نِعَمُ الله أكثر من أن تُعدّ وتُحصى ولكنَّ الإنسان لا يقوم بشكرها
باب الريان
14 أغسطس 2011 , 12:00ص
الإنسان ظلوم كفَّار:
{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}
يظلم نفسه، ويظلم النعمة التي أُوتيها، ويضعُ النعمة في غير موضعها، لا يستعملها فيما يُحبُّه الله سبحانه، بل يستعملها فيما يُغْضِبُ الله، وفيما يؤذي الناس، هذا هو الظلم، ظلمُ الإنسان لنفسه، الإنسانُ ظلومٌ وكفَّار، يكفر بنعمة الله، لا يقابل النِّعمة بالشكران ولكن يقابلها بالكفران وللأسف الشديد.
طبيعة الإنسان:
{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} هل هذا الإنسان هو الكافر؟ أو الإنسان من حيث هو إنسان؟
بعض المفسِّرين يقول: هذا الإنسان غير المؤمن، ولكن الواضح أنه الإنسان بطبيعته، لأن (أل) هنا للجنس، الإنسان من حيث هو إنسان، إذا تُرك لطبيعته البشَّرية ظلم وكفر بالنعمة، {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات:6]. {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب:72]. {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف:54].
هذه هي طبيعة الإنسان، فالذي يسمو بالإنسان ويرقى بالإنسان ويُزكِّي نفس الإنسان هو الإيمان، فالإنسان بالتزكية يرتقي: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:7-9]. هذه هي النِّعم التي أنعم الله بها على الإنسان.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا أهلاً لشكرها، وأن يجعلنا من الذين يشكرون نعمه فيستحقون المزيد منها، ويستحقُّون حفظ هذه النعمة.
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}
سمعنا هذه الآيات الكريمة من سورة إبراهيم، وهي التي تتحدث عن توجُه إبراهيم بهذه الدعوات الطيبات المباركات المخلصات، فسورة إبراهيم يدور محورها من أول السورة حول النعم وموقف الناس منها بين الشكران والكفران، خاصة نعمة النبوة والرسالة وموقف الناس من النبوة والرسالة.
وقد ذكرنا في الدرس السابق عن تعجب القرآن من الذين بدَّلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار.
وعمَّا ذكره الله سبحانه من مظاهر نعمة في كونه من خلق السماوات والأرض، وإخراج الثمرات رزقاً للناس، وإنزال الماء من السماء، وتسخير الليل والنهار إلى أن قال سبحانه: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ}.
إبراهيم النموذج الشاكر لله تعالى:
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَام}
ثم ذكر بعد هذا الشوط شوطاً آخرَ من الآيات الكريمة عن إبراهيم خليل الرحمن أبي الأنبياء وأبي المسلمين عليه السلام، باعتباره يمثِّل النموذج الشاكر لله تعالى من بني الإنسان:{ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان:3].
إبراهيم – عليه السلام - يمثِّل العبد الشاكر، كما قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل:120،121].
شاكراً لأنْعم الله عزَّ وجل، فمن صفات إبراهيم التي يَتَحلَّى بها والتي يَتَميَّز بها: الشكر للهِ عزَّ وجل، يشكر نِعَمَ الله، ويعرف نِعَمَ الله، حتى في البلايا التي تنزل به يرى فيها نِعَم الله عزَّ وجل عليه.
إبراهيم هذا الشَّكار الذكَّار لله عزَّ وجل تُحدِّثنا عنه هذه الآيات الكريمة التي من أجلها سُمِّيت هذه السُّورة باسمه.
دعاء إبراهيم عليه السلام:
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَام}
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ}: هذا تعبيرٌ منتشرٌ وشائعٌ في القرآن الكريم: (إذ) يعني اذكر إذ قال إبراهيم، اذكر يا محمد قصَّة هذا النبي العظيم، فأحياناً كلمة (اذكر) تذكر في القرآن مثل قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً } [مريم:16]. {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ} [مريم:41] وأحياناً تذكر(إذ) بمعنى اذكر.
{وَإِذْ قَالَ}: أي واذكر حين قال، اذكر لقومك ما قاله إبراهيم عليه السلام، ففيه عظةٌ وعبرةٌ.
عناية القرآن بأدعية الأنبياء:
والقرآن يحتفي بما قاله الأنبياء، بأدعية الأنبياء لله عزَّ وجل، فأدعيةُ الأنبياء تُمثِّل ضَرَاعات وابتهالات إلى الله عزَّ وجل من قلوب مُخْلِصَة وألسنةٍ صادقة، وبعبارات قويَّة مُؤَثِّرة.
هنالك مَنْ دَعَا الله حين أصابه الضُّر مثل أيوب عليه السلام: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء:83].
ومنهم من دعا في بطن الحوت في الظلمات – ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت – مثل يونس عليه السلام: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء:87].
المطلب الأول: الأمن للبلد الحرام:
وهنا إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام دَعَا بسبع دعوات: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِناً} الدعوة الأولى: اجعل هذا البلد: إشارة إلى مكَّة – شرَّفها الله – آمناً.
وفي سورة البقرة: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً} هنا – في سورة إبراهيم- قال {الْبَلَدَ} بصيغة التعريف، فالبلد قائم ومعروف: {اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِناً}، هناك – في سورة البقرة – { بَلَداً} [البقرة: 126] لأنه لم يقم بعد، فاجعل هذا المكان بلداً آمناً، فيطلب له البلدية والأمن. هنا – سورة إبراهيم – البلديَّة موجودة يطلب له الأمن، لأنَّ الأمن من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان.
الأمن من أعظم نِعَم الله على الإنسان:
سُئِلَ أحدُ الحكماء: ما السعادة؟ قال: السعادة هي الأمن، فإني رأيت الخائف لا سعادة له.
قد يكون الإنسان معه المال والولد والقصور والخَدَم والحَشَم، ولكنه يعيش في رُعْب، هذا ليس سعيدًا، الآمن هو السعيد، ولذلك امتنَّ الله على قريش، فقال: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْف} [قريش:3، 4]. أطعمهم حامياً لهم من جوع، وآمنهم حامياً لهم من خوف.
الجنَّة دار أمان، ولذلك يقول: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ} [الحجر:46]. {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس:62].
ولما جاء يعقوب وأولاده إلى مصر، آوي نبيُّ الله يوسف أبويه، وقال لهم: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ} [يوسف:99].
الأمن هنا شيءٌ مهم جداً، ولذلك سأل إبراهيم ربَّه الأمن للبلد الحرام: {اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آَمِناً} وقد جعل الله مكة بلداً آمنا، يأمن فيه الإنسان، ويأمن فيه الوحش، ويأمن فيه الطير أن يُصاد، حتى الحشائش والخضروات والأشجار لا تُمس في هذا البلد الحرام، من لقي في هذا الحرم قاتل أبيه لا يمسّه، كان العرب في الجاهلية يقاتل بعضهم بعضاً فإذا تلاقْوا في المسجد الحرام أَمِنَ بعضُهم بعضاً، فهو كما قال الله تعالى: {فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً} [آل عمران: 97].
سألَ إبراهيمُ ربَّه لهذا البلد: الأمن لأنَّ الأمنَ من أهداف الحياة الطيِّبة، ولا يُمكن للناس أن تستقيمَ لهم الحياة إلا بالأمن.
هنا تقوم وزارات للأمن وإدارات للأمن لمنع عدوان الناس بعضهم على بعض، حتى لا يحدث الخوف.
الحدود الشرعيَّة توفِّر الأمن للناس:
الشَّرع جعل في السرقة الحد – قطع اليد –: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]. ولم يجعل في الغصب حدّاً كالسرقة؛ يعني لو أن شخصاً نهب شخصاً وأخذ ماله، هذا ليس فيه حدّ؛ لماذا؟ لأنَّ السارق يهدِّد الأمن، يسرق الناس وهم في نومهم، وهم في بيوتهم، فيُصبح الناس خائفين في البيوت أن يدخل عليهم أحد، أما النَّهب والسلب فهو علنيّ لا يُخيف، فالأمنُ شيءٌ مهمٌّ جدًّا، ولأجل ذلك شُرِعَت الحدود، مثل حد السرقة وحد الحرابة – حد قطع الطريق – وما فيه العقوبات شديدة لتوفير الأمن للناس.
المطلب الثاني: حمايته وأبنائه من عبادة الأصنام:
{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}
هذا هو المطلب الثاني لإبراهيم، طلب مطلباً للبلد (الأمن)، وطلب لنفسه التوحيد - أن يرزقه الله التوحيد - ويحميه من عبادة الأصنام هو وبنيه، طلب لنفسه ولبنيه {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ }. إبراهيمُ نَبيٌّ ويخاف على نفسه عبادة الأصنام؟! لكن هذا الدعاء تَضُرُّع لله عزَّ وجل، فيه هَضْم النفس، فيه شعور بالافتقار إلى الله عز وجل، ولذلك سمَّى النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «الدعاء هو العبادة». وهذا حديث صحيح، وهناك حديث ضعيف «الدعاء مخ العبادة»؛ لأنَّ حقيقة العبادة – روح العبادة – ليست هي الطقوس والحَرَكات روح، العبادة: الشعور بالافتقار إلى الله، والتَّوجُّه إليه بقلب خالص، شاعر بأنه لا يستغني عن الله، هذا هو الأساس، وهذا يتمَّثل في الدعاء، ولذلك يقول: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } أبعدني عن هذا الخطر.
خطر الشِّرك على البشريَّة:
لأنَّ أخطر شيء على البشرية الشِّرك بالله عزَّ وجل، لم يكن الإلحاد – الجحود بالله عزَّ وجل – والكفران بالله وبوجود الله لم يكن مشكلة البشريَّة في تاريخها، لأنَّ الملاحدة طوال التاريخ قلَّة لا وزن لهم، عددٌ قليل الذين ينكرون وجودَ الله، إنما الذي مثل الخطر في تاريخ البشريَّة هو: الشِّرك.
وُجِدَت في التاريخ مدن - كما قال المؤرِّخون - بلا حصون، ووُجدت مدن بلا مدارس، ووجدت مدن بلا قصور، ولكن لم توجد في التاريخ أبداً مدنٌ بلا معابد، كل المدن في الشرق وفي الغرب، في الشمال وفي الجنوب، وجدت فيها المعابد، ولكن المهم: من يُعبد في هذه المَعَابد؟
كثيراً ما عبد غيرُ الله، عُبِدت الشمس والقمر، وعُبدت الكواكب والنجوم، وعُبدت العجول والأبقار، وعُبدت الجنُّ والبشر، وعُبِدت الوثن والحجر، عبد الناس أشياء كثيرة من دون الله عزَّ وجل، اتَّخذوها آلهةً من دون الله، أو آلهةً مع الله عزَّ وجل.
إرسال الرسل لمحاربة الشِّرك
حين بَعَث اللهُ الرسلَ، بعثهم لمحاربة الشِّرك لا لمحاربة الإلحاد، لم يُبعث الأنبياء ليقيموا الدليل على وجود الله، لأنَّ هذه فطرة؛ إنَّما بُعثوا ليقيموا الدليل على توحيد الله ويُقاوموا الشِّرك بالله عزَّ وجل، ولذلك وجدنا النِّداء الأوَّل في كل رسالة: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} فكلُّ نبيٍّ دعا قومَه أن يعبدوا الله، ولا يعبدوا أحداً غير الله عزَّ وجل، ولذلك حرص إبراهيم أن يدعو ربه أن يُجَنِّبه وأن يُجنِّب بنيه – سواء كان بنيه من صُلبه أو من غير صُلبه – أن يعبدوا الأصنام، هذا ما توجَّه به إبراهيم إلى ربه.
كثرة الأصنام المعبودة من دون الله:
وبعض المفسِّرين يقول: الأصنام هنا أيضاً ليس المراد منها الحجارة المعبودة من دون الله، هناك أصنام أخرى لعلَّ إبراهيم حينما قال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}، أراد أن يُجنِّبه الله إيَّاها مثل: عبادة الدينار، وعبادة الدرهم وعبادة هذه الأشياء كما جاء في الحديث: «تعس عبدالدينار، تعس عبدالدرهم، تعس بعد القطيفة، تعس وانتكس وإذا شيكَ فلا انتقش» أي: إذا أصابته شوكة فلا أُخرجت منه بالمنقاش، فهذه أصنام يعبدها الناس، لذلك قال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}.
فالأنبياء عليهم السلام يطلبون أن يجنبهم عبادة الأصنام، لذلك استعاذ النبيُّ عليه الصلاة والسلام من الشرك: «اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه»، أعوذ بك من الشَّك والشِّرك والنفاق وسوء الأخلاق.
الموقف من الأصنام:
{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
المطلب الثالث: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ} إنهنَّ: هذا الضمير راجع إلى الأصنام، فهذه الأصنام أضلت كثيراً من الناس.
الأصنام سبب في إضلال الناس:
وهل هذه الأصنام وهي جمادات يمكن أن تُضل؟! والجواب: أنها كانت سبباً في إضلال الناس.
حينما تقول: الدنيا أغوتهم وغرَّتهم، كيف الدنيا تغر وتضحك على الناس؟ المقصود أنها كانت سبباً في ذلك، فنُسب إليها ما يُنسب إلى العقلاء.
ضلال البشريَّة بعبادة الأوثان:
{ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ} كما رأينا هذه الأصنام أضلَّت العرب فعبدوها مع الله، أو عبدوها من دون الله وقالوا: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس:18]، {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس:18]، {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [الزمر:3].
{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}. انظر {أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ} للأسف الملايين بل البلايين من البشر ضلوا بعبادة الأوثان، الوثنيَّات الكبرى إلى الآن في العالم أضلَّت العالم، هناك بلاد بالملايين تعبد الأوثان: البوذيَّة والهندوسيَّة، وأديان في آسيا – في اليابان وغيرها – وفي إفريقيا، وثنيَّات كبرى أضلَّت مليارات من البشر، فلا عَجَبَ أن يقول إبراهيم عليه السلام: {إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ} لا تقول: هذا كان في زمن الجاهليَّات، وقبل أن يتقدَّم الإنسان، وقبل أن يملك العلم والتكنولوجيا، وقبل الثورات العلميَّة، والثورة الجيولوجية، والثورة التكنولوجية، والثورة المعلوماتية، والثورة الفضائية... إلخ، إلى الآن، وقد وَصَل الإنسانُ إلى ما وصل إليه، ما زالت الوثنيَّات موجودة، هكذا نرى الناس إلى الآن، نراهم يُقدِّسون الأحجار، نراهم يقدِّسون الأبقار، هكذا وجدنا البشر، فلا عَجَب أن يقول إبراهيم: { إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ}.
أتباع إبراهيم:
{فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
من تَبعني، وقَبِلَ رسالتي، وصدَّق بنبوَّتي، وعمل بما جئت به من عند الله فإنه مني، واحدٌ من أمتي يُنسب إلى كأنه منّي، هو منّي وأنا منه، كما قال الله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:68].
المراد بالمعصية:
{وَمَنْ عَصَانِي} هل هو مَنْ عبدالأصنام؟ أم من عصاني بارتكاب الكبائر؟ أم من عصاني بمعصية الله عزَّ وجل من غير شرك؟!
النَّصُّ عام ومُجْمَل ليس فيه تفصيل، هو قال: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أنت أهلٌ لأن تَغْفر وأن تَرْحَم.
هل يغفر الشِّرك؟ الله تعالى قال في كتابه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء:48].
إشفاق إبراهيم على عباد الله:
ولا يقال: إنَّ هذا كان في ديننا وليس في دين إبراهيم، ولكنَّ الواقع أنَّ هذا من إبراهيم هو نوعٌ من القلب الحنون – القلب المشفق على عباد الله –قال: يا رب أنا أترك الأمر لمغفرتك ورحمتك، تتوبُ عليه، تهديه بعد ذلك، تُطيل عمره حتى تتيح له فرصة للهداية، أنت صاحبُ المغفرة والرحمة.
وهذا يشبه ما قاله سيدنا عيسى عليه السلام حينما قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [المائدة: 118].
أنا لا أتدخَّل في شأن بينك وبين خلقك وبين عبادك، {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} تتصرَّف فيهم، صاحب الملك يتصرَّف في ملكه كيف يشاء، {وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} هنا لم يقل: (إنك أنت الغفور الرحيم) لأنك إذا غَفَرت أو رحمت فلا تفعل ذلك عن ضَعْف، ولكن تفعل ذلك عن عزَّة وعن قوَّة، وتفعل ذلك عن حكمة لا عن سَفَه، حكمة تضعُ الشيءَ في موضعه {فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
المطلب الرابع:
قال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}.
جَمْعُ إبراهيم في دعائه بين صيغتي (رب) و(ربنا):
القرآن دائماً يأتي بصيغة الدعاء إما برب {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا}، {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إلى مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، أو ربنا، ومعظم أدعية القرآن: (ربنا)؛ لأنه يدعو بصيغة الجماعة.
الإنسانُ حينما يدعو بصيغة الجماعة، يحشر نفسه في زُمْرة الداعين، وفي زمرة المؤمنين، لو أنَّ عنده مانعاً من إجابةِ الدعاء إذا أدخل نفسه في المؤمنين فلعل الله يستجيب له ببركتهم، ولذلك شَاعَ في القرآن صيغة: (ربنا).
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201]. {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:286]. {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف: 10]... إلى آخر ما في القرآن من صيغ الدعاء (ربنا)، لأنَّ كلمة الرب تعني: السيادة، وتعني الملك، وتعني الرعاية والتَّرقية في مدارج الكمال، كأنه يقول: يا سيدنا، يا مالكنا، يا راعيَنا، يا مربِّينا يا مرقينا في مدارج الكمال.
كلمة ربنا تعني: أنك لست غريباً عنَّا، أنت الذي تشملنا بعنايتك ورعايتك، وتغمرنا بإحسانك من قروننا إلى أقدامنا.
فسيدنا إبراهيم عليه السلام على هذه السنَّة بدأ بقوله: (ربِّ)، ثم قال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} يعني: أسكنتُ بعض ذُرِّيَّتي مثل: إسماعيل وأمه، كما جاءت الروايات: أنَّ الذرِّيَّة التي أسكنها عند بيته المُحرَّم كانت تتمثَّل في إسماعيل ابنه البكر وأمه هاجر المصريَّة التي وَهَبها مَلِكُ مصر له، أو لزوجته سارة، وشاء الله أن لا تُنجب سارة وأن تنجب الأَمةُ – الجارية - وأنجبت إسماعيل بعد مدة من الزمن، اتَّقد قلب سارة حرارة واشتدّت غِيرتها. قالت: لا أريد أن يبقى هؤلاء معي، أبعدهم عني، فأخذهما إبراهيم عليه السلام، ورَحَل بهما إلى مكة، عند بيت الله الحرام، وقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}.
الوادي لا زرع فيه، ليس فيه شجرة، وطبعاً الذي يذهب مكة الآن يجد فيها الملايين من الأشجار، إنما قبل ذلك لم يكن فيها شَجَرة، لأنه واد من الجبال – أحجار – ليس فيها مَجَال للزرع.
{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} أسكنتهم بجوار هذا البيت المُحرّم والمُعظَّم، البيتُ العظيم الحرمة، الذي جعله الله مهيباً يهابه حتى الجبَّارون.
{عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ}، أسكنتهم ليكونوا بجوار هذا البيت ليقيموا الصَّلاة، ليقوموا بعبادتك، وأعظم عبادة يتقرَّب بها عبادُك إليك هي إقامة الصَّلاة التي هي عبادةٌ في كلِّ دين، شعيرةٌ في كلِّ ملَّة من الملل، فها هي نراها في كلام إبراهيم عليه السلام، ونراها أيضاً في شريعة موسى عليه السلام: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 87]، والمسيح عليه السلام حينما نطق في المهد صبياً: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} [مريم:31].، ولقمان يُوصي ابنه:{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ} [لقمان:17] فالصلاة موجودة في كلِّ الأديان، واللهُ تعالى يقول عن أهل الكتاب: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} [البينة: 5]، فالصلاة شعيرةٌ في كلِّ د