مقتضى وجود بعض المؤمنين في ظل العرش
باب الريان
14 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ عبد السلام البسيوني
بعد ما مر من إيضاح أجد أن هناك جملة أسئلة تفرض نفسها بوجود طوائف من المسلمين – على ما سيأتي – في ظل عرش الرحمن تبارك وتعالى، نتأملها، ونحاول الإجابة عنها، سائلا الله تعالى التوفيق والصواب، وأعوذ بالله تعالى، أن أتألى على الله سبحانه، أو أستدرَج، أو أضل، ومن هذه الأسئلة:
* هل كون بعض الناس في ظل العرش يقتضي أنهم جميعا مرحومون، ومن أهل الجنة، أم أن الظل مجرد ظل من الشمس وحرها فقط؟
والجواب والله تعالى أعلى وأعلم: نعم، سيرحمون؛ والظل مجرد ظل من الشمس وحرها فقط؛ لأن ربنا تبارك وتعالى أجل وأكرم وأرحم من أن يؤمِّنهم ثم يروعهم ويعذبهم، ولأنه قد ورد في بعض النصوص أنهم سيدخلون الجنة: كالعبد الذي كان يُنظر الناس الدائنين له، فكان يعذرهم ويؤجلهم، ويضع عنهم، أو يمحو، فغفر الله له، والنصوص التي وردت في فضل العدل وكون الإمام العادل قريبا من الرحمن تعالى، وفضل العفاف وكرامات الله تعالى لأهله، والارتباط بالمسجد ولزومه والأنس به، ونفقة السر التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى، والحب في الله، والبكاء من خشيته تعالى، وكلها تحرم النار على من فعل ذلك. ولا مجال لحصر هذه الناس وجمعها في هذا المقام.
* هل وجودهم في ظل العرش يقتضي تساويهم في الدرجة في النهاية؟
لا، لن يتساووا في الدرجات في الجنة قطعا، ولن يتساووا في النعيم، فلكلِّ مقامٌ معلوم، ومنزلة مناسبة، فثم مقامات لأولي العزم، وأخرى للصديقين، وللعلماء، وللشهداء، وللصالحين، وللناجين.. وهكذا، وهل يستوي أولو العزم من الرسل أو الأنبياء أو الصديقون بمن أكرمه الله تعالى؛ لأنه كان منفقا في السر؟
وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن في الجنة درجات، وأن فيها أسفل وأعلى ووسطا، وفيها فردوس، وفيها طوبى، وذكر أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرفات كما يتراءى الناس القمر ليلة البدر، ففي مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق، من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين).
وفي أبي داود والصحيحة عن أبي أمامة رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، لمن ترك المراء - وإن كان محقّا - وببيت في وسط الجنة، لمن ترك الكذب -وإن كان مازحا - وببيت في أعلى الجنة، لمن حسن خُلقه). وهكذا.
فلا مجال إذن للقول إن من يستظلون بظل العرش سيكونون في العقبى سواء!
* هل المستظلون بظل العرش سبعة فقط كما يشيع، أم هم أكثر من السبعة عددا؟
الظاهر والله أعلم، أن العدد (سبعة) الذي ورد في حديث الشيخين رحمهما الله تعالى هنا ليس نصّا في دلالته، وأن المستظلين بظل العرش أكثر من السبعة، كالذي يُنظر الناس، والشهداء، وقبلهم المرسلون والنبيون، وغيرهم، فقصر العدد على السبعة تحكم، ورحمة الله تبارك وتعالى أرحب وأرحم وأرجى، وقد رفع الإمامان ابن حجر العسقلاني والسيوطي العدد إلى سبعين طائفة تستظل بظل عرش الرحمن؛ ورفعهما الحافظ السخاوي لأكثر من أربعة وتسعين صنفا؛ وإن كانت النصوص فيها ضعيفة في مجموعها، كما سيأتي.
* هل كلهم ذكور كما في النصوص، أم أن للنساء نصيبا في ظل العرش؟
لوحظ أن النصوص تبدأ دائما، بلفظ رجل: (رجل قلبه معلق بالمساجد/ رجل ذكر الله خاليا/ رجل دعته امرأة... إلخ) وقد وردت النصوص هكذا من باب التغليب، لا من باب الحصر كما مر، فإن الأصل في الأحكام الشرعية، وجزاءها أنها للرجال والنساء على السواء: (فاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم - مِّن ذَكَرٍ أو أُنثَى - بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) آل عمران:195.
قال في التحرير والتنوير: خيف أن يتوهم أن النساء لا حظّ لهن في تحقيق الوعد الذي وعد الله على ألسنة رسله، فدفع هذا بأن للنساء حظهن في ذلك؛ فهن في الإيمان والهجرة يساوين الرجال، وهن لهن حظهن في ثواب الجهاد، لأنهن يقمن على المرضى، ويداوين الكلمى، ويسقين الجيش، وذلك عمل عظيم به استبقاء نفوس المسلمين، فهو لا يقصر عن القتال الذي به إتلاف نفوس عدو المؤمنين.
وقال الإمام القرطبي: بعضكم من بعض؛ في الثواب، والأحكام، والنصرة، وشبه ذلك وقال الضحاك: رجالكم شكل نسائكم في الطاعة، ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة، نظيرها قوله عز وجل: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض).
وبهذا يتضح أن الرجل والمرأة في الظل سواء، ما دام أيهما عمل عملاً يؤهله لنيل هذا الفضل العظيم؛ اللهم لا تحرمنا فضلك يا كريم.
* ما القواسم المشتركة التي جمعت بين هؤلاء النفر المستظلين بظل العرش؟
إن ثمة جملة من القواسم الجامعة لأمر هؤلاء الميامين، الذين يكرمهم الله تعالى بهذا الإكرام منها:
خوف مقام الله تبارك وتعالى/ ونهي النفس عن الهوى/ وعلو أمر الدين في نفوسهم/ وتعظيمهم شعائر الله تعالى وحرماته/ وتطويعهم ذواتهم للأمر الشرعي/ ورغبتهم فيما عنده عز وجل.. وكفى بهذه القواسم توفيقا وتسديدا:
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في طريق الهجرتين:
إنك إذا تأملت السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله (بل كل من صحت فيهم النصوص من غير السبعة أيضا) وجدتهم إنما نالوا ذلك الظل بمخالفة الهوى.
- فإن الإمام المسلط القادر لا يتمكن من العدل إلا بمخالفة هواه.
- والشاب المؤثر لعبادة الله على داعي شبابه لولا مخالفة هواه لم يقدر على ذلك.
- والرجل الذي قلبه معلق بالمساجد إنما حمله على ذلك مخالفة الهوى الداعي له إلى أماكن اللذات.
- والمتصدق المخفي لصدقته عن شماله لولا قهره لهواه لم يقدر على ذلك.
- والذي دعته المرأة الجميلة الشريفة فخاف الله عز وجل، وخالف هواه.
- والذي ذكر الله عز وجل خاليا ففاضت عيناه من خشيته إنما أوصله إلى ذلك مخالفة هواه.
فلم يكن لحر الموقف وعرقه وشدته سبيل عليهم يوم القيامة! اللهم أكرمنا بكراماتهم يا كريم يا منان.