الثلاثاء 5 ذو القعدة / 15 يونيو 2021
 / 
07:23 م بتوقيت الدوحة

الشاعر والكاتب العراقي نعيم عبد مهلهل يقيّم إصدار د. هدى النعيمي «قمط»: السيرة الروحية لمجلات طفولتنا وأحلامها

الكاتب نعيم عبد مهلهل

الجمعة 14 مايو 2021

«الطفولة.. ماذا كان هناك قديماً ولم يعد له وجود».. إنها كلمات للشاعر الفرنسي سان جون بيرس.
 في غرابة المفارقة بين الفيزياء وخواطر دفتر الإنشاء تسجل هدى النعيمي ظاهرة قطرية استثنائية في دمج نظرية العلم بهاجس الأدب وإبداعه.
تلك الظاهرة الجميلة التي تسكن هذه الروح المتواضعة شكلت نافذة لنورانيات الوعي الذي تفتخر به قطر لسيدة تعرف أن تمسك مفاتيح أقفال ومهارات تهم حياة الناس في بلدها. فهي لفتت انتباهي منذ مجموعتها الرصينة (حالة تشبهنا)، وهي تتشبث بمن تعتقد أنها قدوتها في المنزل والحياة، أختها الكبيرة عندما تخاطبها بعميق الكلام وخاطرة الروح قائلة لها:
«ونفس وما سواها إلى نجاح.. نفس استوت عالياً وخرجت إلى خلود أعلى، حالة لم أجد سواها ما يشبهها»، وحتماً هي تقترب من الشبه في أن تكمل المبادئ والراية التي رفعتها الأخت التربوية، فكانت تلك المجموعة هي ما يشير إليها معظم النقاد الذين يرون أنها البوح الشجاع والأمين لتصوير الواقع، ورصد الحياة في جانبها الأنثوي في ظل القهر الاجتماعي ومحطات الحياة، وما يمكن أن تجعل الشرق فيه سجناً وخطيئة.

رؤية شهرزادية
لقد رسمت هدى النعيمي في مجموعتها «حالة تشبهنا ــ 2012» وهي تستقبل الألفية الجديدة في رؤية شهرزادية تحاول فيها أن تنقل المعتم إلى الضوء، ليمكن إنقاذه وخصوصاً النساء اللائي جعلت هدى النعيمي من ارتقاء حياتهن رسالة عظيمة مهدت لنتاجات أخرى لتنتهي عند «قمط». تلك السردية المسكونة بهاجس البيت ودفتر الإنشاء وطقوس الثقافة المدرسية، حين كانت مواظبة على قراءة كل المجلات التي تهم الطفولة والصبا. ومن ضمن ذكريات تلك المجلات تأتي هذه المجموعة حصيلة من الفكر والذكريات والمادة القصصية الممتعة.
ومتى قرأت النتاج البعيد (قصص هدى النعيمي) في مجاميعها، ستكشف أن «قمط» الجديدة هي الامتداد غير المنظور للعوالم التي اشتغلت عليها النعيمي عبر قنوات الحلم والإنسانية والاستذكار ورصد الظواهر الاجتماعية ومتغيرتها.
في المحصلة التي يمكن أن تذهب بك إلى اتجاهات عدة، وعليك أن تكتشف فيها أن غريزة العلم التي تطورت في أحلام ومحطات هدى الحياتية لتصل معها إلى الذروة في التحصيل والتميز خلقت لها موازاة أخرى في المجال الأدبي، وقد يبدو عسيراً أن تتفرغ عالمة الفيزياء النووية مثلاً لعالم الأخيلة وسرد حكايات غير انشطار الذرة وتفاعلاتها والبحث عن الراحة النفسية والجسدية لمن يعانون من الأحلام، وتلك مهمة فردية اأن تكون المرأة (عالمة وأديبة في نفس الوقت).
وعند أطياف تلك العوالم التي خلقت لها تلوينات الحلم والحكاية في «قمط» ومجلاتها. أتذكر ما كان يشير إليه أينشتاين مرة في سؤال عن رغبة أحدهم في جعله ليتفرغ ليكتب إحساسه من قانون الجذب الذي استدار بالعالم وتقنياته إلى 360 درجة. فقال: إني لا أستطيع التدوين بعاطفة الأديب وأتركهم يفعلون ذلك بدلاً عني ويتخيلون أنهم أنا.
هدى النعيمي لا تحتاج أن تعيش خيال العالم (الألماني ــ الأميركي)، بل منحها الله موهبة أن تتكيف مع الحالتين (الفيزياء والسرد)، ولهذا سندرك مع «قمط» رؤيا الحكاية ومنفعتها وطبيعة بلاغة السرد والحديث عن أحلام الطفولة والمنزل والمدرسة والوطن. وأظن أن درس الأنشاء الذي ابتدأت به المجموعة سيكون بوابة لدراستنا عن سحرية هذا العالم الذي أطلت منه هدى النعيمي لترينا مهارة العالمة والساردة.
هذا الكتاب القصصي «قمط» هو أيقونة الحكاية التي نمضي معها. وربما تحتاج منها كراساً أو كتيباً ليفكك أسرار التأريخ المرتبط بالمجلات التي جعلت من الطفل والتوجيهات التربوية والأدبية والمتعة طريقاً لأهدافها. لكن هدى النعيمي تشتغل على هذا الهاجس عبر رؤية قصصية تجمعها متعة السرد وأرشفة الذاكرة عبر تواريخنا البيتية والمدرسية والأسطورية والسياسية.
وبدءاً منذ أول القصص في قمط يكون دفتر الإنشاء وقد مثل بدء أول الأساطير وصناعة القصص، حيث تظهره النعيمي مثل أطلس لصناعة الخيال بواسطة الكتابة التي تسجل للموهبة محطاتها الأولى فوق متن دفتر الإنشاء، وقد سكنت الطفولة وذكرياتها هاجس الرؤيا والكتابة عند أغلب من اشتغل على صنعة الحرف والحس، وصنعت لها محطات للذكريات تبدأ بحنان الآباء ووجوه معلمي المدارس، وانتهاء بفوانيس البيوت والمجلات التي كنا نقرأها بفرح. والفقير ينتظر أن يستعيرها مع الطفل الغني الذي يشتريها له والداه.
سيكولوجيا تشكل مرحلة الطفولة هاجساً لذهن العودة إلى متعة الماضي في أي محطة من محطات أعمارنا اللاحقة. ومن ثقافتها تكون نصائح الآباء ودروس المعلمين وقصص الطفولة والمجلات هو جزء مهم من تراث تلك المحطة المسكونة في بدء أعمارنا.
عند تلك الأزمنة تشتغل الدكتورة هدى النعيمي، وتمنح مكتبة الطفولة ودهشتها كتاباً مكتوباً بسعادة السرد المسكون بإحصائية وتواريخ ومؤثرات مجلات الطفولة التي تسجل في حكايتها القاصة تفاصيل عالم ومجتمع وأحاسيس تتراوح بين الفطرة والوعي والأسطورة. لتضع مقدمة لتلك المجموعة الناضجة والتي احتفت بالسرد الواقعي المسكون بذكريات وصبا وشباب هدى النعيمي. وهي اليوم تخرج لنا بحصيلة الرؤيا التي كانت فيه تلك المجلات تمثل حافزاً فكرياً وعلمياً وترفيهياً لعقول التلاميذ والتلميذات.

وعي فكري ومجتمعي 
لم تكن مقدمة الكاتبة تعريفاً بالقصص بل كان استهلالاً يمهد لدواعي كتابتها، وكانت تحمل وعياً فكرياً ومجتمعياً وتربوياً بتلك المحفزات التي سكنت أهداف كل مجلة. وربما تلك المقدمة أجمل ما فيها أنها احتفت بالسرد التاريخي لتلك المجلات ولكن بمرور مختصر.
 دفتر الإنشاء هو مفتاح المجموعة ونافذتها إلى سحر الأغلفة الملونة التي كانت تمثل في عنوانيها نصوصاً مشتغلة بتوظيف ذكي وتراوحت اللغة بين البساطة وحبكة القصد في التعريف بأيام تلك المطبوعات، لكن درس الإنشاء كما ورد في السردية الأولى لمجموعة (قمط) القصصية يمثل واحدة من ذكريات الوعي الأول الذي تخلقه المدرسة، وهذا الدرس الأدبي المهم ودور المعلمات فيه.
جماليات النص تكمن في المتغيرات التي يحدثها درس الإنشاء في عقول التلميذات (وهدى) كانت واحدة منهن. ومنها أنهن تعاملن معه من خلال ثقافة المعلمة وأسلوبها. فالأبلة الأولى كانت تسكنها روح الوعظ والإرشاد وحنان الأم. لكن الأبلة الجديدة (نهى) حررت تلك العقول الصغيرة إلى آفاق لفنتازيا القصص، وأعطت لذاكرة بناتها حرية السياحة الكتابية في درس الإنشاء لتأتيهن بطريقة أخرى وقصصاً أخرى، عندما تطالعها التلميذات تتوهج فيهن بذرة صغيرة من الخيال والإبداع وهي تأتي إليهم بقصص كثيرة من التراث الطفولي العالمي:
«الأخوات الثلاث، عقلة الأصبع، الصياد المسكين، خاتم السلطان، الأنف العجيب، جبل العجائب، الجزيرة المهجورة، أطفال الغابة، الكرة الذهبية، الفأرة البيضاء، الرفيق المجهول، جزيرة النور، الشاطر محظوظ، أليس في بلاد العجائب، الأميرة الحسناء، البجعات المتوحشات، المغامر الجريء، القداحة العجيبة، الصياد الماهر، عروس البحر...».
أظهرت قصة درس الإنشاء متلازمات الذهن والروح وهي تستعيد زمن الصف المدرسي. ونجحت الكاتبة الدكتورة النعيمي أن تنسج من سطور الدفتر وغلافه ذكريات حلم تخيل القصص التي كانت تجلبهن الأبلة نهى. وكل واحدة ترى الحكاية بطريقتها الخاصة كما مع أليس في بلاد العجائب.
وربما قصة السندريلا التي كانت مؤثرة في أجيال طفولة الكرة الأرضية؛ إذ ترجمت تقريباً إلى كل لغات الكرة الأرضية تمثل في استخدامها الجميل لتكون بديلتها حمدة التي اختلقتها الموهبة الطفولية للكتابة وسجلت بها جزءاً من الأماني الأولى أن يكون وطنها (قطر) موطناً لسندريلا التي سينجح الأمير لاحقاً بالحصول عليها رغم مكائد الأشرار.
حمدة في السندريلا البديلة هي من جعلتها هدى النعيمي تتوهج في روح الحكاية وتجعل دفتر الإنشاء مكاناً للمتن الأول من أحلامنا.
تشتغل النعيمي على هاجس في سرد يعطي «قمط» خصوصية غريبة في الدمج بين الأخيلة والوقائع لتاريخ الأمة والوطن والبيت. ثلاثية عكست هاجس الكاتبة في جعل التوثيق لغة للقصة وحتى تقربها إلى المتعة، إضافة إليها فنتازيا ما عاشته وقرأته ولامسته وفكرت فيه وخبرته، وربما نصها السردي عن مجلة أسامة هو جزء من محطات تلك الذكريات التي أسقطت عليها أحلام صبا قراءتها وتأثرها بما كانت يكتب زكريا ثامر وتقارنها بتجربته القصصية المدهشة، ثم تعرج على رئيس تحريرها المرحوم ميشيل كيلو وكل تفاصيل تلك الذكريات تقودها إلى ربط مؤثر بما يحدث في سوريا الآن.
لكنها وبذكاء وفطنة الكاتبة الاحترافية تعكس أثر المجلة على نمط التعلم والتقاليد التربوية والثقافية داخل البيت والمدرسة. فيكون الربط مسكوناً بمحطات تواريخ ثقافتنا ومؤثرات المكان الدمشقي وما حل به لاحقاً بعدما كانت المجلة هي خيط وصل القراءة، ومن ثم إلى معرفة لاحقة بسدنة تلك المجلة.
بين سامر والرهط القادم من المجلات وحسب ما تضعه الكاتبة تسلسلا حسياً وسردياً وتاريخياً ومؤثراً. تمضي النعيمي بإيقاد لحظة تواريخ أحلام الطفولة والصبا والتي نضجت بحس وفلسفة وأدب لتكون هذه المجموعة الموسومة «قمط» والصادرة عن مؤسسة كتارا.
 وهي على التوالي (سامر، العربي الصغير، لولو الصغيرة، سمير، ميكي، مغامرات بطوط، السندباد، المغامرون الخمسة، الشياطين الـ 13، مجلتي والمزمار، سوبر مان، تان تان، ماجد، طرزان). 
مجلة العربي الصغير بأهميتها وأناقة طباعتها وانتظامها بالصدور كل شهر مع مجلة العربي الكويتية، لتكون ملحقها الطفولي قبل أن تخرج مستقلة عن المجلة قبل أن كانت تأتي بها خالة صاحبة (معلمة اللغة الإنجليزية) كهدية لأطفال البيت، ومن داخل المجلة ينزلق الملحق الصغير وتتلقفه بلهفة الطفلة التي تغذت منه أولاً وحين كبرت صارت تتغذى من المجلة الأم.
العربي الصغير هي قصة الخالة عندما تكون شعاعاً تنويرياً في عالم الطفلة، وهي تعكس تأثير هذا الملحق في حياتها.
من يتابع الحدث في تلك النصوص يجد مهارة الربط بين المجلة ومراحل النمو الفكري للإنسان في مجتمع إذا توفرت فيه البيئة الصحية والثقافية ينمو به الإبداع.
يحتاج «قمط» الكتاب القصصي الجميل أن يكون أيضاً كتاباً لمذكرات حقبة زمنية وسياسية واجتماعية ونموذجها قطر الدولة الصغيرة التي نشأت لتكون كبيرة لاحقاً، وأظهر لنا «قمط» وهو يلتحف بمناخات مهد طفولته، أظهر وعياً مبكراً لحقبة أجيال كانت مؤلفة الكتاب واحدة منهم. وقد ذهبت إلى الفيزياء النووية كتحد على أن المرأة القطرية قادرة على نيل أعلى الشهادات.
وأنا أتخيل الكاتبة في سرديتها الممتعة والمتنوعة وقد تركت هواجس نيوتن وأينشتاين وارتدت بدلة رائدة فضاء لتطوف فينا من خلال كتابها «قمط» في عوالم يختلط فيها الواقع بالسحر. وتؤرخ فيها أحداث المنزل بأحداث الوطن والأمة.
فكرة تربوية عميقة أتمنى ذات يوم أن ينتبه إليها كأنموذج على قدرة العالمة والقاصة هدى النعيمي على المزاوجة بين الماضي والحاضر، وجعل متعة الماضي درساً في كيفية كتابة الإنشاء المدرسي، والإفادة من الذكرى لتكون نصاً إبداعياً من أجل هذا الحاضر وأبنائه.

_
_
  • العشاء

    7:56 م
...