مشاهد من يوم القيامة.. «معنى الانفطار»
الصفحات المتخصصة
14 يونيو 2016 , 12:01ص
حرصاً من جريدة العرب على استكمال الفائدة ومواصلة ما بدأته العام الماضي مع تفسير جزء تبارك للشيخ يوسف القرضاوي فإنها تواصل في أيام رمضان هذا العام نشر ما تبقى من تفسير الشيخ لجزء تبارك، علماَ أن الشيخ قال: صاحبت القرآن أكثر من سبعين عاماً، وكان محور دروسي ومحاضراتي وكتبي وخطبي وفتاواي التي نشرتُ بعضاً منها في أربعة مجلدات كبيرة، ولقد ألَّفْت في مختلف فنون الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي، في العقيدة والتفسير والحديث والتصوف والتاريخ والدراسات الإسلامية المعاصرة، وهي كثيرة..
وقد قاربت مؤلفاتي على مائتي كتاب بين الكبير والمتوسط والصغير، وتعددت موضوعاتها بين الفقه والفكر، وما يخاطب العقل، وما يسمو بالروح، وألفت في موضوعات القرآن مثل: (الصبر في القرآن)، و(العقل والعلم في القرآن) وفي علومه (كيف نتعامل مع القرآن)، غير أن الحنين أن أنضم إلى قافلة مفسري القرآن، وأن أؤلف في تفسير القرآن ظل يراودني الفَينة بعد الفينة، فلقد أممت الناس ما يقارب (نصف قرن) في قطر في صلاة التراويح، وألقي درساً بعد الركعات الأربع الأولى عن بعض الآيات التي قرأتها، وكنت قد أُعِرْت إلى الجزائر عاماً، وهناك كان لي درس أسبوعي فسّرت فيه سورة يوسف كاملة، لكن للأسف لم ينشط أحد لجمعِها، وبعد عودتي إلى قطر اقترح علي بعض الإخوة أن يكون لي درس أسبوعي في مسجد عمر بن الخطاب، وأن أبدأ بسورة الرعد، ونشطت بعد ذلك لتفسير إبراهيم والحجر، وهي جميعا مطبوعة.
يواصل الشيخ القرضاوي تفسيره لسورة الزمل، متحدثا في آخرها عن مشاهد من يوم القيامة، قال تعالى: {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} أي: متشقِّق، (به) أي: بسبب هول هذا اليوم، وإنما جاء بصيغة المذكَّر، ولم يقل: (منفطرة)؛ لأنَّ السماء تُذكَّر باعتبارها سقفاً، كما في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} [الأنبياء:32].
قال ابن كثير: (قال الحسن، وقتادة: أي بسببه، من شدَّته وهوله، ومنهم من يعيد الضمير على الله عز وجل، وروي عن ابن عباس ومجاهد، وليس بقوي؛ لأنه لم يَجْرِ له ذكر هاهنا.
وقوله تعالى: {كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا} أي: كان وعد هذا اليوم مفعولًا، أي: واقعاً لا محالة، وكائناً لا محيد عنه) و(وَعْدُه) مصدر أضيف لمفعوله، والضمير فيه لليوم، ويجوز أن يكون من إضافته إلى فاعله وهو الله عز وجل، ولم يجر ذكره لكونه معلوماً، كما قال تعالى: {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف:98]، وقال تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ} [الروم:6].
تفسير: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا}: يقول تعالى: {إِنَّ هَذِهِ} أي: السورة {تَذْكِرَةٌ} أي: يتذكَّر بها الإنسان ما نسي، ويَتنبَّه بها لما غفل عنه، كما قال تعالى: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة:269]. ولهذا قال: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا} أي: الطريق مفتوح لمن يريد أن يصل إلى الحق، فقد خلق الله الإنسان حرّا مختاراً، لا يُجْبر على شيء ضد إرادته، وهو بما أعطاه الله من عقل وإرادة وقدرة، يعمل في ضوء المشيئة الإلهية العامَّة، كما قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الإنسان:30].
إنَّ هذه الرسالة الإلهيَّة رسالة بيان وهداية وموعظة وإرشاد وتذكير باقٍ، فهي ليست رسالة إكراهٍ ولا إلزام، فمن شاء نجاةَ نفسه وسعادتها، بما آتاه الله من إرادةٍ حُرَّةٍ مُمَكَّنةٍ بخلق الله أن تشاء بحُرِّيةٍ، اتَّخذ إلى مرضاة ربِّه طريقاً، ومَنْ لم يشأ ذلك استحقَّ العقاب والعذاب، فهو الذي يتحمَّل نتائج رفضه للحقِّ وسلوكِ سبيل الهداية.
تفسير الآية الأخيرة من سورة المزمل:
ثم قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المزمل: 20]
بهذه الآية الطويلة المخالِفة لآياتِ سورة المزمِّل كلها، ختَم اللهُ السورة، بما فيه تخفيف وتيسير على أُمَّة الإسلام، الذين آمنوا بمحمد، والذين يؤمنون به إلى يوم القيامة.
وهي متَّفِقة مع النَّهْج العام الذي مضى عليه القرآن كلُّه، مكيُّه ومدنيُّه، في التيسير على الناس، والتخفيف عنهم، كما قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:28]. وقال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185]. فأعلن الله تعالى في أوَّل الآية ما يقوم به الرَّسول وطائفة من أصحابه من القيام بما كان عليهم من قيام الليل، أدنى من ثلثيه ونصفه وثلثه، وطائفة من أصحابه الذين معه، والمعيَّة هنا معيَّة إيمان وصُحبة ومتابعة.
{وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} أيْ: تارة يعتدلان، يكون الليل قَدْرَ النَّهار، وتارة يأخذ هذا من هذا، وهذا من هذا، يعني: أنَّ العالِم بمقادير أجزاءِ اللَّيل والنهار ليس إلا اللهُ تعالى، لا يقدر على تقدير أحدهما أحدٌ أصلًا؛ فإنَّ تقديمَ لفظِ الجلالة (الله) باعتبار هذا الاسم الجليل مبتدأ، وبناء (يُقَدِّر) عليه مُوجِبٌ الاختصاصَ قطعاً.
(عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} أيْ: علم الله عز وجل أنكم لا يمكنكم إحصاء كل واحد من أجزاء الليل والنهار على الحقيقة، ولا يمكنكم أيضاً تحصيل تلك المقادير على سبيل الظنِّ والاحتياط، إلا مع المشقَّة التامَّة، ومعنى هذا: أنه فوقَ طاقَتِكم، والله لا يمكن أن يكلِّفكم بما هو فوق طاقتكم. ولذا قال بعضهم: المراد صعوبتُه وشدَّتُه، لا أنهم لا يقدرون عليه.
ومعنى قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أي: رخَّص لكم في ترك القيام المقدَّر، كقوله تعالى في شأن الصيام: {فَتَابَ علَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة:187]. والمعنى: أنه رفع التَّبِعة عنكم في ترك هذا العمل، كما رفع التَّبِعة عن التائب.
(عَلِمَ أن سَيَكُونُ منكُمْ مرضَى وَآخَرُون يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْل اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ). كرَّر قوله تعالى (علم) ليُقَرِّر سبحانه أنه بناءً على ما علم منهم وجزم، قرَّر ما به أمر وحَكَم، فهو حُكمٌ مبنيٌّ على عِلْم، ككُلِّ أحكامه الشرعية سبحانه، {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:59].
فما خفَّفه تعالى عنهم بالنسبة لما كان مطلوباً منهم في قيام الليل، كان لُطفاً من الله تعالى بهم، وتخفيفاً عنهم، وتيسيراً عليهم، وخصوصاً في المراحِل المُستقبَلة من الدعوة الإسلامية العظمى، التي سيقوم بها محمد صلى الله عليه وسلم، ويقوم بها أصحابُه وأمَّته معه، فهم مبعوثون بما بُعِث به، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إنما بُعثتم ميسِّرينَ، ولم تبعثوا مُعَسِّرين».
وهناك، في علم الله، أمور تنتظركم، تستنفد الجهد والطاقة، ويشق معها القيام الطويل: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى} يصعب عليهم هذا القيام.{وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}.. في طلب الرزق والكد فيه، وهو ضرورة من ضرورات الحياة، والله لا يريد أن تَدَعوا أمورَ حياتِكم وتنقطعوا لعبادة الشعائر انقطاع الرهبان! {وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.. فقد علم الله أن سيأذن لكم في الانتصار ممن ظلمكم بالقتال، ولإقامة راية للإسلام في الأرض يخشاها البغاة! فخففوا إذن على أنفسكم).
قال الرازي: (واعلم أن تقدير هذه الآية كأنَّه قيل: لِمَ نَسَخَ الله ذلك (أي: لِمَ غيَّره)؟ فقال: لأنه علم كذا، وعلم كذا، والمعنى: لتعذُّر القيام على المرضى، والضاربين في الأرض للتجارة، والمجاهدين في سبيل الله.
أما المرضى، فإنه يمكنهم الاشتغال بالتهجد لمرضهم، وأما المسافرون والمجاهدون، فهم مشتغلون في النهار بالأعمال الشاقَّة، فلو ناموا في الليل، لتوالت أسباب المشقَّة عليهم، وهذا السبب ما كان موجوداً في حقِّ النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {إِنّ لَكَ فِي النهار سَبْحًا طَوِيلًا} [المزمل:7].فلا جرم ما صار وجوب التهجد منسوخاً في حقِّه،
ومن لطائف هذه الآية: أنه تعالى سَوَّى بين المجاهدين والمسافرين لكسب الحلال، وقرن بينهما في سياق واحد من هذه الآية، قال ابن مسعود: أيُّما رجلٍ جَلَب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً، فباعه بسعر يومه، كان عند الله من الشهداء.
وقال ابن عمر: ما خلق الله مَوْتة أمُوتها بعد الموت في سبيل الله أحبَّ إليَّ من الموت بين شُعبتي رحلي، أبتغي من فضل الله، ضارباً في الأرض.