د. الدويش يدعو لاستغلال رمضان في العبادة ونصرة المظلومين
محليات
14 يوليو 2012 , 12:00ص
الدوحة - عامر غرايبة
دعا فضيلة الدكتور محمد بن عبدالله الدويش الداعية السعودي جموع المسلمين إلى استغلال الطاقات والنعم التي حباهم الله في صالح المسلمين، وقال إن على صاحب القوة البدنية استخدام قوته في الخير وصاحب الجاه بجاهه وصاحب السلطان والمال كذلك في نصرة المظلوم وإحقاق الحق، وأن يبادر للعمل ولا ينتظر أن تطلب منه النصرة.
وقال الدويش ـ بخطبة الجمعة بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب أمس ـ إن المجتمعات الإسلامية أصبحت مفتوحة على كافة المجتمعات العالمية، ما يستدعي المزيد من الجهد في التربية والتعليم والاقتداء بالرسل والصحابة والصالحين.
أوضح الدكتور الدويش أن فرعون كان طاغية جباراً متكبراً في الأرض، بل إنه كان مضرب المثل في الطغيان والكفر والضلال، وكان يقتل أبناء بني إسرائيل ويسومهم الخسف ويمنعهم النصف، حتى وصل به الأمر إلى أن قال للناس: «أنا ربكم الأعلى».. و«ما علمت لكم من إله غيري»، وفي تلك البيئة ولد نبي الله موسى عليه السلام ونشأ وعاش في بيت فرعون الطاغية، وعاش موسى رضيعاً وطفلاً وشب وأصبح رجلاً قوياً بفضل الله، وبلغ أشده وآتاه الله حكماً وعلماً، قال تعالى: «نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ»، وعندما قام موسى عليه السلام بقتل رجل من آل فرعون علم أن القوم يأتمون به ليقتلوه، فهرب من مصر خائفاً يترقب.
تأملات في قصة موسى
وبين الدويش أن موسى -عليه السلام- خرج من مصر إلى سيناء مشياً على قدميه حتى وصل مدين، وهناك وجد الماء والناس يتصارعون لشرب الماء وسقاية أغنامهم.. كما لاحظ وجود امرأتين بعيداً عن الناس مع أغنامهن، ورغم أنه عليه السلام كان خائفاً ومتعباً مجهوداً وجائعاً، يقال إنه قطع على رجليه مسافة تزيد على 500 ميل، وعندما يكون الإنسان في هذه الحالة فإنه ينشغل بنفسه عن الآخرين فضلاً عن المبادرة لحل مشاكلهم، ولكن موسى عليه السلام بفطرته السليمة وحكمته وعلمه الذي علمه الله، بادر فوراً وذهب إلى الفتاتين وسألهما عن ابتعادهما عن الناس، ثم سقى لهما، وذهب إلى الظل ليستريح، قال تعالى: «وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إلى مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ».
ونوه الدويش إلى أن موقف موسى إضافة إلى مبادرته بعمل الخير واستخدام قوته البدنية هو موقف تتجلى فيه معاني البذل والعطاء والإحسان، فقد كان مجهداً وجائعاً.. وقد خرج دون أن يتزود بطعام آو شراب ولم يكن في ذلك الوقت مطاعم أو فنادق أو بطاقات إلكترونية وصرافات آلية.. وكان على المسافر أن يتزود بالطعام قبل السفر، وإن لم يتزود بالطعام فعليه أن يأكل مما تنتجه الأرض أو يأكل مما يعطيه الناس، وقد قام بسقي الأغنام للفتاتين بعد سؤالهما، ولم يكن سؤاله لهما بسبب الفضول أو طلباً للشهرة أو المغنم، فهما ضعيفتان لا تقدران على شيء.
وبين الدويش أن موسى -عليه السلام- كان في ذلك الموقف خائفاً وجلاً.. وهو بذلك غير متفرغ للاطلاع على حياة الناس وحل مشاكلهم، ولكنه عليه السلام كان مؤيداً من الله فتصرف بما يقدر عليه وما يمليه عليه ضميره الحي، وعندما ذهبت الفتاتان إلى أبيهما وأخبرتاه أرسل إحداهما لتحضر إليه وتدعوه إلى البيت، فبادر الرجل الصالح وبادأه بالاطمئنان قبل أن يقدم له الطعام، قال تعالى: «فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»، كما يتضح من جو القصة أن الطقس كان شديد الحرارة، فقد أوى موسى -عليه السلام- إلى ظل شجرة ليستريح من العناء والتعب ويخفف من حرارة الجو.
القدوة الحسنة
وأوضح الدويش أن المسلمين يتعلمون من قصص القرآن والأنبياء لتحقيق القدوة الصالحة، فالمرأتان لم تشتكيا لموسى عليه السلام، ولم تطلبا منه المساعدة، بل بادر هو وتلمس حاجتهما، فهو رجل قد تأصل الإحسان في قلبه، وهما فتاتان قد تربتا في بيت صالح فقد أبدتا عذرهما لخروجهما من البيت بقولهما: وأبونا شيخ كبير، وموسى عليه السلام لم يكن يعرفهما، ولم يكن يدر بخلده أن موقفه الرائع ذاك سيتحدث عنه التاريخ والأمم إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، وها هي قصته تتلى في محاريب المسلمين.. لقد كان تصرفه نابعا من صدق السريرة، ومن طبيعة البذل والعطاء.. وقصص الأنبياء والرسل والصالحين وأخبارهم هي خير القصص، قال تعالى: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ»، وينبغي على المسلمين اليوم تلمس القدوة الصالحة وسنن الله في الصراع بين الحق والباطل، بين التوحيد والشرك، أخبار الصالحين ومصيرهم والطغاة الظالمين ومصارعهم، تلمس خصائص الإنسان السوي الذي استخلفه الله في الأرض.
وأكد الدويش أن خير الناس وأذكاهم وأبرهم وأنقاهم هم الذين اختارهم الله -تعالى- ليكونوا رسلاً، وقال: أنى لمن هم ليسوا مثل المسلمين أن يتعرفوا هذه القصص؟ وهي التي يربي المسلمون أبناءهم عليها، ليغرسوا فيهم مكارم الأخلاق والإحسان والبحث عن الإحسان وتقديم الخير للناس ليس بحثاً عن ثناء أو عرض دنيوي أو شهرة زائفة، وإنما اقتداء بالرسل الكرام عليهم السلام، والإحسان إلى الناس يكون بالبذل والعطاء مما آتانا الله، أو الشفاعة ومساعدة الضعفاء وتسخير ما أعطانا الله لخير الناس، فقد كان موسى عليه السلام قوياً فسخر قوته وسقى للمرأتين الضعيفتين، ومن أعطاه الله قوة في المال لينفق في سبيل الله، ومن أعطاه الله العقل والمشورة ليصلح المجتمع ويصلح ما بين الناس بتقديم المشورة والرأي، ومن آتاه الله جاهاً أو سلطاناً ليستخدم هذا الجاه والسلطان في عون المسلمين ونصرة الحق وأهله، وإن الله تعالى يحب المحسنين.
سير الصالحين
ونوه الدويش إلى أن الله -تعالى- كلف عباده بعمل الخير للبشرية جمعاء، وعندما يتحلى المسلمون بهذه الأخلاق العظيمة يصبحون قدوة للبشرية، مبيناً أن المسلمين اليوم أحوج ما يكونون إلى الوقوف على سير الأنبياء والصالحين الكبار للعبرة والقدوة الحسنة، مشيراً على قوله تعالى: «أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ»، وقال إن هذا عصر انفتحت فيه المجتمعات الإسلامية على بقية المجتمعات في العالم، وصار الأطفال والأسرة أمام نوافذ مشرعة أمام العالم بما فيه من خير وشر، فأصبحنا في حاجة ماسة لبناء سلوكي خلقي قويم، فوسائل الإعلام تبث على مدار الساعة الغث والسمين، وصارت القدوة السيئة مبرزة، ونحن نحتاج للاقتداء بالرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- والقرآن الكريم مليء بالخلق الكريم ومعاني العطاء والإحسان، لكننا بحاجة إلى رجال إعلام وصحافيين صالحين وهم بحاجة لبذل المزيد من الجهود، كما أننا بحاجة لرجال الأدب والقصة والرواية والنثر الحسن، ورجال التربية والتعليم والخطباء والدعاة، ولدينا بحمد الله رصيد كبير من القدوات في القرآن الكريم والسنة الشريفة وأخبار الصالحين.
وأشار الدويش إلى أن المسلمين مقبلون هذه الأيام على شهر رمضان الفضيل، وهو شهر مبارك وموسم للدعوة والخير والعبادة والبذل والعطاء والعمل والجهاد والنصرة، فعلينا استغلال هذا الموسم حتى نكون خير أمة أخرجت للناس.