الاستبداد هو من يطرح التخيير بين «الحرية» و«الحياة»
محليات
14 مارس 2016 , 01:55ص
اسماعيل طلاي
انتقد المفكر العربي، الدكتور: عزمي بشارة لجوء البعض إلى تحميل مفكري النهضة مأزق الحريات في الوطن العربي بدل مناقشة الأنظمة الاستبدادية، واصفا إياه بـ»المنطق المقلوب»، مشدّدا في الوقت ذاته، على أنه لا تصح المساومة بالتنازل عن الحريات المدنية والسياسية في مقابل حماية نظام الاستبداد للحريات الشخصية، مثلما لا يصح تدخل أي نظام في حياة الناس اليومية، بداعي حماية الحريات المدنية والسياسية؛ لأن ذلك يؤدي حتما إلى قمعها.
جاء حديث الدكتور عزمي بشارة في محاضرته الافتتاحية لليوم الثاني، من فعاليات المؤتمر السنوي الخامس للعلوم الاجتماعية والإنسانية الذي يعقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة لمدة ثلاثة أيام، بحضور لافت لعدد من الأكاديميين والباحثين من مختلف الدول العربية، إلى جانب عدد من السفراء وممثلي البعثات الدبلوماسية بالدوحة، وإعلاميين يتقدمهم الأستاذ ياسر أبوهلالة، مدير قناة الجزيرة الإخبارية.
وتحت عنوان "الحرية" في الفكر العربي، أكد الدكتور بشارة على مجموعة من الأفكار المهمة في السياق العربي، وفي مقدمتها رفض المساومة بالمفاضلة بين الحريات والحفاظ على الاستقرار أو الحفاظ على الحياة.
أخذت المناقشة الفلسفية لـ"الحرية" الحيز الأكبر في محاضرة الدكتور عزمي بشارة، وأشار منذ البداية إلى أنه يذهب في ذات اتجاه القائلين بأن "الحرية" ليست معطى طبيعيا، وأن الإنسان لا يولد حرا فكريا وجسديا وإراديا، وعندما يقول البعض: إن الإنسان يولد حرا فإنما يقصدون أنه لم يولد عبدًا، ولخص قوله في أن الإنسان لا يولد حرا وأن الحرية لا تشترى جاهزة ولا تورّث، وأنها تقوم على العقل والإرادة.
وطاف المحاضر في أرجاء الفكر الغربي الكلاسيكي والليبرالي والحداثي، وكذلك في الفكر النهضوي العربي والمعاصر، وقبلها في الفلسفة الإغريقية اليونانية، في فحص الجوانب المختلفة لمقولة الحرية، وانتهى إلى التأكيد أن الحرية ليست أنطولوجية ولا كوزمولوجية فهي في الوعي والممارسة الإنسانية وليست في الكون.
وخلص إلى أن "الحرية" في نطاق العلوم الاجتماعية والإنسانية مصطلح وليست مفهوما؛ لأن المفترض في المفهوم هو أن يقدم للباحث في هذه العلوم أداة تحليلية لفهم الظواهر وهو ما لا يوفره مصطلح "الحرية"، على الرغم من الإشكاليات التي تثيرها مناقشة "الحرية" كمصطلح، ولخّص الدكتور عزمي ذلك بالقول: "الحرية بحد ذاتها.. قيمة، وليست مفهوما، ويصعب تطويرها كمفهوم".
وأوضح المفكر العربي أن المناقشة الفلسفية لـ"الحرية" ليست جوهر ما يجب التركيز عليه، وأن مهمة الفكر العربي والباحثين العرب هي في تشخيص المسائل ذات الصلة بمسألة الحرية والحريات في الواقع العربي المعاصر. وقال: "يكمن التحدي الحقيقي في قدرتنا على مغادرة النقاش الفلسفي حول الحرية والانطلاق إلى مسائل الحريات وشروط تحقيقها في واقع المجتمعات والدول العربية".
والمسألة واضحة في نظر الدكتور عزمي بشارة، بأن قيام البعض بتحميل عدم مثابرة مفكري النهضة مسؤولية مأزق الحريات في أقطار الوطن العربي، ينطلق من طرح مقلوب يتجنب مناقشة الأنظمة السياسية الاستبدادية نفسها، ولكنه يؤكد أيضا أن التحرر من الطغيان من دون تأسيس للحريات ونظام يحمي هذه الحريات، قد ينشئ لطغيان جديد، أو لفوضى مؤقتة تقود إلى طغيان، ويرى أن الديمقراطية هي النظام الذي يمكن أن ينظم الحريات ويضمنها في الوقت ذاته.
وخصص المفكر الدكتور عزمي بشارة القسم الأخير من محاضرته لاستعراض أبرز الأسئلة العملية التي تنتج من النقاش الفلسفي والفكري الذي قدمه حول "الحرية" ومن تحديات الحرية والحريات في الواقع العربي الراهن.
وأول سؤال يفرضه طرحه يتعلق بفكرة أن "الحرية" تقوم على الوعي والإرادة، وعند تنزيل هذا المبدأ على الحريات السياسية في الواقع العربي اليوم، يجري التساؤل إن كان الوعي شرطا للقدرة على ممارسة هذه الحريات أم أن ممارستها تؤسس للوعي ويظهر في هذه الحال دور العامل الخارجي في بناء وعي الفرد بحرياته السياسية.
وقال في إجابته عن هذا السؤال: "إن التثقيف على ممارسة الحريات بمسؤولية لا يختل في إتاحة الدولة للأفراد المجال لممارستها.. لابد أن تنضم المؤسسات الاجتماعية والسياسية كافة، بما فيها الأحزاب للاضطلاع بهذه المهمة، فهي تساهم في تنشئة المواطن وتعويده على ممارسة الحريات وتحمل مسؤولياتها". وفي هذا الإطار يرى أنه من المهم في المراحل الأولى لبناء الديمقراطية أن نرى مدى التزام النخب المدنية والسياسية بالحريات، وقدرتها على التثقيف عليها، بما في ذلك تقديم النموذج عنها.
ولعل أبرز الأسئلة الراهنة التي طرحها المحاضر في واقع الحريات الراهن في العالم العربي سؤال: "إذا وقعت المفاضلة بين الاستقرار والحفاظ على الحياة من جهة والحرية من جهة أخرى، فأيهما نختار؟ ويوضح أن هذا سؤال وهمي، فمن يعارض الحريات المدنية والسياسية لا يقول: إنه يؤيد الظلم والاستبداد، إنما يحاول أن يقابل الحرية بقيمة أخرى هي مثلا "الوطنية" موجها التهمة للحريات المدنية والسياسية بأنها مؤامرة خارجية.
وتطرح المفاضلة بين قيمة الحرية وقيمة الحياة حين يصبح مطلب الحريات مكلفا إلى درجة الحرب الأهلية والفوضى.
وشدد الدكتور عزمي هنا أن هذه المفاضلة غير حقيقية، فللظلم ثمن باهظ جدا على مستوى الحياة نفسها على المدى البعيد، ويرى الدكتور أن الأمر يتوقف في النهاية على "واقعية" تحقيق مطلب الحريات، ففي حال كان ذلك ممكنا وواقعيا تكون الناس مستعدة لتقديم التضحيات من أجل ذلك، ويكون السؤال المتعلق بالاستعداد للتضحية من أجل الحرية سؤالا فرديا يقرر الإنسان فيه لنفسه.
ومن هنا تبرز أهمية المسؤولية الملقاة على عاتق أي فاعل اجتماعي يسعى إلى التغيير، في التأكد من توفر برنامج لنظام بديل للاستبداد يضمن الحريات، ومن واقعية هذا البرنامج.
وفي النهاية يؤكد الدكتور عزمي بشارة أن ممارسة الحرية قد تؤدي إلى أخطاء وربما كوارث، ولكننا من أجل تصحيح المشاكل الناجمة عن استخدام الحرية سوف نحتاج إلى حرية.
وطرح المحاضر أيضا سؤالا عن العلاقة بين الحريات الشخصية والحريات المدنية والسياسية، وهل يمكن قبول نظام مستبد يسلب الحريات المدنية والسياسية في مقابل ضمان الحريات الشخصية؟
ويؤكد في رده على هذا السؤال أنه لا تصح المساومة بالتنازل عن الحريات المدنية والسياسية في مقابل حماية نظام الاستبداد للحريات الشخصية، وبالمثل لا يصح أيضا تدخل أي نظام في كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس اليومية ويدعي أنه يحمي الحريات المدنية والسياسية؛ لأن رغبته في التدخل في الحريات الشخصية ستجعله عاجلا أم آجلا يقمع الحريات المدنية والسياسية.
وفي إجابته عن السؤال الأخير الذي طرحه في الحرية في السياق العربي، ومفاده: ما العلاقة بين حرية الفرد وحرية الجماعة التي ينتمي إليها؟.
يؤكد عزمي بشارة أن هناك حالة واحدة حين تكون الجماعة الواقعة تحت الاحتلال أو التي تعرضت إلى سياسة ميز عنصري كجماعة، يصبح فيها تحرر الجماعة شرطا لتحرر الفرد، وإن كان بحد ذاته شرطا غير كاف، أما إذا طرح السؤال في الاتجاه الآخر، أي في حالة نظام ديمقراطي يوفر الحريات الفردية، هل يتبقى مكان لـ"حريات" خاصة بالجماعة؟ خصوصا في البلدان التي تتعدد فيها الجماعات الطائفية والقومية والإثنية.
ويوضح الدكتور عزمي بشارة، المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بعد نقاش مستفيض لهذه المسألة أن المبدأ الأساس الذي يصنع الفرق كله في الحالة الديمقراطية على الأقل، يكمن في قبول فكرة حقوق الجماعة وحرياتها داخل الدولة بتأسيسها على حقوق الفرد "المواطن".
فالأولوية في النظام الديمقراطي هي لحريات الفرد ومنها تشتق حريات الجماعة.