سلمان المالك: أرسم لا لأقيم معرضاً أو أبيع لوحة.. ولكن لأستمتع
منوعات
14 أبريل 2012 , 12:00ص
الدوحة - أحمد الوحيدي
في زمان بعيد وبمعتكف إجباري وضع فيه، درءا لمشاغباته في أروقة الحي أدرك سلمان المالك في الطفولة الغضة البعيدة -وهو يحمل بقايا الفحم بيدين طريتين، ويملأ جدران المنزل بروفات أولى للوحات بالأسود والأبيض- أن عالم الألوان، وسحر الكاريكاتير سيكون عالمه الذي سيكرس فيه أقداره ملونا وساخرا، ومستعيدا لفتنة العالم باللون والريشة.
في طفولته كان يرسم كالكبار، وفي غمرة إبداعه الآن، يستعيد مخيلة الطفل الذي كان ليمده بسحر الألوان، فيستدرك زمنا، استنزفه فيه رسام كاريكاتير، طالما أبدع لوحات ناقدة ولاذعة؛ تحرض وتسخر وتشخص وجعا وتنتزع ضحكات أيضا!.
يرسم بـ «شجن» عال لا «ليبيع لوحة ولا ليقيم معرضا بل ليمارس متعة، بدأها صغيرا في مشيرب» حين كان الأسود والأبيض لونان لكونه الرحيب، فيما الأزرق الغامق يملك خياله ويثير فتنته من بعيد، فيرسم السفن تمضي إلى مصائرها في رحلة الغموض باحثة عن لؤلؤ طبيعي.
كان في البحر الذي أوشك على الغرق فيه «بودرياه» وفي قيظ الحر «حمار القايلة» لكنه جاوز مخاوف الكبار ورعبهم فرسم شخصيته الأسطورية «المسحر» الذي كان بقرع طبله في ليالي رمضان يفتح مخيلة الطفل على لوحة تزين معرض مدارس قطر وتقوده إلى مصاف قبيلة التشكيليين العرب فيما تلا من أيام.
نسي «السدرة» مربط البهائم ومانحة «الكنر» زمنا طويلا، يغازله الحنين إليها فيستعيدها بكامل بهائها في لوحة تتوسط جدار مكتبه في مركز الإبداع الشبابي، حيث هو رئيس لمجلس إدارته يرعى براعم الفن الجديد.
مرت لوحته ومسيرته كذلك بمحطات غير أن أولاها، التي شهدت ميلاده رساما كاريكاتوريا، كان في العام 70 مع ظهورمجلة «العروبة» على يد مؤسسها رائد الصحافة القطرية عبدالله النعمة، والتي لها مآثرها على نهضة المشهد الإعلامي والثقافي بقطر، رسم رسوما وما كان في البال أن تنشر، وفاجأه الناشر برسوماته تملأ صفحات «العروبة» وتتوسط مطارحات شعرية لشعراء قطر إذ ذاك.
على أن المحطة الأساس في مسيرته كانت في أرض الكنانة، طالبا جاءها في وقت كانت فيه مصر تعيش وهجها القومي، وصخبها الثقافي، لم تكن القاهرة غريبة على الصبي الذي كان يرقب أباه يستمع إلى «صوت العرب» مبشرة بتحرر الأمة، وهو الذي أيضا كان يطالع صورة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر تزين أحد جدران البيت.
هناك عاين مجلة «صباح الخير» وروز اليوسف وهما اللتان قد قرأهما وتابعهما في الدوحة، وفي المجلتين اللتين قرأهما عرض عليه الرسم فيهما إلى جانب «بهجوري» وصاحب الرباعيات «صلاح جاهين» وفي عمره المديد التقى برائد وأيقونة الكاريكاتير العربي «ناجي العلي» وبين المدرسة المصرية وناجي العلي، وألف مدرسته الخاصة في فن الكاريكاتير مخلصا لخصوصيته القطرية والخليجية.
بيد أن الكاريكاتير الذي أخلص له كثيرا «ينزف الآن» في ظل هجمة وسائل الاتصال الحديثة التي مالت به إلى «نكات سمجة» وأطفأ حرارة خطوطه وهج الليزر ولعبة الفوتو شوب، لكن المالك لا يزال أمينا لقلمه الرصاص وفحمه الأول ويدرأ عن خطوطه إغراء الكمبيوتر.
وها هو يعود إلى ما لم ينقطع عنه لوحته وألوانه، يخلص لهما بعد فترات أحس أن الكاريكاتير ومحرقة الصحافة اليومية قد سرقاه من لوحته.
«العرب» أشعلت فتيل الذكريات مع الفنان التشكيلي ورسام الكاريكاتير المبدع سلمان المالك، وكان هذا الحوار عن قرب:
¶ أنت واللوحة عشق لا ينفصل، لكني أعود إليها وإليك اللوحة بوصفها مسطحا أبيض ناصعا، ماذا تذكر عن خربشاتك الأولى عليها؟
- لم يكن المسطح الأبيض الأول في مشواري التشكيلي ورقة، كان مسطحا أو مسطحات يشبهها في بياضها، إلا أنها كانت كبيرة وواسعة، تلك المسطحات البيضاء هي جدران بيتنا الأول، والأقدار وحدها من قادتني، لتسويد ذلك البياض بخربشات الطفولة الأولى... وجدتني صغيرا يحبسه أبوه بسبب شقاوته وخلافه مع أطفال الحي «حدد علي إقامة جبرية» درءا للخلافات مع أولاد الحي.
وككل الأطفال الذين يختزنون حيوية هائلة، وجدت في جدران المنزل البيضاء من (الجص) مساحة للتفريغ، كان يغريني بياضها، فألونها ببقايا الخشب المحروق (الفحم) الذي تستخدمه الوالدة للطبخ، وببقايا الفحم ذاته كنت أملأ جدران البيت الأبيض بخربشاتي، بقايا الفحم كانت تغريني، باستخدامهما وتسويد الحوائط، كانت تلك هواياتي، في زمن فيه القليل من مساحات اللعب تلك المصادفة الحادثة ربما هي التي قادتني إلى عالم الأسود والأبيض.
ولعلي بعد سنين طويلة من ممارستي لفن الكاريكاتير، فسرت هذا العشق الممتد إلى أيام الطفولة الأولى وأعتقد أن رسمي بعد ذلك هو امتداد لرسوم أولى على الحوائط، بعد ذلك، التفت أساتذة التربية الفنية إلى أن لدي ما يميزني عن أقراني، تلقيت إطراءات كثيرة، وأفسحوا لي مجالا للرسم والانضمام إلى حصص إضافية فنيه، أحسست فيما تلا أن هذا طريقي وقدري لأصبح فنانا تشكيليا.
بيد أن أجمل ما أذكره عن تلك الطفولة هو يوم كان مخصصا لعرض الرسوم واللوحات الفنية، لجميع المتميزين من طلبة قطر في بداية الستينيات حيث كانت تعرض الرسوم في قسم التغذية، -الآن أزيل- وكان المعرض بما يشبه العرس الفني يؤمه الطلبة وآباؤهم، ذهبت ووالدي إلى هناك لرؤية المعرض وكم كانت المفاجأة عظيمة ومدهشة، حين طالعت ووالدي إحدى لوحاتي تزين المعرض. في تلك اللحظة رأيت مستقبلي فنانا ورساما، كان ذلك في المرحلة الابتدائية، سارت الأمور في دراستي على نحو جيد، أزداد تعلقا بالرسم، وأنتظم في دروسي بشكل جيد كما يليق بطالب يعرف ما يريد، إلى أن أنهيت الثانوية العامة في العام 76، وحصلت على منحة لدراسة إدارة الأعمال في أميركا لكنني رأيت قدري في مصر طالبا في الفنون، وفعلا ذهبت إلى القاهرة وأنهيت هناك درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف وبتقدير جيد جدا، ربما ما استفدته من الحراك والحيوية التي كانت تضج في القاهرة آنذاك أكثر من إفادتي الأكاديمية.
«المسحر» نص لوني أول
¶ أعود إلى حديث لا يشبع منه أعني حكايات الطفولة، وأسأل عما اجترحته مخيلة الطفل آنذاك ولوحتك الأولى؟
- أذكر ولا أزال مشهدا طفوليا أثيريا بالنسبة لي، الأفق والبحر الممتد بزرقته، والسفن تعبره، وتمخر عبابه، الصحراء بصفرة رمالها وتدرج ألوانها، ذلك أو تلك مشاهد بالعادة تأخذ البطولة، كموضوع للرسم والتشكيل، لاعتبارها مفردات البيئة، لكن اللوحة الأولى التي علقت في معرض المدارس كانت عن «المسحر» في رمضان شخصية خيالية وأسطورية هذه الشخصية التي تسمع قرع طبلها في الليل وصوتها، شكلت على ما يبدو هذه الشخصية الخيالية الواقعية إلحاحا على مخيلة الطفل آنذاك فرسمتها، أقول الآن بعد زمن طويل على لوحة أولى «لم تكن شخبطات طفل، بل كانت وعيا بمفردات تلهمك إياها البيئة» أعود للحديث عن البحر الذي ملك علي خيالي –رغم خوفي الشديد منه- ولذلك قصة رسمته ورسمت رحلة الغوص، ما لونته وشكلته هو أشياء درامية وتوثيقية لما شغفته به وأحببته، عوالم البحر كان علي اكتشافها –ربما لم تكن ذات قيمة فنية عالية- أعني وربما من المفارقات أنني لم أكن في طفولتي أرسم كالأطفال لكنني الآن أستعيد الطفل الذي كان وفيه شيء كثير بداخلي الآن لأرسم، (أترك ذلك للنقاد ليقولوا ذلك) وما أعنيه أنني فعلا كنت أرسم على طريقة الكبار.
سيرة اللون
¶ نتحدث عن سيرة اللون، ما الذي يأسرك منه وما الذي يطغى على مسطحاتك البيضاء؟
- أذكر عن زاوية من زوايا البيت (بيتنا) كان لونها من الداخل أزرق فاتحا ومن خارجها غامقا، الألوان المحيطة بي زرقاء: البحر أزرق، السماء زرقاء، ولون غرفتي أزرق أيضا، ملكني لون البحر، وبعد ذلك رأيت الصحراء بلونها البني والأصفر بكل تدرجاتها، اللون الأخضر كان مفقودا في مشهدي، ولولا السدرة الخضراء في فناء البيت لربما غاب هذا اللون، أحاول الآن في لوحة استعادة السدرة التي كانت في حوش الدار، وكنت أعتقد أنها محور الحياة، كنا نربط بهائمنا تحتها ونأكل ثمرها الكنار، هذه السدرة هي شجرة البيئة القطرية فهي التي تقاوم الحر طويلا وبصبر عال، وتستغني عن الماء واستغرب الآن أنني أستعيد كل تلك المؤثرات الطفولية الأولى.
عودا إلى الألوان هي اكتشاف المحيط، وربما كنت عاجزا في فترة ما عن تخيل ألوان أخرى، أتحدث عن الطفل هنا رغم سعة مخيلته إلا أنه بالتأكيد ليس بسعة مخيلة الطفل الآن الذي هو كوني بامتياز.
رعب الحزايا
¶ ماذا عن الحكاية بوصفها مغذياً للوحاتك؟
- تستدعي حزايا الطفولة وأقصصها للتخويف غالبا، كان الأهل يخوفوننا من «حمار القايلة» وبودرياه «غول البحر» حتى لا نخرج من البيت، حاولت تخيلهم وتوثيقهم ففي لوحاتي، كنت أرسم ما أشاهد وما أتخيل، البحر ما شاهدته، والحزايا كانت تزودني بما يمكن تخيله، والمسحر العرضة هناك أشياء في مخيلتي حاولت أن أستدعيها للوحاتي وهي الشخصيات الأسطورية، حاولت أن أرسمها وكانت جميلة ومبتكرة.
¶ بين الواقعية التسجيلية والتجريد مساحات زمنية قطعتها لوحتك في رحلتها الطويلة، كيف تستعيد محطات هذه الرحلة؟
- العام 1970 هو المحطة الأساسية بالنسبة لي وهو الذي شهد ميلاد أول مجلة في قطر «العروبة» صدرت أولا شهرية، ومن ثم «أسبوعية» تلك الفترة ولد معها اهتمامي برسم «الكاريكاتير» والرسوم المصاحبة، كنت أرسم وأبعث إلى المجلة، لم يرد على خاطري أو أنني لم أكن أتوقع نشرها، لكنني فوجئت بنشر هذه الرسوم، وهذا شجعني على المضي في طريق «الكاريكاتير» وثمة أمور ساعدتني على الاستمرار في الرسم من بينها أن الرسم بالأبيض والأسود لم يكن مكلفا ماديا، كانت ترافق الرسوم قصائد لأحمد عبدالملك في ذلك الوقت، وكانت تجري مطارحات شعرية في ذلك الوقت على صفحات المجلة تحت عنوان «أتحداك» ووجدت رسوماتي تنشر مصاحبة للقصائد، والرسوم منوعة، كانت إضافة واستنساخا لبعض المدارس، كانت هذه محطة لدخولي عالم الصحافة والنشر، فيما تلا كنت أرسم أكثر نضوجا، وأوظف النزوع النفسية لملامح الوجوه التي أبدعها، وهناك الكثير من الرسوم التي تمثل مرآة لما أحس به وأنشره، قد تكون هذه الفترة فترة «ساذجة» لكن المحطة الأخرى الحقيقية هي سفري إلى القاهرة، انتقلت من مجتمع الدوحة الصغير إلى مجتمع أرحب وأوسع، من فضاءات مغلقة إلى فضاءات مفتوحة فيها الكثير من التجارب، والمعارض، المجتمع المصري ومشهده الثقافي آنذاك كان يضج بالحيوية، على صعيد سياسي وثقافي وأعتقد أن هذه هي البداية الحقيقية، في مرحلة الثانوية بالدوحة كنت أتابع مجلتي «روز اليوسف» و «صباح الخير»، هاتان المجلتان كان لهما التأثير على فكري السياسي، والمد القومي اللذين تفتحت عيني عليهما، وكان أيضاً بقايا المد الناصري في بداية عهد السادات، وأذكر أن والدي –رحمه الله- كان يعلق صورة كبيرة للقائد جمال عبدالناصر في صدر البيت، وكثير من أهل قطر في ستينيات القرن الماضي ينظرون إليه باعتباره المخلص والقائد نصير الشعوب العربية، كنت أراقب والدي وهو يستمع عبر مذياع كبير إلى إذاعة «صوت العرب» وكان الوالد يعمل في شركة قطر لم تكن في تلك الأيام عمالة آسيوية وكان معظم أهل قطر يعملون في شركة النفط، بعد الحرب العالمية الثانية وظهور اللؤلؤ الصناعي الذي آذن باندثار عمليات الغوص والبحث عن اللؤلؤ، توجهت إلى روز اليوسف وصباح الخير وكنت مغرما بكتاب ذلك الوقت ورساميه وشعرائه صلاح جاهين، وجورج البهجوري، ورموز كصلاح الليثي وبهجت عثمان، وأجمل ما أنتج الكاريكاتير العربي كان في صباح الخير.
وكنت أتردد على روز اليوسف واحتضنوني وحتى إنهم عرضوا علي الرسم في المجلة لكن ترددي وعدم ثقتي في نفسي في ذلك الوقت حالا دون انتظامي في الرسم في تلك المجلة، وعرضوا علي عمل صفحة وقالوا لي وقتها «نريد أن نرى الشارع المصري بعيون غير مصرية» كان وقتها رسامون أجانب يرسمون في المجلة وأذكر أن «مصطفى حسين» كتب لي في ذلك الوقت أنا سعيد بانضمام قطري إلى قبيلة رسامي الكاريكاتير في الوطن العربي» وكان ذلك في الـ78 وحتى كثير من المدرسين لي في تلك الفترة هم من رموز الحركة التشكيلية في مصر وكانت الأجواء صحية تنبئ بظهور فنانين «كان أواخر المدرسين المحترمين، وما أراه أن الجيل الحالي لم يرضع، مثل هذه الإبداعات الجميلة».
¶ المدرسة المصرية من شغفتك في فن الكاريكاتير، أسألك عن مدرسة ناجي العلي وما كان يمثله؟
- لا أريد أن أدخل في التنظير لفن الكاريكاتير، لكن الفن الأجنبي لرسم الكاريكاتير كانت بوابته من مصر، لكن بعد ذلك شهد الدور المصري تراجعا في كل شيء ومع ظهور الصحافة اللبنانية كانت ثورة في الشكل والمضمون، الشهيد الراحل ناجي العلي يشرفني أنني التقيت به شخصيا، وهو حدث ونفس غير عادي في مشهد الكاريكاتير العربي ومدرسة جديدة، المدرسة المصرية تعتمد على «الرغي» الحكي، فيما ناجي العلي أمسك بالعصا من الوسط وقدم كاريكاتيرا يوازن بين القضية الموضوع والخطوط، وهو من أدخل الكاريكاتير الأسود وكان يعكس في رسوماته قضيته التي هي قضيتنا الأولى القضية الفلسطينية، دشن مدرسة، جميعنا كرسامين اتجهنا إليها، طبعا أنا تعرفت على مدرسة ناجي في الثمانينيات، وكانت مدرسة طاغية وتجاوزت ما سبق، أذكر أن صحيفة «نيويورك تايمز» وضعت صورة لناجي العلي في صفحتها الأولى وقالت إذا أردتم أن تعرفوا رأي العرب في أميركا تابعوا هذا الرسام» وإذا كانت المدرسة المصرية قد تركت بصمة، فإن ناجي العلي قد ترك بدوره، بصمة هو الآخر في جيل ومدرسة الكاريكاتير العربي، بالنسبة لي كنت حصيلة بين التجربتين، لي بالتأكيد خصوصيتي القطرية في الكاريكاتير الخاص بي، هناك دمج بين المدرستين.
تغيير النظرة النمطية
¶ أنت واحد من قلة يرسمون، كيف استقبلت نقدياً هنا في قطر والخليج؟
- أستدعي هنا عبارة قالها أحد المسؤولين، «كنت أعتبر أن رسم الكاريكاتير نكتة، وعندما بدأت ترسم اختلفت نظرتي، تشكل لدي قناعة أنه يمكن أن يكون رسما ناقدا ومحرضا ويشكل رأيا عاما في بعض الأحيان»، وأنا الآن أول شيء أطالعه في الصحيفة هو رسم الكاريكاتير، قديما لم تكن الناس تتقبل النقد خصوصا في المجتمعات الصغيرة المحافظة، وأنت عندما تضع يدك على الجرح تؤلم، لكنه مشرط الجراح الطبيب، لست مصلحا اجتماعيا لكني أضع يدي على المشكلة أضع مشكلة رجل الشارع البسيط الذي أنتمي إليه، أنا أقول رأيي عبر رسمي، الآن الناس وعوا أكثر دور الكاريكاتير وأهميته وهم بدؤوا يتقمصون دور الرسام ويرسمون، بعض القراء يبعثون لي باقتراحاتهم لأرسم كاريكاتيرا.
في قطر حوالي ستة رسامين للكاريكاتير اليومي في الصحافة وكنسبة وتناسب بين عدد السكان والمبدعين هذا رقم جيد، وعندما تعد رسامي الكاريكاتير في الوطن العربي لا تجدهم يتجاوزون الخمسين أو ستين رساما، ورسامونا متميزون وعندهم لماحية هائلة، هؤلاء لم يخرجوا من عباءتي، تميزوا بفضل جهودهم واجتهاداتهم الذاتية، وهم الفنانون الحقيقيون ولا أعتبر نفسي أبا لأحد ربما كنت سابقا لهم بفعل الزمن فقط.
¶ تنتمي إلى مدرسة الكاريكاتير الاجتماعي، لماذا لم تغرك السياسة للاقتراب منها؟
- قدمت الكاريكاتير الاجتماعي بوصفه يحتمل النقد السياسي، أما عن السياسة بلونها الفاقع، فإنه سهل عليك أن تشتم أميركا، وربما يكونون سعداء بذلك رسمت عن التسلط الأميركي، وكان الملحق الثقافي يبعث لي كتبا ويدعونني لزيارة أميركا، كانوا سعداء باعتبار هذا رأيا آخر، وليست بطولة أن تشتم الاستعمار وأميركا وربما ليست فنا.
¶ ما مرجعياتك في التقاط تفاصيلك وشخوصك الكاريكاتيرية؟
- أنا جزء من هذا المجتمع وحياته وحراكه اليومي ولست منفصلا عنه، أذهب إلى المجالس، وأستمع وأشارك وأقول إن رغبات وتفاصيل القطريين وحتى أمانيهم متشابهة، وما يسعدهم ويغضبهم واحد لكن هناك في المجتمع القطري والخليجي ثقافات مختلفة أيضا، هنا يمكنك أن تستدعي هذه الشخصيات ضمن إطار المجتمع متعدد الثقافات في قطر، هؤلاء كلهم موجودون في محيطك، أعتقد أن هناك زوايا مهمة، وهناك التدفق الآسيوي الذي له انعكاساته المهمة في المجتمع، خاصة تلك التي تتصل بالعادات والتقاليد من جهة، واللغة من جهة أخرى، أذكر أنني رسمت كاريكاتيرات عن الخادمة، وعن مفارقات اللهجة.
مقاربة نقدية
¶ ماذا عن المقاربة النقدية لمجمل إبداعك في مسار الفن التشكيلي؟
- أظن أن تجربتي التشكيلية لم تأخذ حقها من النقد، وربما أنا كنت قد ظلمت التجربة التشكيلية لدي ولم أقدمها بالمستوى المطلوب، الآن أنا أعيش التجربة التشكيلية، ذلك أنني قد تشبعت من رسم الكاريكاتير، أظن أنه قد بدا الآن يزعجني ويفقد بريقه، بسبب من وفرة وسائل الاتصالات الحديثة ووفرتها كالفيس بوك وتويتر، فقد أصبحت أكثر إثارة من الكاريكاتير وأكثر تأثيرا أيضا، وأصبحت تحرك الشارع على عكس الكاريكاتير الذي يشهد تراجعا في تأثيره، والذي كان يحتفى به في المطبوعات ولو أن ناجي العلي رحمه الله موجود الآن، أتساءل الآن كيف يمكنه أن يتعاطى مع الواقع الراهن، بكلمة الكاريكاتير الآن ينزف، ويعاني من دخلاء كثيرين على هذا الفن الذي بينه وبين النكتة شعرة، أصبح الآن للأسف مجرد نكتة، الفوتوشوب ودخول الكمبيوتر على رسم الكاريكاتير أفقده وهجه، وبالنسبة لي فللآن ما زلت أستخدم القلم في الرسم، قد أكون تقليديا ولكن هذا الرسم بالقلم ما زال يمنحني الإحساس بحميمية الخطوط، لربما لذلك التراجع الذي يحياه فن الكاريكاتير الآن، يجعلني أحس بالغربة، وهو من جانب آخر يدفعني مجددا إلى التشكيل واللوحة، وبكل مشاعري وأنا الآن أنتج كثيرا من اللوحات ولا أعرضها لكنها تحل إشكالية نفسية بداخلي.
لوحة عربية
¶ عملت على عدد من الموضوعات في اللوحة «الوجوه» و «الكراسي» ما الذي تريد للوحتك الوصول إليه؟
- أحاول أن أرسم لوحة عربية، وهنا لا أريد أن أكرر الجمل المستهلكة حول الأصالة والمعاصرة والتراث والحداثة، والمحلية والعالمية، أحاول كما قلت أن أقدم لوحة عربية من حيث المضمون، ولكن بلغة وأدوات حديثة ومعاصرة، فيما يتعلق بالموضوع فأعتقد أن المرأة تحتل البطولة في لوحاتي.
لم أرسم المرأة بناء على مشاعر متعلقة بالمرأة بوصفها أما ومعشوقة، كنت أنطلق من مفاهيم فكرية وربما سياسية، تتعلق بضرورة مشاركة المرأة في الحياة العامة، في ذلك الوقت الذي كان فيه محدودية للمرأة ومشاركتها، تحدثت عن المرأة الحلم والمرأة الوطن وتحدثت عنها بما أنها بعيدة عن المفاهيم الحسية، وحين عرضت في العام 2004 معرضي في قاعة بيسان أسميته «تحولات اللون وانتباهة الكائن، المرأة تحولت بالنسبة لي ككائن بعد دخولها معترك الحياة، أي كإنسان فاعل، تتالت بعد ذلك هذه الثيم المتعلقة بالمرأة في معرض «خطوات» و «شجن» وكلها امتداد لهذا الكائن، وكما أشرت في بداية الحديث فأنا أستمتع بهذه الاستعادة، كشجرة السدرة مثلا، في أعمالي وأستدعي الطفل الذي بداخلي في لوحاتي، ليمدني ببهجة الألوان التي تسحر الطفل، ألوان مليئة بالحيوية والفانتازيا. أنا لا أرسم لأقيم معرضا أو أبيع لوحة أنا أرسم لكي أستمتع.
روح تواقة للرسم
¶ ما بين المسحر اللوحة الأولى لك والآن هل ثمة رضا ينتابك حول المنجز؟
- أحس أن روحي تواقة للرسم، وما زال لدي الرغبة الهائلة بذلك ومن حسن حظي أن لدي عائلة تقدر وتسعد بهذه الروح التواقة للتشكيل، كل أولادي توجهوا إلى عوالم الأرقام، لكن لي ابن يعشق السينما وربما هو الوحيد القريب إلى عالمي الإبداعي، وابنتي الكبيرة مدرسة تربية فنية وما بينهما لا علاقة له بالفن.
وعن الهوايات فأنا أحب جمع «الأنتيك»، الطوابع، العملات، علب الكبريت لكنها هوايات معظمها أصابها الضمور، وأتمنى أن أعطى من العمر لأساهم في المشهد التشكيلي الخليجي وأن أكون قد أسهمت ولو بجزء يسير في إثراء هذا المشهد، وأنا سعيد بهذا النضج في المشهد التشكيلي القطري الذي هو أكثر حيوية وحضورا في العالم العربي.