السالوس لـ«العرب»: الاقتراض من صندوق النقد الدولي جائز
حوارات
14 مايو 2013 , 12:00ص
الدوحة - محمد صبرة
طالب الفقيه أ. د. علي أحمد السالوس، نائب رئيس مجمع فقهاء الشريعة بأميركا، رئيس الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح في مصر، المسؤولين المعنيين في قطر بإلغاء الزيادة على قروض الإسكان التي تمنحها الدولة للمواطنين القطريين. واعتبر الزيادة مهما كانت قليلة نوعا من الربا المحرم شرعا.
وأشار في حوار خاص مع «العرب» إلى أن كثيرا من المواطنين القطريين امتنعوا عن الحصول على قروض الإسكان خوفا من الوقوع في التعامل بالربا. وأكد أنه ما زال على موقفه المعترض على عمل البنوك الإسلامية. وقال: «أظن أنها أصبحت أسوأ مما تركتها عليه قبل سنوات».
وردا على وصفه بالتشدد في الفتاوى قال: «أفتي بقرارات المجامع الفقهية. ومن الخطأ أن يقال إنني أتشدد أو أترخص في الفتوى». وحول حكم اقتراض بعض الدول من صندوق النقد الدولي قال إن الاقتراض «جائز بشرط اعتبار الزيادة تقابل جهدا على دراسات وأبحاث وأعمال».
وحول آخر جهود الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح بمصر قال: «نصحنا الأحزاب الإسلامية في مصر بإفساح المجال للمرشحين الإسلاميين الأكثر شعبية».
وتعليقا على الفتاوى المثيرة للجدل من بعض الدعاة الذين يتحدثون في الفضائيات قال: «لا مكان للفتاوى الفردية وقرارات المجامع الفقهية الدولية أحق بالاتباع». وفيما يلي تفاصيل حوارنا مع فضيلته:
• ما جديد د. علي السالوس الآن في الأبحاث والمؤلفات والمشاركة بالمؤتمرات الفقهية؟
- أنا عضو في مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، وعضو في المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي وكنت أقدم أبحاثا لمجمعين.
في السنة الأخيرة اعتذرت عن عدم كتابة أبحاث، وأظن أنني أصبحت ممن ينطبق عليهم قوله تعالى: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ}، حيث لم تعد الصحة تسمح أن أكتب أبحاثا بنفس الصورة التي كنت أكتبها في السابق.
بالإضافة للمجمعين السابقين أشغل وظيفة النائب الأول لرئيس مجمع فقهاء الشريعة بأميركا، لكن انتسابي لهذا المجمع لا يحتاج أن أكتب أبحاثا.
وأكتفي بحضور جلسات المجامع الثلاثة، وأستمع لما تناقشه من أبحاث وقضايا وأقول رأيي فيها.
لا أتشدد في الإفتاء
• يصفكم البعض بأن آراءكم وفتاواكم تميل للتشدد فما تعليقكم على ذلك؟
- أنا لا أفتي برأيي الخاص، لو كنت أفتي برأيي فربما كان قولهم صحيحا.
فتاواي كلها تعتمد على قرارات المجامع الفقهية التي تضم صفوة علماء المسلمين، وهذا الاتهام يوجه للمجامع الفقهية الدولية التي تمثل العالم الإسلامي كله.
أنا لم أخرج في فتوى واحدة على ما قررته المجامع الفقهية الدولية.
والمسألة بالنسبة لي ليست الإفتاء بالأشد أو الأيسر. إنما الالتزام بقرارات المجامع الفقهية لأنها تضم صفوة علماء المسلمين، واجتهادها أعلى اجتهاد جماعي في عصرنا.
وبرأيي الاجتهاد الفردي أمر لا يحل مشكلات العصر.
وقد اجتمعت أنا وعدد من إخواني في الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح بمصر مع فضيلة الشيخ القرضاوي يحفظه الله تعالى ويرعاه، خلال زيارته الأخيرة للقاهرة.
وأثيرت في اللقاء قضية التشدد والتساهل في الفتوى، فقال الشيخ القرضاوي إنه يمثل رخص عبدالله بن عباس، وقال إن الشيخ السالوس يمثل شدائد بن عمر.
والحقيقة أنني لا أمثل شدائد بن عمر لأنني أفتي بقرارات المجامع الفقهية وليس بآراء فردية.
ومن الخطأ أن يقال إنني أتشدد أو أترخص في الفتوى.
وأنا ما تركت البنوك الإسلامية إلا لأنها أرادت الخروج عن قرارات المجامع الفقهية الدولية.
حدث الأمر بالنسبة لهيئة المعايير الإسلامية بالبحرين عندما كانت ملتزمة في معاييرها بقرارات المجامع الفقهية، وعندما اعتبرت نفسها جهة مستقلة للإفتاء ولم تأخذ بقرارات المجامع الفقهية انتقدتها وقلت: إنها بدأت تزل وبينت ذلك في مقال نشرته بمجلة الاقتصاد الإسلامي.
البنوك الإسلامية
• ابتعدتم منذ سنوات عن المشاركة في هيئات الرقابة الشرعية لعدد من البنوك الإسلامية اعتراضا على انحرافها عن تطبيق أحكام الشريعة في معاملاتها، هل ما زلتم على موقفكم، وكيف ترون مسيرة تلك البنوك حاليا؟
- نعم ما زلت على موقفي، بل أصبحت أكثر اقتناعا.
وأظن أنها أصبحت أسوأ مما تركتها عليه قبل سنوات، وما أسمعه الآن أنها زادت سوءا عن الأيام التي تركتها فيها. والأمور التي لم أوافق عليها.
قروض الإسكان
• بمناسبة حديثكم عن البنوك الإسلامية وتحفظكم على عملها، ما رأيكم في قروض الإسكان التي تمنحها الدولة للمواطنين القطريين لبناء مساكن يقيمون فيها؟
- قطر يحفظها الله تعالى ويرعاها ويحفظ جميع المسؤولين كانت تعطي قرضا حسنا للإسكان، وساعد ذلك في حل مشكلة السكن لدرجة كبيرة، ولم يكن أحد يتحرج أو يتأثم لأن القرض كان قرضا حسنا.
ثم لا أدري كيف جاءت فكرة أن تزاد مبالغ على القرض، وتم تفسير الزيادة بأن الدولة تُقرض قرضا حسنا، وبنك التنمية هو الذي يأخذ هذه الزيادة مقابل عمله، وبذلك تنفصل زيادة القرض عن المُقرض والمقترض. بنك الإسكان هو المعُطي والدولة هي المُقرضة، فهي تأخذ الزيادة.
ولكن للأسف الشديد بعد الاطلاع على العقد التأسيسي لبنك التنمية وجدنا أنه لا يوجد هناك مؤسسون ومساهمون غير الدولة.
فالدولة تملك البنك بنسبة %100، أي أن الدولة هي التي تقدم القروض عن طريق بنك الإسكان.
وبالتالي تكون الزيادة التي يتم تحصيلها على القرض للدولة بحكم أن البنك تابع للدولة مباشرة.
وبذلك وجدنا كثيرين يتأثمون ويتحرجون ولا يُقبلون على الحصول على القرض رغم حاجتهم إليه.
والحقيقة أن ما تأخذه الدولة من زيادة على القرض لا يمثل شيئا يذكر مقارنة بما تقدمه من عطايا ومساعدات في الداخل للقطريين والمقيمين ومعونات في الخارج للعرب والمسلمين.
ونأمل أن يعاد النظر في الزيادة التي يتم تحصيلها على قروض الإسكان لأنها لا تمثل شيئا للدولة.
والأفراد لولا التأثم والتحرج والإحساس بأن القرض ليس حلالا لما اهتموا بهذه الزيادة، لأن القرض يتم سداده على سنوات طويلة.
والذين امتنعوا عن أخذ القرض كان امتناعهم نتيجة اعتقادهم بأن القرض حرام.
وأتوجه إلى المسؤولين عبر صفحات «العرب» بأن يعيدوا النظر في الزيادة على قروض الإسكان، وأن ينظروا إلى أولئك الذين ابتعدوا عن أخذ القرض وحرموا أنفسهم من المنحة التي تمنحها الدولة بسبب الزيادة التي لا وزن لها عند الدولة وعند الأفراد لولا الشعور بأنها ليست حلالا.
ولعل الله عز وجل يشرح صدور المسؤولين عن القرض، ويجعلهم أكثر رأفة ورحمة بأبناء قطر الذين هم في رعايتها دائما، والذين يأخذون من الدولة الكثير ولا تبخل عليهم بشيء.
ولعل الدولة لا تبخل على أبنائها بمنحهم قروض الإسكان بلا زيادة.
وأسأل الله عز وجل أن يرينا الحلال حلالا ويرزقنا اتباعه والحرام حراما ويرزقنا اجتنابه، وأن يحمي قطر ومسؤوليها وأهلها جميعا.
القليل والكثير حرام
• ولكن نسبة الزيادة التي يتم تحصيلها على قروض الإسكان قليلة جدا لا تتعدى %1.
- الربا قليله وكثيره حرام، وسواء كانت الزيادة على قروض الإسكان %1 أو أكثر أو أقل فهذا لا وزن له بالنسبة للدولة.
• قد يكون تحصيل الزيادة لتعويض المصاريف الإدارية لبنك التنمية والإسكان، فهل يختلف الحكم بالتحريم في تلك الحالة؟
- يختلف الحكم لو كان البنك مستقلا وله مجلس إدارة مستقل وله مساهمون في رأسماله، كنا نقول إن الزيادة مشروعة لأنها ستعود على المساهمين، لكن المشكلة أن البنك تملكه الدولة بنسبة %100، وليس له مساهمون غير الدولة. إذن فمـــبلغ الزيــــــــادة يـــــعود للــدولة، والدولة في غنى عنه والحمد لله.
الاقتراض للضرورة
• ما حكم المضطرين للانتفاع بقروض الإسكان؟
- الاقتراض بالربا حرام، ويرتفع إثمه ويكون جائزاً عند الضرورة.
والذين يضطرون لقروض الإسكان لا إثم عليهم
لأن الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها.
• ما حدود الضرورات التي تبيح الاقتراض بالربا؟
- الضرورة أن يحتاج الإنسان لمسكن، فإذا وجد مسكنا بالإيجار فلا ضرورة لأن يقترض ليبني مسكنا ملكا له.
ومن الضرورة ألا يجد الإنسان مسكنا مناسبا ملكا أو إيجارا.
الهيئة الشرعية للإصلاح
• وماذا عن رئاستكم للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح في مصر؟ وهل للهيئة نشاط على أرض الواقع؟
- أشرف برئاسة الهيئة، ولها نشاط كبير جدا في مصر. وأضرب لك أمثلة لبعض أنشطتها:
قبل انتخابات مجلس الشعب السابق الذي حكم عليه بالإعدام اقترحنا أن يكون للهيئة ممثل من أحد علمائها في كل دائرة انتخابية للتوفيق بين مرشحي التيارات الإسلامية.
ولم يكن وقتها إلا الإخوان المسلمون وحزب النور.
وفي الانتخابات المصرية القادمة يتوقع أن تشارك 10 أحزاب إسلامية، وقد جمعنا رؤساء هذه الأحزاب وتناقشنا معهم حول خططهم للانتخابات المقبلة. بحيث لا يحدث أي شقاق أو أي اختلاف بين مرشحي الأحزاب الإسلامية يعطي الفرصة لغير الإسلاميين بأن يفوزوا.
وقلنا لهم إذا كانت هناك دائرة معينة فيها شعبية ونفوذ لأحد ممثلي الأحزاب الإسلامية فليدعمه باقي الإسلاميين.
ولا داعي لترشيح منافس له من نفس فصائل التيار الإسلامي.
وشددنا على وجوب عدم الاختلاف حتى لا يحصد غير الإسلاميين الأصوات ويفوز كما حدث في انتخابات نقابة المحامين، وما ترتب عليها من نتائج سيئة على مصر بأكملها.
وأشير هنا إلى أن وقوف الهيئة في صف الدكتور محمد مرسي عندما كان مرشحا للرئاسة، كان أحد الأسباب الرئيسية لدعم موقفه ونجاحه في الرئاسة.
بالإضافة لما سبق أصدرت الهيئة بيانات كثيرة تبين وجهة النظر الشرعية في قضايا وأحداث طرأت على الساحة.
والهيئة تعتبر الآن مرجعا ومظلة للائتلاف الإسلامي في مصر.
فتاوى الفضائيات
• لكم جهد مشكور في الدعوة والإفتاء عبر فضائيات إسلامية، الآن أصبحت فتاوى الفضائيات تنزل على المشاهدين كالسيل المنهمر، ما الضوابط الشرعية التي ينبغي أن يلتزم بها من يتصدى للإفتاء؟
- الضوابط الشرعية التي ينبغي الالتزام بها في
الإفتاء هي قرارات المجامع الفقهية.
وقد أثبت في كتابي (موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة) جميع قرارات المجامع الفقهية الدولية على سبيل الحصر لا الاختيار.
وقد صدرت الطبعة الثالثة عشرة هذا العام، وأضفنا إليها قرارات المؤتمرين اللذين عقدا في هذا العام.
وأحرص على إضافة القرارات الفقهية التي تصدر كل عام.
الفتاوى الشاذة
• هل يصح اعتبار الآراء الشاذة لبعض الدعاة فتاوى تستحق الاتباع؟ وهل يصح اتهام الإسلام والإسلاميين بما يترتب على تلك الفتاوى من ردود فعل؟
- هذا خطأ في وجهة النظر؛ لأن هناك من يعرفون علميا بـ «أصحاب الفتاوى الشاذة» وهؤلاء لا يحسبون على الإسلام.
الذي يجب أن يُحسب على الإسلام هي الفتاوى المنضبطة التي تستند لأدلة شرعية.
والذي يفتي بغير علم ويأتي بفتوى شاذة وينسبها للإسلام يذكرني برأي معتبر للإمام أبي حنيفة.
خلاصة الرأي أن الإمام أبا حنيفة -رضي الله عنه- كان لا يرى الحجر على السفيه خلاف ما قال به جمهور العلماء.
وكان يرى الحجر على ثلاثة: الطبيب الجاهل، والمكاري المفلس، والمفتي الماجن.
ومعنى «المفتي الماجن» أي الذي يفتي بغير علم.
وفي رأي الإمام أبي حنيفة أنه يجب الحجر على من يفتي بغير علم حفاظا على الدين، كما يجب الحجر على الطبيب الجاهل حفاظا على صحة البدن، والحجر على المكاري المفلس حفاظا على المال.
ولو طبقنا ما رآه الإمام أبوحنيفة لما وجدنا مثل هذه الفتاوى الشاذة.
الرأي والفتوى
• هل هناك فرق بين الرأي والموعظة الدينية والفتوى؟
- إذا قال الداعية أو العالم رأيي كذلك ولا أفتي به، فهو رأي شخصي.
وإذا كان الرأي متصلا بالناحية الدينية فيجب أن يتوقف ما دام لا يجد سندا من القرآن الكريم أو السنة النبوية أو إجماع العلماء أو القياس المعتبر.
ويجب أن نفرق بين الآراء الفردية والاجتهادات الجماعية، فالاجتهاد الجماعي يعتبر ضرورة لا بد منها في عصرنا؛ حيث تعقدت الأمور وتشابكت. قديما كان يكفي للمفتي أن يعرف واقعة معينة ويستخدم ملكاته الفقهية ليفتي فيها.
وقد استجدت الآن مشاكل كثيرة تحتاج إلى متخصصين في علوم كثيرة؛ ولذلك لجأت المجامع الفقهية إلى ضم خبراء في العلوم المختلفة. بالإضافة إلى الأعضاء الفقهاء.
وعندما تبحث في مسائل طبية تأتي بخبراء في الطب، وعندما بحثت موضوع البنوك جاءت بخبراء في البنوك، وعندما بحثت في استطلاع الأهلة استعانت بخبراء في الفلك إلى جانب الفقهاء.
وسبق لي أن ألفت كتابا بعنوان «أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار» حذرت فيه ممن يقتحمون مجال الإفتاء.
ووصفتهم بمن يقتحمون النار اقتحاما.
الاقتراض من صندوق
النقد الدولي
• يثار جدل سياسي وفقهي حاليا بخصوص اقتراض بعض الدول الإسلامية من صندوق النقد الدولي، ويعترض البعض على الاقتراض لأنه نوع من الربا الحرام. فما تعليقكم على تلك القضية؟
- ناقشنا هذه القضية في الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح. واقترحنا على أحد المسؤولين في مصر الاتفاق مع صندوق النقد الدولي أن تكون الزيادة على القرض مقابل ما يقوم به البنك أو الجهة المقرضة من دراسات وأعمال.
ومعلوم أن أية جهة تقدم قرضا لدولة تبحث في ظروف الدولة المقترضة وإمكاناتها.
لتعرف هل تستطيع السداد أم لا. وتبحث في المجالات التي سيتم توجيه القرض إليها. وهل هي مفيدة أم لا. ومعلوم أن الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي ليس سهلا، وقد يقابله مال يضاف للقرض ولا يكون ربا، بشرط أن يكون مبلغا مقطوعا ولا يكون نسبة مئوية تبعا للمبلغ والزمن.
• وما التوصيف الفقهي للمبلغ الزائد عند سداد القرض؟
- المبلغ يتم الحصول عليه مقابل عمل ودراسات وأبحاث وجهد من الجهة المقرضة، لا مانع أن يكون هناك مبلغ
يتم تحصيله بالإضافة للقرض.
وقد أجاز مجمع الفقه الإسلامي الدولي للبنك الإسلامي للتنمية في جدة أن يأخذ مبلغا إضافيا فوق القرض، مقابل الإشراف على المشروعات والمنشآت التي يتم تنفيذها من القرض.
وعندما يتولى الإشراف على المشروعات فهو يقوم بعمل، ويجوز أن يأخذ مقابل هذا العمل.