثقافة العامة. وأشار إلى أنه في بعض الأحيان كان الخليفة أو السلطان يرفض مقابلة الرسول لسبب أو لآخر ومن هذه الأسباب تجسس السفير فما الحكم إذا تجسس السفير؟ ويقول إن الأصل أن السفير مستأمن بمجرد دخوله دار الإسلام وهو ما نسميه الحصانة وقد حرمت الشريعة الإسلامية التجسس وفي رأي الأحناف يعرض لعقوبة ويحبس حتى يتوب وعلى السفير أن يبتعد عن التجسس وعليه عدم التورط في عمليات من هذا القبيل. وقد كان عهد الخلافة الراشدة عهد معجزات دبلوماسية رغم قصرها ولولا حسن التنظيم في مختلف الشؤون السياسية والدبلوماسية والحربية والمالية لما استطاع الخلفاء الراشدون في سنوات قليلة بناء إمبراطورية واسعة وقد تميز كل خليفة من الخلفاء الراشدين بميزة خاصة جعلت لكل منهم بصمات على التاريخ: أبو بكر بالدبلوماسية الباهرة الهادئة، وعمر بعدله وحزمه، وعثمان باتزانه وحكمته، وكان عليا بطلا في الحروب نافذ البصيرة تدرب على العمل الدبلوماسي بحكم اتصاله بالرسول الكريم وتدرب على كتابة المعاهدات والرسائل. ويضيف الكاتب أنه في العصر الأموي عرفت الدولة عن طريق السفارات الإسلامية والبعثات تنظيم الإدارة في الدولة البيزنطية ونقلوا عنها التنظيم الإداري فقسمت الدولة إلى ولايات وأنشئت الدواوين مع العناية بالكتابة الدبلوماسية التي كان يحملها الرسل إلى ملوك الدول الأخرى. وكان حادث عبدالملك بن مروان مع سفيره عامر بن شراحبيل الشعبي أصدق شاهد على الاهتمام الشديد باختيار السفراء والرسل وفي أثناء الدولة العباسية تعددت السفارات بين الدولة الإسلامية والدولة البيزنطية لعقد معاهدات تبادل الأسرى التي كان يسمح للسفير بزيارة معسكرهم وتفقد أحوالهم. وقد سجل السفير نصر بن الأزهر بعد سفارته إلى القسطنطينية أحوال الأسرى العرب وحسن معاملتهم من الروم وفي عهد هارون الرشيد والخليفة المأمون بلغت السفارات الثقافية ذروتها ففي هذا العهد ازدهرت حركة الترجمة والتأليف كما أرسلت السفارات إلى مختلف العواصم سعيا وراء مؤلفات علماء اليونان. وأشار السعيد إلى أن الدبلوماسية في العصر الفاطمي كانت ذات طابع مميز حيث قامت على المناورة واستغلال الفرص لتهديد مصالح الدول الأخرى من أجل الحصول على أكبر المكاسب السياسية الممكنة مضيفا أن العالم المتحضر مدين بالكثير للدبلوماسية الإسلامية.