القرة داغي يدعو لتوحيد معايير الشريعة الإسلامية في الاقتصاد
اقتصاد
14 مارس 2012 , 12:00ص
الدوحة - نبيل الغربي
دعا الدكتور علي محيي الدين القرة داغي، الأستاذ الجامعي والخبير في المجامع الفقهية، إلى توحيد الفتاوى الشرعية في قطر خاصة فيما يتعلق بالقضايا المالية والمصرفية وقال: «أعتقد أنه لن يتم هذا التوحيد إلا من خلال إصدار مصرف قطر المركزي لقرار يلزم البنوك الإسلامية بالمعايير الشرعية.
فعند إلزام البنوك بمعايير موحدة ينتهي تعارض الفتاوى وتبقى جزئيات بسيطة يمكن الاختلاف فيها دون الإخلال بالمعايير الأساسية».
وأشار د. قرة داغي إلى أن الاختلاف في الأسس الشرعية على غرار تحريم أو إجازة المرابحة العكسية لا يجب أن يتواجد (الاختلاف) على مستوى الهيئات الشرعية لاسيَّما في بلد واحد وهذا يتم من خلال الالتزام بالمعايير الشرعية، وقال: «قطر تقبل التزام بعض الشركات والمؤسسات المالية بالمعايير الشرعية ولكن لا يوجد إطار قانون إلزامي لهذه المعايير على غرار ماليزيا والبحرين وغيرها».
وأوضح د.قرة داغي خلال تصريحات صحافية على هامش الدورة التدريبية لإعداد مراقب ومدقق شرعي التي تنتهي اليوم برعاية شركة مزايا للتطوير العقاري، أشار إلى أن عدد المعايير الشرعية حاليا 42 معيارا وهناك حوالي 5 معايير تناقش حاليا، كما أن هناك حوالي 42 معيارا محاسبيا لمعالجة الأمور المتعلقة بالمعاملات.
وقال د.قرة داغي إن الدورة متميزة حيث تعتبر الأولى من نوعها تقام في قطر لإعداد المراقب والمدقق الشرعي للمؤسسات المالية الإسلامية في ظل برنامج هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية التي تتخذ من البحرين مقرا لها، وقال: «الهيئة لديها مجموعة من البرامج الأساسية لإعداد المراقب والمدقق الشرعي والمحاسب للمؤسسات المالي الإسلامية، وهذه الدورة هي مكثفة جدا وتستمر على مدى 4 أيام وتتضمن مجموعة من المعايير الشرعية ذات العلاقة بالتدقيق والمراقب الشرعي، بالإضافة إلى برنامج متكامل حول مسائل المراجعة والمراقبة سواء كانت داخلية أو خارجية، وأسس وضوابط وآليات وأدوات لكيفية التدقيق بالنسبة للمراقب والمراجع والمدقق الشرعي».
وأضاف: «نحن بحاجة إلى عدد جيد من المراجعين والمدققين الشرعيين الذين لديهم إلمام شرعي ومحاسبي ولديهم الأسس والضوابط الخاصة بكيفية التدقيق؛ حيث أصبح التدقيق علما وفنا يدرس في الجامعات والكليات وفيه الدراسات العليا حول التدقيق الشرعي». لافتا إلى أن الدورة تهدف لتكوين عدد من مراقبين مهيئين حتى تستفيد منهم المؤسسات المالية الإسلامية بالإضافة أن معظمهم يعملون فيها وحيث تأتي مشاركتهم في إطار تطوير مؤهلاتهم.
وأشار د.قرة داغي إلى وجود 4 أنواع من التدقيق، الأول يتمثل في تدقيق داخلي تقليدي الذي يراجع العمليات المالية لإعطاء صورة صحيحة عما يجري لمجلس الإدارة، وهناك تدقيق خارجي من خلال المصارف المركزية بالنسبة للبنوك وهناك المدقق الخارجي أو المراجعة الخارجية هذا بالنسبة للبنوك المؤسسات المالية التقليدية بالإضافة إلى ذلك هناك نوع رابع وهو ما يسمى التدقيق الشرعي الداخلي وهذا التدقيق قد يتبع شخصا أو قسما أو إدارة يتبع الهيئة الشرعية.
التزام
وحول مدى التزام الشركات والمؤسسات المالية الإسلامية بتطبيق المعايير الشرعية قال قرة الداغي: «هناك مدققون في قطر متميزون ومهنيون ولديهم تخصصات شرعية ومحاسبية، ولكن في العموم أعتقد أن التدقيق الشرعي في قطر يحتاج إلى تطوير من ناحية مستوى القدرة على التدقيق بشكل مهني وحرفي، من جهة أخرى فإن نطاق التدقيق عندنا ليس واسعا وبعض العاملين في التدقيق ليسوا مهنيين وبالتالي علينا تطويرهم وتعليمهم من خلال دورات تدريبية قادرة على تنميتهم فكريا ومحاسبيا وشرعيا».
وأوضح أن المشاركين في الدورة التدريبية سيخضعون إلى امتحان وعليهم الحصول على نقاط تتجاوز الـ%75 لتسلم شهادة مدقق شرعي، داعيا المواطنين القطريين إلى الدخول في هذه المهنة.
برنامج تقليدي
من جهته، أوضح قاسم محمد قاسم الرئيس التنفيذي لشركة «المستشارون المؤتلفون» الجهة المنظمة للدورة التدريبية، أن دورة المراقب والمدقق الشرعي التي تعقد لأول مرة في دولة قطر، قال: «هذا البرنامج تم ترتيبه منذ عدة سنوات، وبصفة تقليدية جرى الأمر على أن يعقد في البحرين. مؤخرا تم السماح لمكاتب استشارية معينة في بعض الدول بأن تقدم البرنامج للمهتمين في قطر من خلال «المستشارون المؤتلفون» وفي الإمارات ودمشق وماليزيا وغيرها، هذا الأمر يرجع إلى الجهة المصدرة للبرنامج وللشهادتين ألا وهي هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية.
وتأتي أهمية هذه الدورة إلى جانب برنامج الآخر يهم بتدريب المحاسب القانوني الإسلامي؛ حيث قاسم محمد قاسم، من أن العمل المالي والمصرفي والنشاطات الاقتصادية التي تلتزم بالشريعة الإسلامية هي شركات تعتبر حديثة نسبيا لكن أهميتها تنبع في أن أصحاب العلاقة إن كانوا مستثمرين أو مودعين أو أصحاب مشاريع ممن يلتزمون بالشريعة الإسلامية هم يريدون طرفا ثالثا يؤكد لهم ويعطيهم الاطمئنان بأن العمل والإجراءات داخل الشركات والمؤسسات المالية الإسلامية تتم بما لا يتعارض مع الشريعة.
وحول أبرز العراقيل التي يواجهها النموذج الاستثماري الإسلامي في قطر فيما يتعلق بجوانب التمويل والتوسع خارج البلدان الإسلامية نحو الغرب، قال قاسم: «من غير شك يوجد انطلاقة العمل المالي والمصرفي الإسلامي في منتصف الستينيات كنشأة أولى وبداية السبعينيات كنشأة ثانية وهذا العمل يواجه التحديات بشكل أو بآخر»، مشيراً إلى أن العمل المالي المصرفي والاستثماري الإسلامي تخطى الكثير من التحديات منذ نشأته لكن ما زالت هناك تحديات كبيرة أمامه وفي مقدمتها مسألة التنميط أو عملية وضع الإجراءات المحددة لكيفية أداء هذه الأعمال ووضع المعايير المحاسبية والمعايير الإجرائية والتطبيقية.
وأوضح قاسم أن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية أنشئت لتغطي هذه الجوانب والعمل لا ينتهي؛ لأن أعمال تطوير المعايير قضية مستمرة.
نقص
كما يواجه الأعمال المالية الإسلامية نقص المنتجات ذات الأصالة الإسلامية من بداية التفكير إلى الوصول لمنتج نهائي.. وقال: «قطعا العمل المصرفي الإسلامي لم يأت إلى الوجود من فراغ وإنما جاء لاستشعار الكثير من المهتمين بالموضوع بضرورة وجود البديل الإسلامي لما يجري عليه العمل في مجالات المال والاستثمار والاقتصاد، ومن هنا، سعى الرواد للعمل المصرفي الإسلامي إلى تحويل منتجات المؤسسات والبنوك التقليدية لتتناسب مع ما يراه الفقهاء من ضوابط شرعية، هذا الأمر مستمر وستستمر هذه التحديات وبالتالي سيستمر الإنجاز».
كما أكد قاسم على أهمية بعث مراكز أبحاث مختصة ومتطورة ويتم الإنفاق عليها بسخاء لتدريب الناشطين في الاقتصاد الإسلامي ولتطوير المنتجات ولتنميط الإجراءات المتعلقة بها، وأضاف: «كما تواجه البنوك الإسلامية تحديات تتعلق بتحقيق الانسجام في إجراءات الرقابة المصرفية في الدول المختلفة التي تعمل فيها هذه البنوك من حيث ضرورة الاعتراف بخصوصية العمل المصرفي الإسلامي مما يستدعي وجود خصوصية إجراءات رقابة تتناسب مع هذا العمل».
وأوضح قاسم أن العمل المصرفي الإسلامي في قطر منذ إنشاء مصرف قطر الإسلامية عام 1983 تطور بشكل كبير بحيث أصبح موجودا ليس فقط في الاقتصاد القطري والمنطقة بل أصبح منتشرا على خارطة العالم.
قرار «المركزي»
وحول انعكاس قرار البنك المركزي بإغلاق النوافذ الإسلامية لدى البنوك التقليدية على نشاط المصارف الإسلامية في البلاد، أوضح قاسم أن الترخيص للبنوك التقليدية بالنشاط في مجال الصيرفة الإسلامية كان بهدف تغطية غياب الإمكانات اللازمة للبنوك الإسلامية لتلبية الحاجات المختلفة لجمهور المتعاملين، ما دعا البنوك التقليدية أن تحصل على ترخيص من المصرف المركزي لما لديها من مرونة بالنظر لتقييم المخاطر فازدهرت أعمالها، أيضا استطاعت بعض البنوك التقليدية من خلال إمكاناتها المالية الضخمة من الوصول إلى تحقيق نتائج في المجال الصيرفة الإسلامية أفضل من البنوك الإسلامية في حد ذاتها في ذلك الوقت.
واستطرد قاسم قائلا: «عودة هذه الأعمال الإسلامية التي كانت بين يدي البنوك التقليدية إلى المصارف الإسلامية هي أيضا فرصة لإعطاء دفعة كبيرة إلى الأمام لتوسيع قاعدة أعمال المصارف الإسلامية وهذا أيضا تحدٍّ آخر أرى أنها قادرة على رفعه بنجاح».
وأشار قاسم إلى أن حجم الأصول المتوفرة لدى البنوك العاملة حسب الشريعة الإسلامية في العالم يصل إلى حوالي تريليوني دولار.
واختتم قاسم بالقول: «العمل المصرفي الإسلامي والعمل الاقتصادي الإسلامي بصفة عامة أصبح حقيقة موجودة، ليس التحدي في افتكاك النشاط الاقتصادي الإسلامي لمكان له مجال الاستثمار والمال والأعمال لأن هذا الأمر قد تحقق، لكن ما زال العالم الذي يقوم بأعمال غير مطابقة للشريعة الإسلامية كبيرا، وبالتالي فإن المجال يبقى واسعا أمام البنوك والمؤسسات الإسلامية فرصة ضخمة للتوسع، ويمكنها أن توسع نشاطها بشكل مستمر ودون التأثير على أعمال القطاع المالي التقليدي».
وأوصى قاسم المؤسسات الإسلامية بالالتزام بالشريعة الإسلامية كما هو مطلوب الالتزام بأحكام القيود الرقابية للبنوك المركزية، وقال: «لا أتهم أية جهة مالية بالادعاء بتطبيق الشريعة الإسلامية في أعمالها، ولكن أدعو هذه المؤسسات إلى مزيد الامتثال بتطبيق الشريعة الإسلامية».
كما دعا لأن تكون عملية تدريب وتأهيل الكوادر البشرية عملية مستمرة وليست موسمية وقال: «حتى ولو تكرر نفس المؤتمر أو الدورة التدريبية –ويجب أن تتكرر- لكل الأجيال التي تدخل إلى العمل المصرفي الإسلامي والعمل الاقتصادي الإسلامية على اتساعه».