التوازن في بناء المساجد صفة أساسية حرص المعماري المصري عليها
باب الريان
14 يوليو 2013 , 12:00ص
تأليف: عصام تليمة
البحث الفائز بجائزة مركز عبدالله عبدالغني العالمية في الفكر الإسلامي
الطراز المصري
خطا فن البناء في مصر منذ قيام مسجد عمرو بالفسطاط خطوات بلغ من اتساعها أن اطلعت أشكالا يمكن أن يسمى كل منها: طرازاً قائماً بذاته، فإن الفرق بعيد بين جامع عمرو في وصفه الأول، وجامع عمرو نفسه كما وصفه لنا أبوعبدالله القضاعي في القرن الرابع الهجري بعد تجديده وإعادة بنائه عدة مرات، والبون شاسع بين جامع عمرو جملة، وجامع أحمد بن طولون، ثم بين هذا الأخير والمساجد الفاطمية، ونموذجها الكامل الباقي إلى اليوم المسجد الأقمر الذي بناه الحاكم بأمر الله، والمساجد المملوكية التي تطورت تطوراً بعيداً خلال القرون الثلاثة تقريباً التي عاشتها دولتا المماليك.
ولكن، على الرغم من اختلاف الأشكال اختلافاً بيناً نلاحظ أن هناك سلكاً رفيعاً ينتظم درر المعمار المصري ويجعل منها عقداً واحداً على طول الطريق، وأهم خصائص هذا السلك:
1- رصانة البناء ومتانة تأسيسه، وسواء أقام المسجد بالحجر المنجور أم بالآجر، فإننا نجد المعماري المصري قد بنى عن علم وثقة، فلست بواجد مثلا جدار يبلغ سمكه مترين أو ثلاثة، كما نجد في أبنية بعض البلاد الأخرى، لأن الإسراف في السمك -طلباً للمتانة- يدل على جهل بالصنعة برئ منه المعماري المصري في كل عصر ومكان، وإنما الشيء على قدره وبحسابه.
ومن دلائل المعرفة بأصول الصنعة: عدم استعمال المواد الهشة أو القابلة للتلف في المباني العامة، أو مباني الفخامة، مما يسمى بالمباني النصبية.
2- المحافظة على وحدة فنية في البناء، وهذا واضح من نظرة على مسجد ابن طولون، حيث نجد الهيئة العامة واحدة في كل جزء من أجزاء المبنى.
3- الحرص على توازن الهيئة العامة للمبنى، وهذا التوازن لا يفتعل في المساجد افتعالا بصورة شكلية، مثل بناء مئذنتين على جانبي المدخل، أو على ركنيه الأماميين، بل يتأتى من التوازن العام للمبنى كله، ومن أجمل مظاهر هذا التوازن في المساجد المملوكية: إنشاء القبة في طرف من المبنى، والمئذنة في طرفه الآخر، فتكون النتيجة: توازناً ترتاح إليه النفس، مع أن القبة مستديرة والمئذنة مستقيمة، ولكنهما تتوازنان في النظر والإحساس.
وهذا التوازن هو الصفة الأساسية التي حرص المعماري المصري على المحافظة عليها في كل عمل قام به، وإذا استثنينا الأزهر وجدنا أن كل مساجد مصر الأثرية تمتاز بهذا التوازن العام في المبنى، وهو توازن يدل على أن المعماري كان يضع تصميم مبناه كله مرة واحدة قبل أن يشرع في تنفيذه، ويصل هذا التوازن إلى ذروته في مساجد قايتباي، وبرقوق، والسلطان حسن، وتستطيع أن تستبين ذلك إذا تأملتها وأمعنت النظر في توازن هيئة مبناها.
وقد استثنينا الأزهر لأن كثرة الإضافات إليه أضاعت وحدته المعمارية، وقد رأينا فيما مضى كيف تنافس أمراء المماليك على الإضافة إلى هذا المسجد -التماساً للثواب، أو حباً في العلم- فتضخمت مساحة المسجد، ولكن وحدته الفنية ضاعت. وعنصر التوازن يتجلى في التفاصيل كما يتجلى في المجموع.
وأنت إذا نظرت إلى مئذنة مصرية تبينت ذلك للوهلة الأولى، فهذه المئذنة تعتبر أجمل وأرشق مآذن المساجد، فهي متوازنة في قطر دائرتها وارتفاعها، وعدد شرفات الأذان فيها، والشرفات نفسها موضوعة على مسافات محسوبة بحساب دقيق، ولا شك أن المئذنة المصرية -مثلها في ذلك مثل المسلة المصرية القديمة- تعتبر من أجمل وأرشق الأشكال المعمارية التي ابتكرها الإنسان، وكما غزت هيئة المسلة المصرية عالم المعمار في الدنيا كلها، فكذلك المئذنة المصرية انتقلت من مصر إلى بلاد إسلامية كثيرة، ووصلت إلى أقصى جنوب السودان، وإلى أميركا اللاتينية.
ومثل ذلك يقال عن القبة المصرية، فهي أيضاً آية في التوازن والانسجام لا يعيبها طول رقبة كما نجد في بعض القباب السلجوقية، ولا إسراف في انحناء العقود، حتى تبدو وكأنها بصلة كما نجد في المساجد الهندية، وهي لا تعرف الانفراج الذي تفقد معه القبة وقعها كعمل معماري، ورغم أن المصري لم يحاول زخرفة القبة بتغطيتها بالقاشاني الملون، أو بتلوينها، أو بتذهيبها، فإنه وصل بها إلى درجة من الجمال أصبحت معه من أجمل القباب وأكملها.
الطراز التركي السلجوقي
والطراز الرابع: هو الطراز التركي السلجوقي، وهو طراز يمتاز بعدة ميزات، وهي:
1- حسن استخدام الأحجار، فإن هذه النواحي كلها غنية بأنواع ممتازة من الأحجار، ما بين حجرية ورملية وجراتينية ورخام ومرمر وما إلى ذلك.
2- وجودة الآجر الذي استخدمه المعماري هناك لا تقل عن جودة الحجارة.
3 - وتتميز مباني هذا الطراز في الطريقة التي استخدم الجص بها، واستعمال الجص معروف في الفن الإسلامي منذ العصر الأموي، وكل الطرز الإسلامية عرفته واستخدمته على درجات متفاوتة من الإتقان، وقد تطور استعمال الجص على هذه الصورة في أشكال العمارة الإيرانية التي نشأت على أساس من الطراز السلجوقي.
4- وبرع أصحاب هذا الطراز في استخدام الفخار والخزف، وابتكروا منه نوعاً بالغ الجمال والرقة يسمى بخزف الفسيفساء، وواضح أن استعمال الخزف لتغطية الجدران أو أجزاء منها كان يقصد منه إدخال نوع جديد من التلوين على زينة المباني، فإن الجص لا يقبل الألوان إلا إلى حد معين ولكن ألوان الخزف تمتاز بالصفاء والعمق والثبات، ويقال: إن الخزف دخل العمارة في القرن الرابع عشر الميلادي، عندما فقد الجص طلاوته، واحتاج المعماريون إلى مادة جديدة.
ويعتبر استعمال الخزف على هذه الصورة من الخصائص التي تميزت بها العمارة الإسلامية على غيرها.
5- وكذلك استخدام المعماريين في العصر السلجوقي التصوير على الخشب، أو المعدن، والزجاج، والرخام، والمرمر، ورسموا أشكالا نباتية وحيوانية هي الغاية في الرواء، وإن كان استعمال ذلك في نطاق ضيق خاصة عمارة المساجد.
6- ومن ناحية الخصائص المعمارية نجد أن منشآت هذا الطراز تمتاز بالبوابات الضخمة ذات العقود العالية المدببة، وقد خلَّف لنا المعماريون بوابات حجرية مثقلة بالزخارف في مساجد سمرقند، وطشقند، وبخارى، وغزنة، وأذربيجان، والجزيرة، والأناضول. ولجؤوا أحياناً إلى تزيين الأبواب بإنشاء مآذن عالية على جانبي المدخل، أو على أركان جدار المدخل.
وجدران المساجد عالية كأنها الأسوار، تتوسطها الأبواب وتزينها -أحياناً- فتحات في شكل نوافذ ذات عقود، فإذا دخلت من الباب وجدت نفسك في صحن واسع شبيه بالفناء تحيط به البوائك ذوات العقود المدببة.
أما بيت الصلاة فهو -في الغالب- عميق يتكون من أروقة تتجه نحو جدار القبلة، وتقوم هذه الأروقة على دعامات من الحجر -قصيرة في الغالب- تحمل عقوداً ثقيلة مدببة.
وجدار القبة -في الغالب- مزين بالخزف أو القشاني، أما المحراب نفسه فيكون -في الغالب- قطعة زخرفية بديعة من الرخام، وقد يكون من الحجر أو الآجر المغطى بالخزف، وتزين الجدران في بعض الأحيان بأزر من الخزف المزين بآيات القرآن الكريم.
أما مآذن هذا الطراز فغالبها مستدير، ومنها ما هو مضلع ذو ستة أو ثمانية أضلاع، وأحياناً يتفنن المعماري في التضليع. ولا يكون للمئذنة في معظم الأحيان إلا شرفة أذان واحدة في نهايتها.
أما القباب فغالبها مرفوع على رقاب عالية، وهي ذات عقود مدببة، وكل المآذن والقباب قد تكون من الحجر المنقوش بالزخارف، أو من الآجر الزخرفي من ألوان متعددة، وقد تزين أو تغطى تماماً بالخزف، أو مربعات القشاني، أو فسيفساء الخزف.
وتوجد نماذج هذا الطراز البديع في خط يبدأ من طشقند وأوزغند في التركستان، وممتد إلى سمرقند وبخارى وشهري باز وترمذ فيما وراء النهر، وبلخ وكابل وغزنة وهرات في أفغانستان، وطوس ومشهد ونيسابور والدامغان وقزوين وهمذان ويزد وسلطانية والمراغة وتبريز في إيران ثم في أرز روم (أرض الروم)، وسيواس وملطية وتوقات ووان، وديار بكر وماردين وقونية وغيرها في تركيا.