شرط التسمية لذبائح أهل الكتاب
باب الريان
14 يوليو 2013 , 12:00ص
? د. علي محيي الدين القرة داغي
من المعلوم أن الله تعالى خصّ أهل الكتاب من اليهود والنصارى ببعض الأحكام التي لم تمنح لغير أهل الكتاب، مثل جواز الزواج من محصناتهم والأكل من ذبائحهم وصيدهم لقوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ).
ويجدر هنا أن نذكر بإيجاز ما قاله المفسرون، نبدأ بشيخهم الطبري: (وذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وهم الذين أوتوا التوراة والإنجيل، وأنزل عليهم، فدانوا بهما أوْ بأحدهما (حِلٌّ لَكُمُ)، يقول: حلال لكم أكله، دون ذبائح سائر أهل الشرك الذين لَا كتاب لهم من مشركي العرب وعبدة الأوثان والأصنام...).
قال الطبري: (ثُمَّ اختلف فِي من عَنى الله بقوله: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)، من أهل الكتاب، فقال بعضهم: عنى الله بذلك ذبيحة كل كتابي ممن أنزل عليه التوراة والإنجيل أوْ ممن دخل فِي ملتهم فدان دينهم، وحرم ما حرموا، وحلل ما حللوا، منهم ومن غيرهم من سائر أجناس الأمم)، ثم ذكر روايات عن ابن عباس، والعكرمة، والحسن، وسعيد بن المسيب، وقتادة، والشعبي، وابن شهاب الزهري، وعطاء، والحكم، وحماد يقولون بما سبق.
وهذا رأي الحنفية والمالكية.
وذكر آخرون إنما عني بـ(أُوتُوا الْكِتَابَ) في هذه الآية: الذين أنزل عليهم التوراة والإنجيل من بني إسرائيل وأبنائهم، فأما من كان دخيلاً فيهم من سائر الأمم فمن دان بدينهم وهم من غير بني إسرائيل فلم يعّن بهذه الآية، وليس هو ممن يحل أكل ذبائحه، لأنه ليس ممن أوتي الكتاب من قبل المسلمين، وهذا قول الشافعي والحنابلة، ومنهم من حرّم ذبائح نصارى العرب، وهذا مروي عن علي رضي الله عنه وإحدى الروايات عن ابن عباس.
وذكر ابن كثير إجماع العلماء على أن المراد بـ(وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) ذبائحهم.
ويرى جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة) حلّ ذبائح أهل الكتاب سواء اعتقدوا بإباحة المذبوح كالبقر والغنم، أم تحريمه كالحيوان الذي ليس مفتوح الأصابع كالإبل، والنعام والبط عند اليهود، وكالشحوم من كل دابة، وخالفهم المالكية على قول.
والراجح هو قول الجمهور للحديث الصحيح المتفق عليه عن عبدالله بن مغفل قال: كنا محاصرين قصر خيبر، فرمي إنسان بجراب فيه شحم فنزوت لآخذه، فالتفتّ فإذا النبي صلى الله عليه وسلم فاستحييت منه)، وفي رواية مسلم بلفظ: قال عبدالله بن مغفل: (أصبت جراباً من شحم يوم خيبر، فالتزمته، فقلت لا أعطي اليوم أحداً من هذا شيئاً، قال: فالتفتّ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسّماً)، فهذا الحديث حجة واضحة على أن ذبائح الكتابي حلال ما دام المذبوح حلالاً في شريعتنا.
حكم التسمية بالنسبة لذبائح أهل الكتاب
ذهب جمهور العلماء إلى أن الكتابي إذا ذبح الذبيحة وسمى غير الله تعالى عليها بأن قال: باسم المسيح فهذه الذبيحة لا يجوز أكلها من طرف المسلمين بالإجماع، أما إذا لم يسم عليها غير الله (أي سمى عليها اسم الله أو تركه) ولكن قصد بها غير الله تعالى أي ذبحها للمسيح أي لأجل التقريب، فهذا محل خلاف كبير بين منع، وإجازة، وكراهة، جاء في الشرح الكبير: (وكره لنا ذبح، أي ما ذبحه النصراني لصليب، أو عيسى عليه السلام، أي لأجل التقريب بنفعهما... ولم يسم الله تعالى، لأن التسمية لا تشترط من كافر، فلذا لو قصد بالصليب، أو عيسى التعبد لمنع كالصنم، أو النفع للصنم لكره، ويعلم ذلك من قرائن الأحوال)، ولكن الشافعية صرحوا بأنه: (لا تحل ذبيحة مسلم، ولا غيره لغير الله، لأنه مما أهل به لغير الله، بل إن الإمام الشافعي نفسه نص على أن الذبح للنبي....) أو (تقرباً له لا تحل الذبيحة في هذه الحالة وبناء على ذلك فإن الذبيحة التي يتقرب بها الكتابي للمسيح، أو للكنيسة أو نحو ذلك إنما أهلّت لغير الله تعالى).
والتحقيق أن في هذه المسألة تفصيلاً يختلف فيه فيما لو كان الذابح مسلماً والأمر القاصد كتابياً، أو كان الذابح كتابياً:
الحالة الأولى: أن يأتي كتابي يريد أن يذبح شاة لغير الله تعالى، أو يسمي غير الله عليها، ولكن يسلمها إلى مسلم فيسمي الله وحده ثم يذبحها، فهذه الذبيحة حلال، ولا يختلف الحال حتى ولو كان الأمر مجوسياً أو وثنياً.
الحالة الثانية: أن يكون الذابح هو الكتابي فإذا ذكر غير الله تعالى على الذبيحة، فإنها محرمة بالإجماع، أما إذا كان ذكر اسم الله، أو لم يذكره مطلقاً، ولكن قصد بها التقرب إلى المسيح أو نحوه فهذا محل خلاف، والراجح هو التحريم حيث نص عليه كثير من الفقهاء منهم الشافعية –كما سبق–والحنابلة، حيث قال ابن قدامة: (فأما ما ذبحوه لكنائسهم فننظر فيه فإن ذبحه لهم مسلم فهو مباح نص عليه...، قال حنبل: سمعت أبا عبدالله قال: لا يؤكل يعني ما يذبح لأعيادهم وكنائسهم، لأنه أهل به لغير الله...) فأما (ما سوى ذلك فرويت عن أحمد الكراهة فيما ذبح لكنائسهم وأعيادهم مطلقاً، وروى عن أحمد إباحته)، وهذا مروي عن جماعة من فقهاء السلف منهم العرباض بن سارية وأبو أمامة الباهلي، وأبو الدرداء، ومكحول وغيرهم، ودليلهم عموم قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ)، حيث يعمم ما قصدوه التقرب لله أو لغيره ما دام من طعامهم.
وكذلك لا خلاف في جواز أكل ذبائحهم إذا ذكروا الله وحده عله، وإنما الخلاف فيما إذا لم يسم الكتابي على الذبيحة عمداً أو نسياناً.
فذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة في رواية إلى عدم اشتراط التسمية على الذبائح بالنسبة للكتابي، فالشافعية على مذهبهم في عدم اشتراط التسمية مطلقاً، والمالكية قالوا: (إن وجوب التسمية خاص بالمسلم) ولكنهم اشترطوا ألا يغيب الكتابي حال ذبحه عن المسلمين إن كان ممن يستحل الميتة، فحينئذ لا بد من حضور مسلم عارف بالذكاة الشرعية خوفاً من كونه قد قتلها، أو نخعها، أو سمى عليها غير الله تعالى.
وأما الحنفية فيشترطون التسمية حالة الذكر كما في المسلم، وقد شرح الكاساني مذهب الحنفية فقال: (إنما تؤكل ذبيحة الكتابي إذا لم يشهد ذبحه ولم يسمع منه شيء أو سمع وشهد منه تسمية الله تعالى وحده لأنه إذا لم يسمع منه شيئاً يحمل على أنه قد سمى الله تبارك وتعالى وجرد التسمية تحسينا للظن به كما بالمسلم ولو سمع منه ذكر اسم الله تعالى لكنه عنى بالله عز وجل المسيح عليه السلام قالوا: تؤكل لأنه أظهر تسمية هي تسمية المسلمين إلا إذا نص فقال باسم الله هو ثالث ثلاثة فلا تحل، وقد روى عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه سئل عن ذبائح أهل الكتاب وهم يقولون ما يقولون فقال رضي الله عنه: قد أحل الله ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون فأما إذا سمع منه أنه سمى المسيح عليه السلام وحده أو سمى الله سبحانه وتعالى وسمى المسيح لا تؤكل ذبيحته.... كذا روى سيدنا علي رضي الله عنه ولم يرو عن غيره خلافه فيكون إجماعاً، ولقوله عز وجل «وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ»، وهذا أهل لغير الله عز وجل به فلا يؤكل، ومنها التسمية حالة الذكر عندنا...) ثم قال: (وإذا ثبت أن التسمية حالة الذكر من شرائط الحل عندنا فبعد ذلك يقع الكلام في بيان ركن التسمية.. وبيان وقتها فذكر أن ركن التسمية هو ذكر اسم الله تعالى أي اسم كان من غير فصل بين اسم واسم، وكذا التهليل والتسبيح والتحميد، وسواء كان جاهلاً بالتسمية المعهود، وعالماً بها).
الترجيح
والذي يظهر لي رجحانه هو: قول الجمهور بعدم اشتراط التسمية على الذبيحة بالنسبة للذابح الكتابي، وإنما الشرط الأساس هو أن لا يذكر اسم غير الله عليها حتى لا تدخل في (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) وأن لا يقصد بها التقرب إلى غير الله تعالى.
وذلك لما ذكرناه في القسم الأول، ولأن قوله تعالى (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) عام لجميع الحالات ما عدا الحالات التي دل عليها دليل صريح مثل تسمية غير الله تعالى عليها، أو أن يكون المذبوح حراماً في شريعتنا.
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ?
ونائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث