الإمام الرفاعي يُقبل يد الرسول (1-3)
باب الريان
14 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ فريد الهنداوي
«لما حج الإمام الرفاعي سنة (555 هـ) وقف تجاه الحجرة الشريفة النبوية، وقال على رؤوس الأشهاد: السلام عليك يا جدي فقال له عليه وعلى آله الصلاة والسلام: وعليك السلام يا ولدي، سمع ذلك كل من في المسجد النبوي، فتواجد سيدنا السيد أحمد، وأرعد، واصفر لونه، وجثا على ركبتيه، ثم قام وبكى وأنّ طويلا، وقال: يا جداه!
في حالة البعد روحي كنت أرسلها
تقبل الأرض عني وهي نائبتي
وهذه دولة الأشباح قد حضرت
فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
فمد له رسول الله صلى الله عليه وسلم يده الشريفة العطرة من قبره الأزهر المكرم، فقبلها في ملأ يقرب من تسعين ألف رجل، والناس ينظرون اليد الشريفة، وكان في المسجد مع الحجاج الشيخ عبدالقادر الجيلاني، والشيخ حياة بن قيس الحراني، والشيخ خميس، والشيخ عدي بن مسافر الشامي، وغيرهم. أهـ».
ذكر هذه القصة:
(1) محمد أبو الهدى الرفاعي الخالدي الصيادي، في: «قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر (ص 15 و20 و18)، و «حكم الرفاعي» (ص/51)، « وضوء الشمس في قول النبي بني الإسلام على خمس» 1/174) و«المعارف المحمدية في الوظائف الأحمدية» (ص 34 و59)، «وتنوير الأبصار» (ص 6)، و»التاريخ الأوحد للغوث الرفاعي الأمجد» (ص 59)، وغيرها من كتبه.
وقد صنف الصيادي هذا كتابا مفردا يدافع فيه عن هذه القصة، وسماه: «الفخر المخلد في منقبة اليد»، وهو مطبوع.
(2) السيوطي في كتابه: «تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك» (2 261 - مع الحاوي للفتاوي).
(3) أحمد الفاروثي، في كتابه: «إرشاد المسلمين لطريقة شيخ المتقين» (ص 34).
(4) يوسف النبهاني في كتابه: «جامع كرامات الأولياء» (1/298).
(5) إبراهيم البرنزمي في كتابه: «إجابة الداعي في مناقب القطب الرفاعي» (ص 18).
(6) عبدالكريم الرافعي في كتابه: «سواد العينين في مناقب سيدي أبي العلمين» (ص 10).
(7) تقي الدين الواسطي في كتابه: «ترياق المحبين في طبقات خرقة المشايخ الرفاعيين» (ص 12).
(8) محمد نجيب خياطة في مقدمة تحقيقه لكتاب الشيخ أحمد الرفاعي: «حال أهل الحقيقة مع الله» (ص 9-13).
وقلما يخلو كتاب للرفاعية إلا وذكرها وقلما يخلو كتاب من كتب الشطح والتصوف المتأخرة إلا وتعرض لها، ويعتبرونها من أسمى آيات الكرامات التي صاحبت مسيرة الشيخ أحمد الرفاعي، ويا ويل من يتعرض لهذه القصة بالتكذيب والإنكار أو مجرد التشكيك.
التحقيق:
هذه القصة مختلقة منكرة لا تثبت أمام الشرع ولا العقل، والأدلة على ذلك كثيرة:
(1) أن أصحاب كتب وتراجم الصوفية الأوائل، كالسبكي، والشعراني، وابن الملقن، والمناوي، لم يتعرضوا لذكر هذه الحادثة، مع أنهم كانوا أقرب إلى عصر الرفاعي من المتأخرين كالصيادي، وليس من المعقول أن يحرصوا على جمع ما روي عنه، فيروون قصة الجرادة والبعوضة، ويهملون هذه الحادثة التي اهتزت لها بقاع الأرض على حد تعبير الصيادي.
(2) أن المؤرخين غير المتصوفة كالذهبي، وابن كثير، وابن خلكان، لم يتعرضوا لذكر هذه الحادثة إطلاقا، ولو أنها وقعت حقيقة لتسابقوا إلى كتابتها، وقد ذكروا ما اشتهر به الرفاعيون من دخول النيران، واللعب بالحيات، وركوب السباع، غير أنهم لم يتطرقوا إلى ذكر هذه الحادثة، الأمر الذي يبعث على الجزم بأن حبكها كان متأخرا عنهم.
(3) أن رواة هذه الحادثة هم الصوفية الذين شهد الرفاعي نفسه بأنهم يكذبون على مشايخهم وأئمتهم، حيث قال كما في «قلادة الجوهر» (ص 104، 109)، و «ضوء الشمس» (1/176): «واحذر الفرقة التي دأبها التفكه بحكايات الأكابر وما ينسب إليهم، فإن أكثر ذلك مكذوب عليهم»، وقال: «يا بني: إذا نظرت في القوم الذين ادعوا التصوف، وجدت أن أكثرهم من الزنادقة الحرورية والمبتدعة» أهـ.
(4) أن هذا العدد الهائل الذي ذكروه «تسعين ألفا» من الناس لا تتسع له المنطقة المحيطة بالمسجد برمتها، ولا يستطيع هذا العدد رؤية تقبيل اليد كلهم في وقت واحد، وحتى لو وقفوا صفوفا طويلة لرؤية يد النبي صلى الله عليه وسلم لاستغرق ذلك أياما لكثرة عددهم الهائل، فهل بقي النبي صلى الله عليه وسلم مادا يده أياما أو على الأقل يوما كاملا ليراه هذا الحشد الهائل من الناس.