وفد قطري يشارك في الدروس الحسنية بالمغرب

alarab
باب الريان 14 أغسطس 2011 , 12:00ص
الرباط - محمد لشيب
مثّل كل من فضيلة الشيخ الداعية عبدالله النعمة إمام وخطيب جمعة بمسجد الزمان بمنطقة السلطة الجديدة وفضيلة الشيخ الداعية أحمد البوعينين إمام وخطيب مسجد صهيب الرومي بالوكرة، دولة قطر في الدروس الحسنية الرمضانية التي تلقى بحضرة العاهل المغربي الملك محمد السادس خلال شهر رمضان الفضيل، وذلك ضمن وفد رسمي من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وحضرا يوم الأربعاء التاسع من رمضان المبارك بقصر الرياض بالمشور السعيد بالرباط إلى جانب عدد كبير من العلماء الدرس الثالث من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية، الذي ألقاه الأستاذ حسن الشافعي من علماء الأزهر الشريف، وتناول بالدرس والتحليل موضوع «القواعد الشرعية الاعتقادية» انطلاقا من قول الله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}. مشاركة قطرية وأكد كل من الشيخ أحمد البوعينين والشيخ عبدالله النعمة في تصريحات خاصة لجريدة «العرب» التي التقت بهما بالعاصمة المغربية الرباط على هامش مشاركتهما في الدروس الحسنية، سعادتهما بشرف تمثيل دولة قطر في هذا الحدث العلمي البارز الذي يستقطب ثلة من العلماء والدعاة من مختلف دول العالم العربي والإسلامي. وقال عبدالله النعمة إن الزيارة التي دامت أربعة أيام تكللت بتسجيل عدد من البرامج الدينية بقناة السادسة المغربية، أحدها حول وصايا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والثاني حول مقومات بناء الأسرة السعيدة، كما شاركا في تنشيط ندوة دينية مع الأستاذ حسن الشافعي الذي قدم الدرس الثالث من سلسلة الدروس الحسنية. وأكد الداعية أحمد البوعينين على أهمية هذه الدروس والمحاضرات، سواء من الناحية العلمية والأكاديمية، ومن ناحية كونها تزيد من التقارب بين العلماء والدعاة، والتواصل والتعارف بين الشعوب والدول العربية والإسلامية، معربا عن أمله في أن تعمل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المناسبات القادمة على تمكين أكبر عدد ممكن من الدعاة والعلماء والخطباء القطريين من الاستفادة المثلى من هذه الدروس القيمة. ونوه البوعينين بانفتاح الوزارة على العلماء والخطباء والقراء المغاربة، مشيرا إلى أن قطر كانت سباقة في استقبالهم خلال شهر رمضان المبارك، وإن كان التركيز خلال شهر رمضان يكون بالأساس على عدد من العلماء والقراء من جمهورية مصر العربية والجمهورية اليمنية والمملكة العربية السعودية بسبب القراءة القرآنية المعتمدة في قطر، حيث تبدو القراءة على طريقة ورش المعتمدة بالمغرب غير مألوفة لدى القطريين. لكنه مع ذلك دعا وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى بذل المزيد من الجهود لربط مشرق العالم الإسلامي بمغربه. واعتبر النعمة أن الدروس الحسنية تشكل فرصة سانحة لتحقيق هذا الهدف من خلال لقاءات العلماء، فهي دروس سنوية تمثل مجالا لاجتماع العديد منهم من مختلف دول العالم مع بعض لجسر الفجوة الموجودة بين المغاربة والمشارقة. وقد تميزت زيارة الوفد القطري للمملكة المغربية بالمشاركة في الاستقبال الرسمي الذي خص به ملك المغرب العلماء والدعاة المشاركين في دروس هذه السنة، كما كانت لفضيلة الشيخ أحمد البوعينين الفرصة لإلقاء درس ديني بمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء قبل صلاة العشاء ليوم السبت المنصرم. حفل إفطار ونظم سعادة السفير صقر بن مبارك المنصوري ممثل دولة قطر بالمغرب حفل إفطار على شرف الوفد القطري، حضره عدد من الطلبة القطريين الذين يتابعون دراساتهم بالمغرب، حيث كانت مناسبة للالتقاء بهم والاطمئنان عليهم وتناول وجبة الإفطار في أجواء قطرية جميلة. وعن انطباعاتهما بخصوص هذه الزيارة التي تعد الأولى للشيخ عبدالله النعمة والثانية للشيخ أحمد البوعينين، أكد النعمة أنه سمع الكثير عن المغرب، لكنه خلال زيارته هذه خرج بانطباع عام مفاده أن هذا البلد الطيب أفضل بكثير مما كان لديه من معلومات حوله، وأضاف: «سبحان الله! أينما تجولنا بشوارع العاصمة الرباط نجد الروحانيات الرمضانية منتشرة بين الشباب والأطفال وكبار السن، وما شاء الله المساجد في كل الصلوات خاصة صلاة التراويح ممتلئة عن آخرها، كما أنها تحفل بأصوات ندية تقرأ القرآن وتستقطب جمهورا كبيرا، والحمد لله فإن هذه الأجواء الرمضانية الروحانية متواجدة بين كافة الدول الإسلامية، وهي راسخة وقوية في المغرب». وبدوره قال أحمد البوعينين: «الشيء العجيب الذي أثار انتباهي، أن من لم يأت قبل العشاء بوقت طويل للمسجد لن يتمكن من إيجاد مكان له، كما أن المصلين تضيق بهم المساجد والطرقات والساحات المجاورة للمسجد، كما أنهم يستمرون في أداء صلاة التراويح رغم طول فترة قراءة للقرآن، ومع ذلك فإن الناس لديها صبر وتحمل يعينهم على إكمال كافة الركعات الثمان بعد العشاء، ومثلها قبل آذان الفجر مع صلاتي الشفع والوتر، فما أحوجنا في شهر رمضان لمثل هذه المحطات لإشباع الروحانيات التي تعيننا على قضاء بقية شهور السنة المتبقية». أما بخصوص الدروس الحسنية فقد أكد البوعينين إعجابه بحضور الملك شخصيا ومواظبته على هذه الدروس التي تستمر طوال شهر رمضان، ويحضرها كل قيادات الدولة من الحكومة والوزراء وقادة الجيش والمؤسسات الكبرى والسفراء والعلماء من الخارج ومن الداخل. كما نوه بالبرامج الهامة التي تقدمها قناة السادسة المغربية المتخصصة في الأمور الدينية، وقال إن تسجيلهم لعدد من البرامج لفائدتها في وقت وجيز شكل بالنسبة له وللشيخ عبدالله النعمة تحديا للعمل على توصيل الرسالة المراد تبليغها لجمهور هذه القناة. وأشاد البوعينين بطبيعة الشعب المغربي المضياف فقال: «ما أحسسنا للحظة بأننا غرباء عن البلد، بل كانت معاملة الناس لنا كالأهل في البلد الواحد»، وأضاف أن اهتمام المغاربة بالمساجد التراثية الكبرى من حيث بنائها وزخرفتها ونظافتها والعناية بها أمر واضح، لا يقتصر على المساجد فحسب، بل يمتد إلى البيوت المغربية التي ما زالت محافظة على رونقها وجمالها وأصالتها. وسجل عبدالله النعمة بأن من أجمل ما استرعى انتباهه في هذه الزيارة السريعة للمغرب هو الجو الربيعي الذي كان يخيم على مدينة الرباط خلال هذه الأيام من فصل الصيف، كما عبر عن سعادته بزيارة المناطق الأثرية القديمة كالأوداية وصومعة حسان والأسواق الشعبية التي ذكرتهم بالتراث، علاوة على إعجابه ببساطة الشعب المغربي وطيبة أهله وكرمهم، داعيا المواطنين القطريين لزيارة المغرب لاكتشاف هذه المميزات عن قرب، والعمل على تحقيق التقارب وتبادل الخبرات بين المشرق والمغرب. الدروس الحسنية يذكر أن الدروس الحسنية هي سلسلة من الدروس الرمضانية، كانت وما زالت تلقى بحضور ملك المغرب، ويستدعى لها العلماء من مختلف دول العالم، مما جعل منها جامعة إسلامية بامتياز، تعقد مرة في السنة برحاب القصر الملكي وبرئاسة فعلية من الملك، وفيها تقدير للعلم والعلماء حيث يجلس الملك على الأرض في حين يعلو العالم على منبر ليلقي درسه في حدود خمس وأربعين دقيقة أو ستين دقيقة، وإذا كان الدرس طويلا فإنه يلقى في مناسبتين. تم إحياء هذه السنة الحميدة من قبل العاهل الراحل الحسن الثاني في رمضان 1382هـ الموافق 1963م وما زالت مستمرة إلى يومنا هذا. وهي تبث منذ بدايتها مباشرة على أمواج الإذاعة والتلفزة، مما يمكن قطاعا عريضا من المغاربة وغيرهم من متابعة هذه الدروس الرمضانية مباشرة. كما قامت وزارة الأوقاف بطباعتها وترجمتها إلى الفرنسية والإنجليزية. ومن كبار العلماء الذين حضروا هذه الدروس نذكر أبوالأعلى المودودي ومتولي الشعراوي وجاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق، وعبدالفتاح أبوغدة، وموسى الصدر، ويوسف القرضاوي، وعبدالصبور شاهين، وطه جابر العلواني، وعصام البشير، ومحمد الحبيب بلخوجة، وعبدالله بن عبدالمحسن التركي، علاوة على ثلة من أعلام المغرب أمثال علال الفاسي والرحالي الفاروقي وعبدالله كنون والمكي الناصري والحسن بن الصديق والتهامي الراجي الهاشمي. قواعد شرعية وتطرق الدرس الذي حضره أعضاء الوفد القطري وقدمه الأستاذ حسن الشافعي من علماء الأزهر الشريف إلى موضوع «القواعد الشرعية الاعتقادية» انطلاقا من قول الله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}. وأشار المحاضر في تمهيد للنظر في هذه الآية الكريمة، إلى أن البحث الكلامي في علم أصول الدين والبحث المقاصدي في ميدان أصول الفقه، خلال العقود الأخيرة، اتجه إلى أنه من الخير لمنظومة الدراسات الشرعية استحداث علم أو فرع جديد للدراسات الاعتقادية في أصول الدين للنظر في القواعد الاعتقادية، أسوة بـ «القواعد الفقهية» و«القواعد الأصولية» اللتين نمتا وازدهرتا علمين مستقلين ضمن منظومة العلوم الفقهية منذ قرون عديدة. وأكد أن الثقافة الإسلامية في عصور حيويتها وازدهارها، كانت مختلف علومها تتبادل وتتقارض الأدوات المنهجية التي ثبتت صلاحيتها، وظهرت ثمارها في مجال ما، كي تستعمل أو ينتفع بها على نحو أو آخر في مجال غيره، وأن اختلاف المنطلقات العلمية عند بناة العلوم الإسلامية في القرون الأولى لم يكن اختلافا تخصصيا ومنهجيا فحسب، بل نتج عنه اختلاف في الأحكام والآراء وفي بعض القضايا المذهبية والسياسية. وبخصوص القواعد الاعتقادية في سورة النساء الكبرى، قال المحاضر إن هذه السورة تزخر بالشواهد الموضوعية الداخلية ذات الصبغة المدنية الواضحة، واحتوت على خمس عشرة قاعدة، آخرها قاعدة «رفع السبيل»، موضحا أن كلمة السبيل في القرآن الكريم وردت بمعنى الطريق، وجاءت بمعنى الحجة، وأيضا بمعنى السلطة، وأن آية رفع السبيل أثارت تساؤلات حول دلالتها منذ الصدر الأول. وأورد أقوال المفسرين في الآية، الذين يدور ما نقل من تأويلاتهم حول اعتبارين يتمثلان في أن المقصود بالوعد الإلهي من رفع السبيل -للكافرين على المؤمنين- في الدنيا أو في الآخرة، وفي: هل المقصود بكلمة «السبيل» نفسها الحجة والبرهان، أم الغلبة والسلطان? وعرض في هذا السياق ما جاء عن أبي منصور الماتريدي أن «السبيل» يحتمل وجهين: في الحجج في الدنيا، وفي الآخرة على دفع شهادتهم، وأيضا في الحجة أو في الشهادة أو عند الله في الخصومة، أو في النصرة والغلبة. أما الإمام الرازي فقال إن الجملة القرآنية {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}، فيه أقوال، الأول قول علي وابن عباس أن المراد به في القيامة، بدليل عطفه على قوله: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، والثاني أن المراد به في الدنيا، ولكنه مخصوص بالحجة، والمعنى أن حجة المسلمين غالبة على حجة الكل، وليس لأحد أن يغلبهم في الحجة والدليل. أما القول الثالث في تفسير الإمام الرازي -يضيف المحاضر- فينحصر في أنه عام في الكل إلا ما خصه الدليل، وهو يعني من حيث الوقت الدنيا والآخرة، ومن حيث معنى «السبيل» الحجة أو النصرة. وأورد المحاضر بعد ذلك تأويلات العلماء لقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}، كما أفاض في عرضها الإمام القرطبي، وتبرز أن الحكم الإلهي في الآخرة هو قطعا لصالح المؤمنين، وأن الله تعالى لا يجعل للكافرين سبيلا يمحون به دولة المؤمنين، ولا يجعل لهم سبيلا على المؤمنين إلا إذا لم يتواصوا بالحق، ولم يتناهوا عن المنكر، وتقاعسوا عن التوبة، فيغلب عليهم العجز والوهن. ومن هذه التأويلات أيضا أن الله تعالى لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا في أحكامه الشرعية، أما الأمور الواقعية أو الأحكام التكوينية فتجري نتائجها حسب السنن الكونية، ولن يجعل لهم سبيلا في الحجة العقلية فلا يتشبثون بشبهة إلا أبطلها الله وأدحضها بأحد أوليائه. وخلص الأستاذ حسن الشافعي إلى أن المفسرين من مختلف المذاهب والفرق يرون أن الآية تقرر غلبة الإسلام وظهوره على الدين كله في عالم الحجج والبرهان في الدنيا والآخرة، وتثبت للمسلمين الظهور بالشهادة على الأمم في الآخرة، وتثبت لهم الظهور والغلبة في مواقع المناجزة والقتال في الدنيا أيضا.