

أجمع رجال دين وخبراء مختصون ومواطنون أن الشريعة الإسلامية والقانون يحظران أشكال التمييز السعري في معاملات البيع على أساس الجنسية، لما يترتب عليه من إلحاق الضرر بالمستهلك والتضييق عليه، منوهين إلى أن «التفرقة في الأسعار» دون وجه حق، جريمة شرعية وأخلاقية قبل أن تكون مخالفة تجارية أو جريمة اقتصادية، تفرض على الجهات المعنية التدخل من أجل حماية المستهلكين، من مثل تلك الممارسات، عبر اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة والكفيلة بمجابهة ومواجهة هذا التمييز والاستغلال ومسبباته. وانتقد مواطنون ما يمكن اعتباره «تمييزاً» في الأسعار بحسب الجنسية الذي يتعرض له مستهلكون قطريون، من منطلق تفاوت القوة الشرائية بين المستهلكين! «العرب» طرحت هذا المحور على مائدة «قضية الأسبوع»، من وجهة نظر قانونية وشرعية، ومن المسؤول عن مثل هذه السلوكيات، وما الرأي في معالجة مثل هذه التعاملات غير العادلة؟

عبدالله التميمي: التفرقة في الثمن حسب الجنسية مخالفة قانونية
قال الأستاذ عبدالله التميمي، مستشار قانوني: من وجهة نظر قانونية، فإن التفرقة في الأسعار بناءً على الجنسية أو الهوية الوطنية في دولة قطر قد تثير العديد من القضايا القانونية والأخلاقية، وقد تكون مخالفة للقوانين والأنظمة المحلية التي تهدف إلى حماية حقوق المستهلكين ومنع التمييز.
وأوضح التميمي أن قانون حماية المستهلك القطري (قانون رقم 8 لسنة 2008) ينص على حماية حقوق المستهلك من أي ممارسات غير عادلة أو تمييزية. على سبيل المثال، المادة (2) تؤكد على حق المستهلك في الحصول على السلع والخدمات بأسعار معقولة ودون تمييز.
وحول التفرقة في التسعير وتأثيرها قال: إذا ثبت أن الشركات أو المحلات تفرض أسعارًا متفاوتة بناءً على الجنسية، فقد يُعتبر ذلك:
• تمييزًا غير مبرر: مما ينتهك مبدأ المساواة في المعاملة.
• ممارسة تجارية غير عادلة: والتي قد تُعرض الشركات لعقوبات وغرامات.
• إذا كانت التفرقة مبنية على تفاوت القوة الشرائية، فهذا قد يُعتبر تجاوزًا ما لم يكن هناك مبرر قانوني واضح.
وأشار التميمي إلى الاستغلال التجاري للمستهلك القطري، مبينا أنه إذا تم فرض أسعار أعلى للمستهلكين القطريين مقارنة بالمقيمين، فقد يُعد ذلك استغلالًا يندرج ضمن الممارسات المحظورة بموجب قانون حماية المستهلك.
وأوضح أنه يمكن للمستهلك القطري المتضرر التقدم بشكوى إلى وزارة التجارة والصناعة أو جهاز حماية المستهلك.
واستعرض التميمي 3 حلول قانونية هي:
• التبليغ:
يمكن للمستهلك المتضرر تقديم شكوى رسمية إلى إدارة حماية المستهلك التابعة لوزارة التجارة والصناعة.
• التوعية القانونية:
يجب زيادة وعي المستهلكين بحقوقهم لضمان عدم تعرضهم لأي تمييز أو استغلال.
• التشديد على الرقابة:
وتكون الجهات المختصة مشكوره على مجهودتها ولكن نتمنى تعزيز المزيد من الرقابة على المحلات والشركات لضمان الالتزام بالمعايير القانونية.
وختم التميمي بقوله: إذا كانت التفرقة في الأسعار تعتمد على الجنسية أو الهوية، فهي ليست فقط انتهاكًا لحقوق المستهلك بل قد تُعتبر مخالفة واضحة لقانون حماية المستهلك وقوانين مكافحة التمييز. لذا، يجب على الجهات المختصة اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة هذه الممارسات وضمان العدالة في السوق القطري.
عدنان الخايلي: جميع الزبائن يتمتعون بحماية قانونية بشأن «المساواة»
أكد المحامي عدنان الخايلي، على تعارض التمييز في الأسعار بين المواطن والمقيم، مع مبدأ المساواة، الذي يضمنه الدستور القطري، مبينا أن هذا «السلوك فردي» لبعض الشركات والمحلات التجارية يخالف قانون حماية المستهلك الذي ينص على تحقيق العدالة في المعاملات التجارية ويمنع أي تعامل من شأنه استغلال المستهلك، أو التفاضل بين الأشخاص في الأسعار.
وأضاف الخايلي: لكن هنالك من يبرر هذه الظاهرة بأنها وسيلة لزيادة المبيعات أو ضرورة تفرضها القدرة الشرائية المتفاوتة بين المقيم والمواطن، لكن أيا كانت المبررات: لا يجوز تمييز الأسعار على أساس الجنسية، لأنه غير مسموح أخلاقيا أو قانونيا استغلال الوضع الاجتماعي للشخص من أجل تحقيق أرباح تجارية، خصوصا وأن تفشي هذه الظاهرة دون رقابة سوف يؤثر سلبا على سمعة اقتصاد الدولة.
ولمعالجة هذه الآفة، أكد الخايلي، أهمية تعزيز الرقابة الحكومية على سياسة الأسعار ومدى التزام المحلات التجارية بها، والتأكد من أن جميع المستهلكين يتمتعون بحماية قانونية على وجه المساواة.
وفي حالة تعرض الشخص للتمييز السعري حسب جنسيته يمكنه التقدم بشكوى لإدارة حماية المستهلك ومكافحة الغش التجاري من أجل اتخاذ اللازم في حق من ثبت انتهاجه لأسعار متباينة على أساس الجنسية.
خالد العماري: استغلال يتعرض له المستهلك القطري
قال خالد العماري إنه لم يواجه شخصياً حالة فيها تمييز سعري أو تفرقة حسب الجنسية حتى الآن، مشيرا إلى أن هذا لا ينفي وجود «تفرقة في الأسعار» تنتهجها بعض الشركات من خلال انتهاج أسعار متباينة من منطلق تفاوت القوة الشرائية للمستهلكين حسب هوياتهم وهو ما يمكن أن نسميه استغلالاً يتعرض له المستهلك القطري في بعض الأحيان.
وأوضح العماري أن تباين الأسعار من سوق استهلاكي إلى آخر، ومن مركز تجاري إلى مركز آخر، هو حقيقة وواقع معاش يواجهه المستهلكون في أسواقنا، وفي غيرها من الأسواق، لكنه مشكلة تجارية أو تسويقية لا تكاد تذكر، وربما لا نعتبره مخالفة قانونية جسيمة إذا ما قورن بسياسة التفرقة في الأسعار حسب الجنسيات، والتي تنتهجها بعض المنشآت في بعض المواقع والمناسبات، وهو ما يتناقض مع أبسط قواعد حماية المستهلك في بلده، فإذا كانت الخدمة أو السلعة قيمتها واحدة، ويتم عرضها للمواطن القطري بسعر أعلى، فهناك استغلال وغش وتلاعب يتعرض له المستهلك القطري يستدعي تدخل الجهات الرقابية المسؤولة بما فيها إدارة حماية المستهلك لمنع مثل هذه الظواهر التي تلحق الضرر بالمواطن القطري من خلال تشديد الرقابة على منافذ البيع المختلفة وفرض الغرامات المالية التي تستوجبها مثل هذه المخالفات.

د. محمود عبدالعزيز: لا مانع من البيع بالثمن المتفق عليه إذا انتفى الغش
أكد فضيلة الشيخ الدكتور محمود عبدالعزيز، أستاذ الفقه المقارن وعضو مكتب الفتوى سابقاً، على جواز البيع بما يتفق عليه المتعاقدان سواء كان الثمن بقيمة السلعة أو دونها، أو فوقها، ما لم يكن هناك غش أو تدليس، فقد قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ». {النساء: 29}، فلم تقيد التجارة في الآية إلا بالتراضي بين الجانبين، وعن أنس قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله سعر لنا، فقال: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال. رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وقد جاء في قرار صادر عن المجمع الفقهي ما يلي:
أولا: الأصل الذي تقرره النصوص والقواعد الشرعية ترك الناس أحرارا في بيعهم وشرائهم وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها عملا بمطلق قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) {النساء:29}.
ثانياً: ليس هناك تحديد لنسبة معينة للربح يتقيد بها التجار في معاملاتهم، بل ذلك متروك لظروف التجارة عامة وظروف التجار والسلع، مع مراعاة ما تقضي به الآداب الشرعية من الرفق والقناعة والسماحة والتيسير.
ثالثاً: تضافرت نصوص الشريعة الإسلامية على وجوب سلامة التعامل من أسباب الحرام وملابساته كالغش والخديعة والتدليس والاستغفال وتزييف حقيقة الربح والاحتكار الذي يعود بالضرر على العامة والخاصة.
وبناء على هذا، فلا مانع من البيع بالثمن الذي يتم الاتفاق عليه مع الزبون، إذا خلت المعاملة من الغش والتدليس، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من غش فليس مني). رواه مسلم.
وأضاف فضيلته: على البائع أن يبيع السلعة بما تساويه في السوق، فإن باعها بغير ما تساويه في السوق فله حالان:
الأولى: أن يبيعها بأنقص من قيمتها بالسوق - كما لو أراد أن يحابي أحد أصدقائه، مثلاً - فهذا جائز، ولا بأس به، ولا يُمنع منه البائع إلا إذا قصد الإضرار بغيره من التجار، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار). رواه ابن ماجه وصححه الألباني في «الإرواء».
الثانية: أن يبيعها بأكثر مما تساويه في السوق، فإن كانت الزيادة يسيرة كما لو باع ما يساوي عشرين باثنين وعشرين، فهذا جائز لأنه مما جرت عادة الناس بالتسامح فيه. وأما إن كانت الزيادة كثيرة، والمشتري لا يعرف الثمن، كما لو باع ما يساوي ستين بتسعين فإن هذا لا يجوز، وهو من الغش والخداع، ويكون للمشتري الخيار إذا تبين له الأمر، فله رد السلعة، وهذا ما يسميه العلماء رحمهم الله خيار الغَبْن.
الذكاء الاصطناعي يوضح الأثر النفسي للتمييز في الأسعار
ما الأثر النفسي للتمييز في الأسعار على المستهلكين؟
الذكاء الاصطناعي:
التمييز في الأسعار هو استراتيجية شائعة تستخدمها الشركات لفرض أسعار مختلفة على عملاء مختلفين لنفس السلعة أو الخدمة. يمكن أن يختلف التأثير النفسي للتمييز في الأسعار على المستهلكين اعتمادًا على الفرد، ولكن بعض التأثيرات الشائعة تشمل:
1. الانزعاج: قد يشعر المستهلكون بالانزعاج عندما يرون أنه يتم تحصيل رسوم منهم أكثر من العملاء الآخرين مقابل نفس المنتج أو الخدمة. وهذا يمكن أن يؤدي إلى تصور سلبي للشركة وانخفاض ولاء العملاء.
2. مشاعر الظلم: قد يشعر المستهلكون بأنهم يعاملون بشكل غير عادل إذا تم فرض سعر أعلى من الآخرين لنفس المنتج أو الخدمة. وهذا يمكن أن يؤدي إلى مشاعر الاستياء وانخفاض الثقة تجاه الشركة.
3. انخفاض احترام الذات: المستهلكون الذين يشعرون أنه يتم فرض رسوم عليهم أكثر من غيرهم مقابل نفس المنتج أو الخدمة قد يواجهون انخفاضًا في احترام الذات. قد يشعرون أنهم لا يستحقون نفس المعاملة مثل الآخرين وأنه يتم استغلالهم.
4. الإحباط: قد يشعر المستهلكون بالإحباط عندما لا يتمكنون من الحصول على نفس السعر الذي يحصل عليه الآخرون لنفس المنتج أو الخدمة. وهذا يمكن أن يؤدي إلى الشعور بالعجز وانخفاض الرضا عن الشركة.
بشكل عام، يمكن أن يكون التأثير النفسي للتمييز في الأسعار على المستهلكين سلبيًا، مما يؤدي إلى انخفاض ولاء العملاء وثقتهم ورضاهم.
ثقافة الاستهلاك.. و«حماية المستهلك»
تملك إدارة حماية المستهلك ومكافحة الغش التجاري بوزارة التجارة والصناعة سلطة رقابية على كل من يحصل على رخصة تجارية أو كل من يقدم خدمة أو يعرض سلعة للبيع للمستهلك، حتى صفحات البيع عبر انستجرام.
وهي تحرص على اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المستهلك من خلال الرقابة المستمرة والقيام بالتفتيش على المحال المخصصة لتصنيع وبيع المواد الغذائية والمنزلية وضبط المخالفين واتخاذ الاجراءات اللازمة بشأنهم. كما حرصت الادارة على اطلاق العديد من المبادرات لنشر الوعي الاستهلاكي بين افراد المجتمع، ونشر ثقافة المنافسة في قطاع الأعمال وتوعية الشركات بالالتزامات والضوابط التي يفرضها القانون رقم (19) لسنة 2006 بشأن حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، بما فيها مبادرة «تسوق بثقة» ومبادرة «بكم» ومبادرة تعريب الفواتير ومبادرة تنظيم بيع الذهب والمجوهرات وغيرها من المبادرات التي تساهم في رفع الوعي الاستهلاكي في المجتمع.
وتعنى إدارة التراخيص النوعية ومراقبة الأسواق التابعة لوزارة التجارة والصناعة بدراسة وتقييم أسعار السلع والخدمات المتداولة بالأسواق المحلية، الى جانب دراسة طلبات زيادة اسعار السلع والخدمات المقدمة من المزودين وإعداد الدراسات الخاصة بأسعار السلع والمواد والخدمات بهدف تحليل أسباب ارتفاعها، واقتراح وسائل تصحيحها، وآليات منع رفع الأسعار غير المبررة، وتقديم التقارير اللازمة في هذا الصدد.
ويختص قسم تقييم ومتابعة الأسعار، بالآتي:
استقبال ودراسة وفحص طلبات زيادة الأسعار المقدمة من المزودين وتحويلها للجهة المختصة.
دراسة وتقييم أسعار السلع والخدمات المتداولة بالأسواق.
اعداد الدراسات والتقارير والاحصائيات الخاصة بأسعار السلع والمواد والخدمات بهدف تحليل أسباب ارتفاعها واقتراح وسائل تصحيحها.
وضع الآليات المناسبة لمنع رفع الأسعار غير المبررة وتقديم التقارير اللازمة في هذا الصدد.

أصحاب محلات: حالات فردية
أكد عدد من الباعة فرضهم معايير واضحة ومحددة لتسعير السلع التجارية من دون وجود تفاوت يذكر في الأسعار حسب الجنسية أو الهوية، كما قد يتخيل أو يدعي البعض، مبينين أن التباين في أسعار السلع الاستهلاكية والمنتجات التجارية، أياً كانت وبغض النظر عن نوعها أو مصدرها، إن وجد، فهو تباين بين منشأة وأخرى أو بين منفذ بيع وآخر وليس بين مستهلك وآخر.
وقال أحمد الحضرمي، بائع، إن هذه سوق حرة ومفتوحة تخضع فيها أسعار المنتجات والخدمات لمنطق العرض والطلب ولكن هناك معايير محددة لوضع هوامش ربحية متساوية مع جميع الزبائن والمستهلكين بغض النظر عن جنسياتهم أو هوياتهم أو فئاتهم، إلا إن كان هناك بعض السلوكيات الفردية لبعض التجار أو الشركات والمحلات التجارية بما يخالف قانون حماية المستهلك الذي ينص على تحقيق العدالة في المعاملات التجارية ويمنع أي تعامل من شأنه استغلال المستهلك، أو التفاضل بين الأشخاص في الأسعار.
وأوضح أن السوق قد يشهد بعض الحالات التي يشتكي فيها المستهلك القطري من التمييز بحقه في المعاملات التجارية ويمكنه الاعتراض والقانون يضمن له حقه لكن الرائج في الأسواق هو اختلاف الأسعار بين منشأة وأخرى أكثر من اختلافها بين مستهلك وآخر أو بين جنسية وأخرى خاصة في محلات السلع الاستهلاكية والمنتجات التجارية.
وأكد أن التمييز في الأسعار بين المواطن والمقيم يعد نوعاً من الغش التجاري والتحايل، مشيرا إلى أنه قد تحدث بعض الحالات في قطاع الخدمات بالذات، لأن أسعار الخدمة قد لا تكون واضحة أو محددة في أغلب الأحيان، بينما السلع الاستهلاكية والمنتجات التجارية محكومة بسعر محدد ومكتوب.