الخميس 8 جمادى الآخرة / 21 يناير 2021
 / 
06:00 م بتوقيت الدوحة

الوجه الخفي للإعلامي دارس الطب عاشق الغناء.. سفيان ثابت من «جليس أطفال» وموظف استقبال إلى حلم «الجزيرة»

هبة فتحي

الأربعاء 13 يناير 2021

 كنت أحضر محاضراتي في السوربون نهاراً.. وأعمل ليلاً لتدبير المال

 الطب كان رغبة عائلية.. ولست نادماً على تركه

تحقيق الأماني يستحق المعاناة.. وأول معاركي كانت مع الأهل

 «كورونا» فتحت عيني على أهمية العائلة.. وهي أكثر ما أفتقده في الغربة
 

يظهر على الشاشة بوجه جاد وطلة مميزة وصوت رخيم، يعيد إلى الأسماع تلك الأصوات المميزة التي تربى عليها الجمهور العربي مع «بي بي سي» وغيرها من الإذاعات قبل ثورة الفضائيات. في فترة قصيرة صار أحد نجوم النشرات الإخبارية على شاشة «الجزيرة» التي يعتبر أن الانضمام إلى فريقها حلماً وتحقق.
لكن.. ماذا عن الوجه الآخر من حياة سفيان ثابت ضيف «العرب» اليوم؟
إننا بصدد حياة تنطبق عليها بلا مبالغة كلمة «كفاح»، بدأت من مغادرة وطنه الأم الجزائر إلى الضفة الأخرى من المتوسط حيث الجنة الأوروبية الموعودة، والتي لم تكن له سوى فترة دراسة وعمل ومحاولة لإثبات الذات، ثم بدأت رحلة تنقل عبر عدة دول انتهت إلى عالم من النجاح والشهرة، لكن الحياة -كما يقول- لا تمنح شيئاً بالمجان؛ إذ إن الثمن الذي دفعه هو «شبابه» حسب تعبيره !

البداية من قسنطينة
من أين نبدأ سفيان.. حدثنا عن أبرز محطات حياتك العملية وما بها من عثرات قبل التحاقك بمجال الإعلام؟
بعد 3 سنوات درست خلالها الطب في جامعة قسنطينة بالجزائر، عزمت على الرحيل والغربة متجهاً إلى باريس، وهناك اتخذت قراراً صعباً آخر وهو التخلي عن مجال دراستي والالتحاق بجامعة السوربون، حيث حصلت على ماجستير بالعلوم السياسية وليسانس تاريخ، إضافة إلى دبلوم في الصحافة من أحد المعاهد الفرنسية.  سنوات طويلة قضيتها طالباً في العاصمة الفرنسية لم تكن سهلة، كان التحدي كبيراً لأني كنت مضطراً للعمل أيضاً بشكل موازٍ.. امتهنت مهناً عدة من أجل تدبير أموري اليومية فعملت موظف استقبال، وموظفاً إدارياً وجليس أطفال ووظائف أخرى عديدة.
كنت أحضر محاضراتي نهاراً وأعمل ليلاً، كان النعاس يغلبني أحياناً وأنا في الدرس. وفي كثير من المرات أتغيب عن الجامعة بسبب الإرهاق وأضطر لنسخ المحاضرات من الزملاء.ولأني كنت طالباً أجنبياً، فعدد الساعات المتاحة للعمل محدودة بموجب القانون الفرنسي، وهذا كان تحدياً ثانياً؛ لأن دخلي ضئيل جداً. 


 ماذا عن أول معركة ساهمت في تشكيل ما أنت عليه الآن؟
أول معاركي كانت مع الأهل؛ لأني سافرت على وعد مني باستكمال دراسة الطب، لكني وجدت تحديات متعلقة بهذا الاختصاص في فرنسا، فرفضت أن أخوض معركة لأمر لم أكن أميل إليه بالأساس، بما أن دراسة الطب كانت رغبة عائلية، فأنا ومنذ البداية كنت أود التخصص في العلوم الإنسانية أو الإعلام أو الفنون، هذا ما ساقني إلى جامعة السوربون العريقة.
وكان قراري صادماً لعائلتي؛ لأني كنت دوماً من أوائل دفعتي في الجزائر، والوالدة تحديداً كانت تأمل أن تراني طبيباً، وقد دعمتني في رغبتي بالذهاب إلى أوروبا.. كان عليها أن تحترم خياري، لكن لم يكن ذلك هيناً عليها.. تعاملتُ مع الأمر بتفهّم، لكن بحزم؛ لأنه متعلق بحياتي أنا ولست نادماً على ما فعلت.


 الحلم.. والضريبة
كم سنة قضيتها في الغربة؟ وهل يستحق حلم الإعلام تحمّل تلك الضريبة؟

سنوات طويلة جداً.. عشتها بعيداً عن الأهل والأحباب والوطن، وهذا ليس بالسهل خاصة لشخص يعيش منفرداً.
أما عن ضريبة الاغتراب الطويل، فأقول نعم.. تحقيق الأماني يستحق المعاناة، وقد يجد الواحد منّا لذة في هذا النوع من العذاب في سبيل تحقيق الذات والوصول إلى غاية يراها سامية وجميلة.
المشكلة في غير ذلك.. هي في كل هذا الوقت الذي استغرقه الاجتهاد للوصول؛ إذ لم يكن في الحسبان، لكن وأنت في منتصف الطريق لا تجد سبيلاً للتراجع، عليك أن تكمل إلى النهاية مهما كلفك ذلك من وقت ومال وبُعد.. الحياة لا تمنحك شيئاً مجاناً، هذا ما تعلمته، والثمن كان شبابي.. هذا لا يمنع الشعور بالقلق ومراجعة الحسابات والتساؤل دوماً: «ماذا بعد؟».
ماذا عن أكثر الأمور التي تشغل تفكيرك وتثير قلقك فيما يتعلق بالغربة وتبعاتها؟
الاغتراب والبعد عن الأقارب أمر مرير.. هذا ليس جديداً، ولعل هذا الشعور يزداد مع مرور الوقت وزيادة النضج والتقدم في العمر، عكس ما كنت أعتقد..
لم أتمكن من التعود عليه، لكني أتعايش معه، ولعل جائحة كورونا فتحت عيني أكثر على حقيقة أن العائلة أهم من أشياء أخرى كثيرة، أدركت ذلك لحظة علمت أن أهلي أصيبوا بالفيروس صيف 2020..
كانت فترة عصيبة عجزت فيها عن تقديم المساعدة المطلوبة بسبب إجراءات الإغلاق في كل أرجاء العالم، وكنت قد فقدت خالتي بسبب الفيروس قبلها بأيام قليلة.. سألت نفسي: «ماذا لو لحق بهم مكروه؟»، فكرت في الأوقات القليلة التي قضيتها معهم بحكم البعد وشعرت بالندم على كل السنوات التي عشتها دونهم، وبرغبة جامحة في التخلي عن كل شيء والعودة إلى أحضانهم.
 بين العائلة والناس

 كيف أثر الأهل في تشكيل شخصيتك؟
أعترف أنه كان لوالدتي أثر في تشكيل شخصيتي وطموحي ومثابرتي وتمسكي بما أريد، فهي تتسم بكل هذا.. أما أبي فاكتشفت أنني أشبهه أيضاً في بعض الخصال كالميل إلى العزلة، والتفكر والشرود، والشعور بأنه لا أحد يفهمني وأني لم أولد في «الزمن الصح».
 أنا.. والغرور

ما أكثر الانطباعات الخاطئة عنك؟ وهل تسبب لك أي إزعاج؟
أني متكبر.. ولعل هذا بسبب طبعي المتحفظ نوعاً ما، فيختلط الأمر على الناس، ولكني لا أنزعج، فلا مفر من انتقادات الناس، ثم إني لست مضطراً للتبرير.
 كيف تتعامل مع فضول مواقع التواصل الاجتماعي؟
بعفوية ومزاجية، ولا أسعى لرسم صورة نموذجية أو غير حقيقية عني، وفيما يتعلق بالفضول، فأنا أتعجب من أسئلة بعض المتابعين عن حياتي الخاصة.
ولكن في النهاية هذا فضاء مفتوح تجد فيه من كل شيء، وأمنح نفسي حرية التعامل مع ما ومن أجد فيه كما يحلو لي وبما يشعرني بالراحة بعيداً عن أي تكلف أو مثالية ليس لها وجود تحت مسمى «البريستيج»، فهذه الكلمة انطلقت عبرها مبررات كل مظاهر التصنّع.
 كيف ترى فكرة السعي نحو الكمال في العمل وفي الحياة عموماً؟
الكمال في هذه الحياة كذبة، قد تحفزك لتكون اليوم أفضل من الأمس، لكنها قد تسرق اللحظات البسيطة السعيدة التي يعيشها الإنسان فيلهث دائماً وراء الأحسن.. وأنا شخصياً لست مهووساً بفكرة أن أكون رقم واحد في كل ما أقوم به، وإنما أسعى للاستمتاع قدر المستطاع بما أصنع، وأن أفعله لدوافع صحيحة وليس لإرضاء غروري أو استجداء الإعجاب والتصفيق.
هذا لا يتعارض أبداً مع كوني طموحاً، ولكن همي الأكبر هو تحقيق التوازن والراحة النفسية.. الأشخاص الذين يعيشون في مبارزة دائمة مع الحياة هم تعساء بلا شك.
 
 سفيان المطرب
كيف بدأت تجربة الغناء؟

تجربة الغناء كانت نتاج رغبة داخلية واتخذتها سبيلاً للتعبير عن بعض المكنونات كتقديري لوالدتي في أغنية «هيلا هو» التي أهديتها إياها في عيد الأم عام 2018، فأخبرتني أنها أجمل هدية حصلت عليها في حياتها.. وهذا يكفيني!
وبشكل عام، الغناء مجرد هواية بالنسبة إليّ، فأنا أجد متعة كبيرة في خلق عمل فني من لا شيء.. عمل يستحسن أن تكون له قيمة.
 بين كل هذا الزخم.. حدثنا عن أكثر شيء يستهويك؟
السفر.. يحقق لي متعة لا توصف.. اكتشفت جزءاً كبيراً من أوروبا وشمال أفريقيا من مصر إلى المغرب، إضافة إلى منطقة الخليج وأميركا الشمالية، كما أحلم بزيارة القدس يوماً ما، والبقاع المقدسة في أقرب فرصة..
الموسيقى أيضاً مؤنستي.. من الضروري أن أستمع لبعض الألحان كل ليلة قبل أن أخلد إلى النوم.. أستمتع وأسترخي.
كما أسجل كتباً للصغار والكبار بصوتي.

  ما الدولة الأقرب إلى قلبك بعد الجزائر؟
تركيا، فهي من أكثر الدول التي أعشق تفاصيل الحياة فيها، ولكن بعد الاستقرار مؤخراً في الدوحة اعتدت الهدوء وسهولة الحياة وبساطتها، دون أن أنسى حسن التعامل الذي نحظى به هنا.

 كيف تقضي يومك في الغربة مع العمل؟
حياتي مقسمة إلى محاور، وفي كل محور أهداف أحاول تحقيقها على مدار العام.. أقسمها إلى أجزاء وأهداف صغيرة أنجزها يومياً، وهكذا أنظم يومي ووقتي بناء على ما سلف.أعمل وأعطي لجسدي وروحي وعقلي وعلاقاتي قسطاً من وقتي كل يوم، فأحقق التوازن.
 أخيراً.. ما أكثر شيء تتمناه الآن بعد هذه الرحلة الطويلة؟
الحرية، والاستقرار بكل معانيه، خاصة بعد كل هذا التنقل من بلد الى بلد.. الجزائر، فرنسا، إنجلترا، تركيا والآن قطر.
وفي النهاية، لا بد للطائر من أن يحط في مكان يبني فيه عشه حيث يشعر بالدفء والسكينة، لكن لا أدري حتى اليوم أين سينتهي بي المطاف، ولعل هذا ما يجعل الحياة تستحق أن نعيشها.. المجهول!

_
_
  • العشاء

    6:40 م
...