الإثنين 20 صفر / 27 سبتمبر 2021
 / 
02:59 ص بتوقيت الدوحة

نصير شمة: لو لم أكن موسيقياً .. لكنت ممثلاً

الدوحة - أحمد الوحيدي

السبت 14 يوليو 2012
طفلا ومن على مقعد الدرس، ارتبطت الموسيقى لديه بالجمال والأناقة، لم يكن قد شغف بها بعد، لكن الأناقة التي بدت على مدرس الموسيقى، حفرت عميقا في ذاكرة المبدع العراقي نصير شمة، ومن يومها ظل الجمال والإحساس العالي، هو ما يؤسس ويربط عميقا بين الموسيقي وإبداعه. في زمن أول أيضا، وفي الكوت التي يصفها -حسب التقسيم السياسي بمدينة «اليسار» الذي يرتبط بمفهوم الثقافة- أصغى ضمن «طقوس الشاي» في «الحوش» إلى صوت أم كلثوم، سحره الصوت إلى حد البكاء على أغنية لم يفهم معانيها «القلب يعشق كل جميل» طقوس الشاي تلك استصحبت معها حب الأصوات الأصيلة التي بقيت معه «عبدالوهاب» و«ناظم الغزالي» وسليمة مراد، على أن إبداع صاحب معزوفة «قصة حب شرقية» كان قد لازمه وقت طويل من الانشغالات الثقافية، ولأنه نشأ في مدينة تعشق الثقافة والإبداع كان عليه أن يقرأ كثيرا ويشغف بمعارض التشكيل، وقبل هذا وبعده ولع عظيم بالشعر الذي هو أيضا أحد نوافذ المخيلة لإبداع موسيقاه. وهو الذي رافق بعوده شعراء كثرا عازفا ومقاربا بالموسيقى، صورا ينثرها الشعراء في قصائدهم، وللمسرح أيضا نصيب عظيم في إبداع شمة الذي وضع الكثير من المسرحيات وتعاون مع العديد من مبدعي «أبي الفنون» بينهم المنصف السويسي وعزيز خيون وغيرهم، و «لو لم يكن موسيقيا لأصبح ممثلا». عن مكانه الأول وإرهاصات الإبداع الأولى «العرب» التقت المبدع والموسيقار العراقي نصير شمة وكان معه هذا الحوار عن قرب: ¶ ما من مكان في العالم إلا وتردد فيه صدى موسيقاك، لكني أعود إلى الكوت في العراق وأسأل عن أول الإيقاعات التي استيقظ عليها سماعك الأول. - حين أستعيد سنيني الأولى، أذكر ذلك الطفل الذي كان يتظاهر باللعب مع أقرانه، يمارس اللهو قليلا (خمس دقائق) لكنه سرعان ما ينزوي بعيدا، ليبدأ تأمله في ذاته ومستقبله وربما في الوجود وأحواله أيضا، يتأمل نهر دجلة والأسماك تتقافز فيه ويرقب لعبها ورؤية تدفق الماء في النهر. لم أكن أعرف وأنا أمارس هذا الطقس الطفولي ما كان ذاك. عرفت فيما بعد أنه التأمل. هذا عالمي الطفولي الأول الذي منحني لمسة رومانسية حقيقية، وترويا في كثير من الأشياء، طبع شخصيتي بهذا السمت فيما بعد، وبالنسبة للمكان الأول «الكوت» فهذا وصفها كما تستدعيها ذاكرتي الآن، هي مدينة صغيرة لكنها مدينة «يسار» بالمفهوم الثقافي والسياسي، وتتشرف المدينة بأنه لم يزرها الرئيس الراحل صدام حسين، لا عندما كان نائبا ولا رئيسا، لأنها مثلت له صداعا دائما. الكوت مدينة اليسار والثقافة عندما تذكر كلمة اليسار هنا فإنك تستدعي معها الثقافة أيضا، لم يكن في المدينة مكان لغير المثقف ومن الصعب أن تجالس شخصا وأنت لا تملك مفاتيح وأدوات ثقافية لفهمه، كان هذا بالنسبة لي حافزا مبكرا لضرورة الالتفات إلى الثقافة، ومعها لا بد من الالتفات إلى القراءة، وهكذا بدأت أرصد الأشخاص البارزين في المدينة، ألتقيهم وأتابع إبداعاتهم، ذهبت إلى المعارض التشكيلية والفعاليات الثقافية، والأمسيات الشعرية، وأستطيع أن أزعم أنه لم تقم ندوة ولا معرض ولم أزرهما. عنيت بالسماع كثيرا وبالثقافة الشفاهية التي غالبا ما تقود إلى الكتابية بل وتكملها، ووجدت أن الفنانين التشكيليين مثلا في العالم يشبهون بعضهم، فهم يستخدمون نفس الأدوات وهكذا الشعراء يشبهون بعضهم في العالم لا أعني من حيث تشابه السوية الإبداعية، ولكن لطريقة الحياة والنظرة للكون، بدأت أفرز الناس كان هذا كله قبل العاشرة من عمري. ¶ تحدثت عن الكوت وإرهاصات التشكل الثقافي.. لنعد إلى البيت بوصفه رحم الإبداع ماذا تذكر من طقوس طفولية هناك؟ - في بيوتات «الكوت» هناك ما يسمى بـ «البيت العربي» أو «الحوش» وفي كل «خميس» تجتمع نسوة المدينة عند أمي؛ حيث طقس الشاي، الذي ربما كان هو الأميز في العراق، ومن لوازم طقس الشاي المخمر، أن تحضر معه المعجنات، وهذا الخميس كان يترافق معه مناسبة عظيمة أيضا، ففيه تغني أم كلثوم، مبكرا كان يسحرني هذا الطقس والراديو الكبير الخشبي الذي ينبعث منه صوت «كوكب الغناء العربي» وقبل الغناء يشدني صوت المذيع ناطقا باللغة العربية واللهجة السليمة التي كان «يحكي» بها. وفي كل أسبوع كان يقدم أم كلثوم مذيع من دولة عربية مختلفة، وهذه المقدمة التي كانت وكأنها كاميرا، هذا كله كان يحرك خيالي، من يومها وأنا أحب الإذاعة، ولا أحب التلفزيون، الإذاعة تتيح لك الفرصة لإطلاق العنان لمخيلتك والتأمل، أما التلفزيون فإنه يسطح المعاني، ويجعلك أمام حقيقة واحدة. كانت أم كلثوم إذاً وعبدالوهاب وناظم الغزالي وسليمة مراد، هم الكوكبة التي تربى إحساسي عليها، وهو الإحساس العميق والأصيل، الذي صاحبني طوال حياتي عاش قبله ومعه وسيعيش بعده، هذه الإيقاعات الأولى التي تشكل عليها وعيي ووجدت نفسي منذ بداية عمري، وفي سن مبكرة أبكي على أغنية «القلب يعشق كل جميل» كنت أبكي ولم أكن أفهم المعنى، وعظمة الملحن رياض السنباطي أنه جعل طفلا يحس بالمعنى الصوفي ويبكي، وهو لا يفهم معنى الكلام. صاحب ناموس ¶ لك شيوخ كثر في الموسيقى كما في التصوف سأسألك عن «صاحب حسين الناموس» معلمك الأول من هو؟ وأي أثر تركه فيك؟ - صاحب ناموس هو صديق شقيقي الأكبر قاسم شمة، وأول مرة رأيت فيها العود كانت حين رأيت أستاذا أنيقا ونظيفا وارتبطت لدي الموسيقى من وقتها بالقوام الممشوق والحذاء الملمع، وأعطاني صورة متميزة وجميلة للفن والموسيقى، أحسست بقيمتها كيف تغير الشكل والجوهر كل شيء كان فيه أنيقا؛ «أزرة القميص» «الدبوس»، كل التفاصيل الصغيرة، وكأنما هو كتلة من الأناقة، وهذا ما لم أره موجودا عند كل الأساتذة في الرياضيات والفيزياء والكيمياء، أحسست أن الأناقة تميز تمنحه الموسيقى فقط. أذكر أنه عندما أمسكت بالعود عاقبني هذا الأستاذ بعنف ووضع قلما بين إصبعي الصغيرين وضغط عليهما بكل قوة، ما زلت كلما أتذكر ذلك الموقف أشعر بألم، في تلك اللحظة قررت أن أكون عازفا على العود. كنت في الخامس الابتدائي، وهو يضغط على أصابعي لمعت في رأسي فكرة أنني سأتعلم العزف وسأصبح أفضل منه. في ذلك العام ذهبت إلى صاحب ناموس في العطلة الصيفية عرفته على نفسي، قلت له أريد أن أتعلم العزف على العود رفض وقال لي تعلم أي شيء آخر إلا العزف على العود وأنت أصلا متأخر عن الدورة، والعود صعب انسحبت وأخذت أبكي، أشفق علي وقال سأمنحك فرصة أسبوع لأنك أخو قاسم شمة، وفي الدورة الثانية أصبحت معلما للعزف على العود. ¶ يغريني الحديث عن الطفولة وصورة الأب والأم كما تحضر الآن من خلال ذاكرتك. - أنا محظوظ لانتمائي لأب لطيف لا يملك مالا ولا جاها إلا ما يسد رمق عائلته الكبيرة، علم الجميع وتخرجوا، الحياة في العراق كانت أبسط منها في أي مكان آخر الدراسة مجانية حتى الجامعة، كلنا كبرنا وعيوننا مملوءة رضا، لم نكن أغنياء لكن كان يبدو علينا ذلك، الوالد كان بسيطا جدا وكادحا وله «دكان» وكان يعمل في بناء سد الكوت كانوا يعملون في كل شيء أتقن اللغة الإنجليزية خلال عمله مع البريطانيين. عندما أستعيد صورة أبي اليوم أقول إنها مثال المثالية بالنسبة لي، وليس لأنه أبي، كان أبي يمشي في الشارع فيقبل الناس يده حبا، لا لأنه سيد ولا لأنه من نسل الرسول -صلى الله عليه وسلم- بل لأنه أحب الناس وأحبوه، كان يقول «عطايا قليلة تدفع بلايا كثيرة» هذه خصلة أخذتها منه ولا تزال معي حتى اليوم. الوقوف مع الناس ومساعدتهم كان إذا في جيبه «مليم» يمنحه لطالبه حتى ولو لم يبق معه شيء، رجل متدين وطيب وحين توفي سار في جنازته ركب من السيارات لم تيحصل لأحد حتى أنه كان يموت في ذلك الزمان في الحرب العراقية الإيرانية شباب في العشرينات، لم يكن لوفاة كبار السن معنى كبير، إلا أنه في حال والدي تم تشييعه بجنازة مهيبة، ولم تحصل لقائد في الجيش، هذا دليل بالنسبة لي أن الحياة تستحق أن تعيشها كإنسان قبل أن يكون لديك جاه ومال ومنصب، وإذا كنت كذلك فأنت ستترفع عن كل شيء زائل. أمي كانت تقوم بمهامها الإنسانية تساعد الجميع ونحن لا ندري كيف. ¶ عشقك لأبي الفنون كبير ولك فيه عشرات التجارب ما الذي جذبك إليه؟ - لولا الموسيقى لكنت ممثلا مسرحيا، وأذكر أنني في أيام الدراسة الأولى مثلت في مسرحية أوديب بثوب جديد، كنا نعمل في الابتدائية ونتجرأ على شكسبير وغيره، أنا الآن أشفق على هذا الجيل الذي ليس لديه معارف من هذا النوع، وليس لديه معرفة بالموسيقى. اكتشفت عندما تمرست في الموسيقى أنني لست من ذلك النوع الذي يكتب موسيقى لنص بمعنى أن يأتيك مخرج ويقول لك هذا نص أريد عليه موسيقى حزينة وهكذا، لذلك أنا أنجزت أعمالا في المسرح ليست كثيرة ولكنها مهمة كانت تستغرق مني وقتا طويلا من معاينة وبروفات النص على الطاولة وحتى بدء الحركة على المسرح، وآخر واحد يسلم عمله من طاقم العمل أنا وعندما تأتي الموسيقى لا يكون هناك مجال للتعديل؛ لأنها تكون جزءا أساسيا من نص العمل والمخرج يقول لي إنه مهما أردت أن أقول فلن أقول ما تقوله موسيقاك. المسرح بحاجة إلى تفرغ كلي وتفرغ ذهني وكنت أقترب من المخرج وأبدي ملاحظاتي وكان قاسم محمد والمنصف السويس يزيلان دقائق من العمل. المسرح أعطاني ثراء وللموسيقى التي أبدعها. ¶ من أين لك تحويل المحسوس إلى موسيقى تجريدية؟ - إذا لم يملك الفنان ما بعد البعد الأول والثاني فلن يصبح إلا مجرد مهني ناجح، وإذا لم يكن موهوبا يستطيع النفاذ إلى البعد الثالث وما بعده فلن يكون مبدعا. وبعضهم يمر على نفايات ويحولها إلى أعمال إبداعية؛ لأنهم يرون فيها صورا لا يراها آخرون، المعتادون على الأمور السطحية لا يجدون فيها جمالا، والمشهد السطحي المنظور له أكثر من بعد والمبدع وحده من يستطيع اكتشاف هذه الأبعاد. ¶ كيف لك بهتك الحُجُب هل هو الصوفي الكامن فيك؟ - ربما الشفافية هي ما تمنحني الصفاء للنفاذ إلى هذه الأشياء وأيضا أسلوب العيش النقاء هو ما يمنحني هذه الشفافية. ¶ رافقت عازفين غربيين وشرقيين أي دور للموسيقى في هذا اللقاء (شرق غرب)؟ - في العالم نحن الموسيقيون لنا لغتنا الواحدة تتعدد اللغات المحكية التي تسقط بمجرد أول ضربات موسيقية ولذلك لم يبق عازف ولا آلة إلا وعزفت عليها وعلى المختلفين من شرق وغرب، كل هؤلاء الموسيقيين وثقافتهم تعاملت معهم وكان آخر عرض لي مع سبعة عازفين من مختلف أنحاء العالم وكتب عنه أنه من أفضل العروض، فأنت عندما تستدعي مبدعين كبارا وتمنحهم مساحة الحرية للتحليق فإنهم يستنهضون فيك أجمل ما لديك ويمنحونك الفرصة بالتجدد الدائم، وأنا ليس لدي خوف من أي شيء وعندما يصفق الجمهور لعازف استدعيته فكأن التصفيق لي أنا وهذا رصيد لي. ¶ هل الوجع الذي تحاكيه عبر موسيقاك الحديثة أعني ثورات الربيع العربي أيد دور الإبداع في التغيير؟ - الألم يختار بعض الناس، وأنا لا أستطيع أن أكون حياديا تجاه القضايا التي تحصل حولنا، وأعتقد أن الألم هو من يأتيني، أقول لك إنه عندما يخبرني أحدهم بقضية تؤرقه أمرض وأحتاج حتى للعلاج، حتى أتخلص من الطاقة السلبية التي تتسرب إلي. قضية العراق شغلتني وستبقى تشغلني حتى يوضع على سكة المستقبل، أيضا مستقبل مصر وتونس وسوريا وعالمنا العربي، ألمنا هذا القتل اليومي من أجل الكرسي والمصالح والعوائل كل هذا لا نستطيع الفكاك منه إلا بالتعبير الإبداعي عنه. ¶ أين لك كل هذا الجلد، اهتماماتك متشعبة وإنتاجك في الموسيقى غزير؟ - لأنها اهتماماتي الحقيقية أذهب إلى الشعر لأنني أعشقه وكذلك إلى الرسم، وأذهب إلى كل المعارض في أنحاء العالم لأنني أكتشف جوانب مضيئة فيّ عندما أتعرف على أغوار فنان وأكتشف جماليات تكوينه الفني، كما أستمتع بالنحت، وفيلم سينمائي جميل يجعلني أطير ويبقى معي أياما، وهي مصادر إبداع بالنسبة لي، فضلا عن أنها فرصة للاستمتاع بالجمال من حولي. الحب وسيط بيننا وبين الإبداع وبشكل صريح المرأة هي الحب المحرك للأشياء الجميلة وفي كل مراحل حياتي هي محرك من محركات الإبداع لي. مع الغربة ¶ بين القاهرة وتونس وآلاف المدن ألم تلق عصا الترحال بعد؟ - هي غربة الروح التي أرى أنه لا فكاك منها وحتى لو ألقيت عصا الترحال فأنا أشعر بالغربة في أي مكان في الدنيا، وأشعر بألفة في كثير من الأماكن في الدنيا، ولكنها أي الألفة لا تعني إلغاء الغربة ومعناها أن تتكيف مع بيئة ومناخ لأناس تحبهم وتمنحك طاقة إيجابية، والغربة بدأت معي من الطفولة وما زالت معي إلى الآن.

_
_
  • الفجر

    04:06 ص
...