

دعا رجال دين ومواطنون إلى الصوم عن الإسراف والمبالغة في الاستهلاك والتسوق في شهر رمضان المبارك، منوهين بضرورة الاقتصاد في مظاهر الطعام والشراب والتركيز على مقاصد الصيام الحقة.
وأكدوا لـ «العرب» أن ازدحام الأسواق لشراء مستلزمات المأكولات والمشروبات بشراهة يعكس صور الإسراف والتبذير في الشهر الفضيل، وهو ما يتنافى مع مقاصد الصيام، فضلا عن مبادئ الشريعة الإسلامية التي طالما حذرت من الإسراف.
ونوهوا بأن ما يسمى «نقصة رمضان» التي كان يتم تبادلها بين المعارف والأصدقاء والجيران، تحوّرت من «شكلها القديم البسيط إلى شكل أكثر تعقيدًا يرهق الميزانيات»، بعد أن اتخذت شكلا ترفيا وتباهيا أكبر من أن تكون سدا للحاجات وجسر محبة بين الأفراد.

مذموم ومنهي عنه
وقال فضيلة الداعية الدكتور محمود عبد العزيز أبو المعاطي، أستاذ الفقه المقارن وعضو مكتب الفتوى سابقاً: ان الإسراف في إعداد موائد الإفطار في رمضان، أو في غيره مذموم ومنهي عنه لا سيما في الطعام والشراب، وقال الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: 31]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَات يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ) [رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني في صحيح الترمذي]. وأضاف أن الإسراف في الطعام والشراب فيه مفاسد كثيرة منها أن الإنسان كلما تنعم بالطيبات في الدنيا قَلَّ نصيبه في الآخرة، روى الحاكم عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَكْثَرُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
ورواه ابن أبي الدنيا وزاد: (فما أكل أبو جحيفة ملءَ بطنه حتى فارق الدنيا). وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (والله إني لو شئت لكنت من ألينكم لباساً، وأطيبكم طعاماً، وأرَقِّكُم عيشاً، ولكني سمعت الله عز وجل عَيَّرَ قوماً بأمر فعلوه فقال: (أَذهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) [الأحقاف: 20].
ولفت إلى أن من مفاسد الإسراف الطعام أن الإنسان ينشغل بذلك عن كثير من الطاعات، كقراءة القرآن الكريم، والتي ينبغي أن تكون هي الشُّغل الشاغل للمسلم في هذا الشهر الكريم، كما كانت عادة السلف، فتجد المرأة تقضي جزءاً كبيراً من النهار في إعداد الطعام، وجزءًا كبيراً من الليل في إعداد الحلويات والمشروبات، وكذلك أن الإنسان إذا أكل كثيراً أصابه الكسل، ونام كثيراً، فيضيع على نفسه الأوقات الفاضلة، وقال سُفيان الثَوري رحمه الله: «إذا أردت أن يَصح جسمك ويقل نومك أقلل من طعامك»، ومن مفاسد الإسراف في الطعام أيضا أن كثرة الأكل تورث غَفلة القَلب، وقيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «هل يجد الرجل من قِلبه رِقَّةً وهو شَبِعٌ؟ قال: ما أرى ذلك»، منوها للإسراف مشاكل عديدة؛ منها مشاكل ماديَّة تقع على كاهِل الأسرة، ومشاكل صحِّية؛ حيث إنَّ الإسراف في أكل ما لا حاجة للجسم له من الطَّعام يعود بالمشاكل الجسيمة على الجهاز الهضمي للإنسان، موضحا أن الحِكمة من الصيام هي شعور المسلمين بحاجة الضعفاء والمساكين، وليس المزيد من الإسراف والتبذير فيما لا فائدة منه؛ لذا فإنَّ الاهتمام بالمأكولات والمشروبات أمر يهدِّد استفادة المسلمين من حِكمة الصيام، داعيا الأسر المسلمة إلى تجنُّب مصاحبة المسرفين والمترفين، وملازمة الذين يَدعون ربَّهم بالغداة والعشيِّ يريدون وجهه، وفي هذا الخصوص يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرجل على دِين خَليله، فلينظر أحدكم مَن يُخالل)، كما قال صلَّى الله عليه وسلم: (لا تصاحِب إلَّا مؤمنًا، ولا يأكل طعامَك إلَّا تقي).
ظاهرة لافتة
وأوضح أن ظاهرة الإسراف في المأكل أصبحَت ظاهرة لافتة، رعاها الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، التي جعلَت المشتركين فيها يَحرصون على تكبير الموائد وتزيينها من أجل التِقاط صورة، فأصبحَت ظاهرة مجتمع، وأصبح ارتباط رمضان بالأكل ارتباطًا وثيقًا، حتى اقترنَت بعض الأطعمة والمشروبات بهذا الشهر دون غيره. أما عن الخطابة، فقد أكد فضيلته أن الخطابة كانت نشاطا متميزا مع ظهور الإسلام، وذلك لأن رسالة الإسلام هي خطاب من الله تعالى إلى خلقه، تكلف النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه بتبليغه وكانت وسيلتهم لأداء هذه المهمة، كل ما أمكن من وسائل البيان والاتصال، وعلى رأس ذلك أسلوب الخطابة، وكان أول من وقف خطيبا هو رسول الله حين أمره الله تعالى «وأنذر عشيرتك الأقربين» 14، فصعد جبل الصفا فقال (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيّ؟)، قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقا، قال (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد).
واستمر عليه الصلاة والسلام في استثمار كل فرصة سانحة ليخاطب جموعهم، مذكرا وناصحا وداعيا إلى الله، وبمثل ذلك قام أصحابه في مختلف الأحوال، إلى أن استقر الإسلام في المدينة، فشرع الحق سبحانه لعباده عبادة أسبوعية كل جمعة، جعل من شعائرها الخطبة، فأصبحت الخطابة لازمة لدخول الناس في الإسلام.

مسؤولية مشتركة
قالت د. لطيفة شاهين النعيمي إن ظاهرة الإسراف والتبذير في شهر رمضان من الظواهر السلبية في مجتمعنا، والتي ما زالت تتفاقم بشكل مستمر، منوهة بضرورة أن تكون الثقافة التوعوية الدينية لهذا الشهر الفضيل مسؤولية مشتركة لجميع أفراد المجتمع، من خلال تكاتف الجميع للحد من آفة الإسراف التي اتخذت مسارات متعددة وتنوعت في أشكالها، موضحة أن هناك نساء تتباهى بموائدها وتحاول التفنن بأنواع مختلفة من الأطعمة والمشروبات في موائد رمضان، وتجعلها ميداناً للتنافس مع أخريات في تعدد أصناف الطعام تفوق عدد وحجم من يلتف حولها من الصائمين.
وأضافت: جرت العادة في مجتمعاتنا الخليجية على الاهتمام المبالغ فيه بالطعام خلال شهر رمضان، حيث تتسابق الأسر في الشراء والاستعداد لتجهيز المأكولات الرمضانية قبل بدء الشهر الفضيل بمدة لا يستهان بها، الأمر الذي ينعكس سلباً على الطعام الفائض، لينتهي به المطاف في سلة القمامة. وإذا نظرنا إلى ديننا الحنيف، سنجد أن الله -سبحانه وتعالى- حرّم الإسراف والتبذير في قوله تعالى: «وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» صدق الله العظيم، مبينة أن الطعام والشراب إحدى نعم الله علينا والتي يجب على المسلم أن يحافظ عليها، كما يجب أن نضع نصب أعيننا أن الزيادة في إعداد الطعام على الموائد الرمضانية من أجل إطعام الطعام، وليس لرميه في سلة القمامة، ففي حالة زاد الطعام عن حاجة الأسرة، يجب أن يتم إعادة ترتيبه بشكل جيد، وتقديمه للفقراء أو توزيعه عند المساجد للمحتاجين، أو أقل ما يمكن فعله أن يقدمه طعاماً للحيوانات، المهم ألا يتم إلقاؤه في سلة المهملات، فهذا الطعام نعمة ورزق من الله -سبحانه- يجب أن يحافظ عليها المسلم، بعيداً عن الإسراف والتبذير. الأمر الذي يشير إلى أن الإسراف والتبذير في الموائد الرمضانية، يعكس سلبيات كثيرة، سواء من الناحية الدينية، التي فيها مخالفة لشرع الله، أو الناحية الصحية، حيث يصاب عدد من الصائمين باضطرابات معوية بسبب كثرة الأكل، إضافة إلى أن البعض يصاب بخيبة أمل، عندما يتوقع أن وزنه سيقل خلال شهر رمضان، فيفاجأ مع نهاية الشهر الفضيل، بأن وزنه زاد، وهذا بلا شك يؤثر في الجانب النفسي، مؤكدة ان شهر رمضان «للتدبير وليس للتبذير».
التبذير تنشئة اجتماعية
وترجع الدكتورة بتول خليفة أستاذة الصحة النفسية موضوع الإسراف والتبذير عموما إلى التربية والتنشئة الاجتماعية، مشيرة إلى ظاهرة الإسراف في رمضان كنمط من أنماط السلوك الذي يتربى عليه الإنسان في أسرته ويصبح فيما بعد شكلا متعارفا عليه في المجتمع، وأوضحت أن ما يشجع هذا النمط من السلوك الإعلانات والعروضات التجارية في شاشات التلفزة والصحف والجمعيات التجارية. وترى أن كل هذه الأمور هي بمثابة إغراءات وتشجع على الإسراف. وتدعو خليفة الناس إلى الصيام عن الإسراف في رمضان وتعتبر الشهر الفضيل فرصة لتدريب الأبناء على عدم التبذير. وتحذر من رمي الطعام في رمضان، وتطالب ربات البيوت بأن تضع الفائض منها في علب ليتم توزيعه على محطات البترول وسكن العمال وفي الجوامع، مشيرة إلى أنها تقوم بذلك على المستوى الشخصي.