العقل الباطن.. «أطلانتس» النفس البشرية
منوعات
14 يوليو 2011 , 12:00ص
د. عبد الله عابدين •
كانت مفاهيم فرويد في الهستيريا، قد تطورت من خلال دراساته ونقده لتجارب من سبقوه، ومن وقوفه على تجارب شاركورت في مستشفى «سالبتريير» في فرنسا، ومن ملاحظاته الخاصة الدؤوبة، حتى انتهى إلى اكتشافه المذهل لفاعلية عقلية لا واعية تعمل بصورة لا شعورية. وكان المفهوم السائد للعقل حينها مفهوما «تسطيحياً» يرى في العقل كياناً واعياً يتمثل عضوياً بالدماغ داخل الجمجمة، ويتجلى وظيفياً في عمليات التفكير والإدراك والمنطق والذاكرة والتخيل. ولم تكن غرائب كثيرة من أحوال وتبدلات الوعي، مثل النوم والأحلام وحالات السرحان أو أحلام اليقظة، أو حالات تبدل الوعي عند السكر أو تعاطي المؤثرات العقلية، سوى تجليات لنفس العقل، وهو يرتدي في كل حالة من هذه الأحوال زياً مختلفاً من أزيائه، يتناسب مع دور مختلف من أدواره العديدة على مسرح الحياة.
بيد أن هذا المفهوم الأحادي للعقل كان كثيراً ما يعجز عن تقديم التفسير الكافي لظواهر «منفلتة»، تتجلى أحياناً في صور فردية، وفي كثير من الأحيان تأخذ طابعاً جماعياً، مثل ظواهر تقمص الأرواح. وهذه الاعتقادات، والممارسات المنبثقة عنها، عالمية الانتشار، رغم أنها ترتبط أكثر بثقافات معينة مثل الثقافات الإفريقية والآسيوية والشرق الأوسطية والأميركية اللاتينية.
إن اكتشاف فرويد لهذه القارة النفسية الجديدة، العقل الباطن، يعتبر نقطة فارقة في تاريخ تطور المعارف النفسية. فالعقل الباطن يمكن تمثيله بقارة «أطلانتس» التي يعتقد أنها غارقة في أعماق المحيط الأطلسي. ويمكننا بموازاة «جغرافيا الآفاق» «بجغرافيا النفوس» تمثيل العقل الباطن بهذه القارة الغارقة تحت مياه المحيط. بهذا الاكتشاف، يكون فرويد قد قدم لنا خدمة كبيرة في توسيع «ماعون العقل»، ومن ثم التمكن من استعادة كل الظواهر آنفة الذكر وتوطينها داخل هذا الفضاء الجديد. بتدشين هذه الصورة الجديدة للفضاء النفسي، دخلت في المسرح مفاهيم الديناميكيات النفسية، فضلاً عن مفهوم الصراع النفسي وآليات الدفاع النفسية، كما وجد مفهوم الإيحاء أرضية جديدة له.
في هذه الوضع الجديد، الذي وجد فيه مفهوم العقل دفعة قوية نحو أعماق «محيط» النفس البشرية، نمت وترعرعت مدارس «سايكودينامية» كثيرة، ووجدت كثير من المفاهيم المستحدثة فرصة للظهور.
وفي حوالي عام 1913 دشن رائد آخر من مدرسة التحليل النفسي، وهو الطبيب النفسي الألماني كارل جوستاف يونغ، رحلة جريئة إلى الأعماق البعيدة لقارة «أطلانتس» النفس البشرية، رغم اعتراضات فرويد على هذه الخطوة، وعلى النتائج التي جاء بها يونغ من رحلته إلى الأعماق الأبعد في أعالي بحار النفس. اكتشف يونغ أن لهذه القارة، العقل الباطن، امتداداً هائلاً في أغوار محيط النفس يفوق ما تصوره فرويد، بل يكف عن أن يكون عقلاً باطناً فردياً، ما دعا يونغ إلى استحداث مصطلح العقل الباطن الجمعي، للتعبير عن هذا البعد النفسي الجديد.