د. العوضي: الرحمة سلوك حضاري تميزت به أمة الإسلام
محليات
14 يناير 2012 , 12:00ص
الدوحة - عامر غرايبة
قال فضيلة الداعية الكويتي الدكتور محمد العوضي: إن الرحمة سلوك حضاري تميزت به الأمة الإسلامية عبر التاريخ، وأكد أن رحمة الإنسان قيمة متفرعة من الإحسان، وهي أعلى المراتب الإنسانية، ودعا جميع الناس وعلى رأسهم الحكام وأصحاب القرار إلى جعل خلق الرحمة عنوانا لحياتهم وتعاملهم.
وبين الداعية العوضي في خطبة الجمعة التي ألقاها أمس بجامع محمد بن عبدالوهاب أن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم علَّم البشرية دروسا في الرحمة, جعلت المسلمين يذهلون العالم في تعاملهم وعطفهم وصدقهم ورأفتهم وحتى في حروبهم، وأشار إلى حديث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» رواه مسلم، منوها بأن الذبيحة قد لا تستفيد من إحسان الذبحة, فهي ذاهبة إلى الموت، وإنما الذي يستفيد هنا هو الإنسان نفسه، إنه يرتفع ويسمو بتأصل الرحمة في نفسه.
ونوه العوضي إلى الأسلوب النبوي في تربية النفوس، وقال: إننا نتفهم الدعوة إلى رحمة الإنسان, ورحمة الحيوان، وقد ندعو لرحمة العصفور الصغير الجميل المغرد، أو الفراشة الجميلة, أو هذه الوردة المتفتحة حتى تبقى أكبر فترة من الزمن وهي تفوح بروائحها الجميلة ومنظرها الخلاب، لكن الأسلوب النبوي يدعو إلى رحمة الذبيحة والتلطف حتى في الذبح، وهذا أسلوب نبوي بامتياز، إنه سلوك حضاري علم البشرية كلها دروسا في الرحمة، سلوك جعل المسلمين يذهلون العالم، وهم يسألون النبي محمدا صلى الله عليه وسلم: وإن لنا في البهائم من أجر؟ فقال عليه السلام «في كل ذي كبد رطبة أجر»، فعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجل يمشي بطريق اشتدَّ عليه العطشُ, فوجد بئرا فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإِذا كلبٌ يلهَثُ، يأكل الثَّرَى من العطش. فقال الرجل: لقد بَلَغَ هذا الكلبَ من العطش مثلُ الذي كان قد بلغ مني, فنزل البئرَ، فملأ خفَّه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رقِي فسقى الكلب, فشكر الله له، فغفر له قالوا: «يا رسول اللّه، وإن لنا في البهائم أجرا؟». فقال: «في كل كبِد رطبة أجرٌ».
وأوضح العوضي أن الرحمة من أخلاق المجتمع الإسلامي، وكما أن خلق الرحمة كان سببا في دخول الجنة، فإن اختفاء الرحمة يكون سببا في دخول النار، فعن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال: «دخلت امرأة النار في هِرَّة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدْعها تأكل من خشاش (حشرات) الأرض» متفق عليه، وقال: تخيلوا كيف ستكون حياتنا لو أن الرحمة خلت منها، كيف سيكون الرجل في بيته، كيف سيكون وضع الأطفال والمرأة والأبناء، كيف سيكون المجتمع بلا رحمة؟ كيف سيكون التعامل والتعليم والتجارة والاقتصاد وكل مجالات الحياة بلا رحمة؟ مشيراً إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، وقال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله»، وقال في التحذير من عدم الإشفاق على الناس، ونزع الرحمة عنهم، والغيرة عليهم: «اللهم من ولي من أمر المسلمين شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر المسلمين شيئا فرفق بهم فارفق به».
هداية الناس رحمة
وبين العوضي أن السعي لهداية الناس إلى سواء الصراط هو خير الرحمة، وأشار إلى شرح الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله ووقوفه عند أسماء الله الحسنى خصوصا الرحمن والرحيم، وذلك في كتابه «المقصد الأسمى في أسماء الله الحسنى»، مشيراً إلى أن المسلم يسمي عشرات المرات باسم الله الرحمن الرحيم، في 113 سورة من القرآن الكريم، وتساءل قائلا: هل هذه القراءة باسم الله الرحمن الرحيم كان لها انعكاس في حركتنا وتعاملنا؟ وبين أن المصلين هم أحق الناس بالرحمة لأنهم صفوة المجتمع، منوها بأن الله الرحمن يرحم أهل المعاصي والخاطئين، حيث إن المجتمع والناس ينظرون إلى المخطئين المنحرفين على أنهم بعيدون عن رحمة الله، وأنهم لا هداية لهم، ولكن أين خلق الرحمة الذي يستدعي السعي لهدايتهم وتصحيح مسارهم, فهذا حقهم علينا, ونحن مسؤولون أمام الله عنهم، أما الرحيم فهي صفة توجب أن يكون المسلم رحيما بأصحاب النكبات والمحتاجين.
وأكد العوضي أن التاريخ الإسلامي مليء بمعاني الرحمة، فقد وجدنا أن من المسلمين من أوقف مالا بحيث ينفق في مجال معين بغية الأجر من الله تعالى، كالوقف على طلبة العلم أو المساجد أو البر والتقوى، وقد وجدنا أوقافا في تاريخ المسلمين لرعاية الكلاب الضالة والخيول الهرمة، رأيت مكانه بدمشق، ووقفا للقطط المريضة أثر عن الظاهر بيبرس، وكان الداعية العلامة سعيد النورسي يرعى أربع قطط في بيته، أما الخليفة عمر بن عبدالعزيز فقد أوصى أن تخفف أحمال النوق والجمال من ألف رطل إلى 600 رطل وألا تنخز الدواب بالحديد رحمة بها ورأفة بالحيوان, فضلا عن الإنسان، موضحا أن اختفاء الرحمة من مجتمع معين يعني أن يكون كل من فيه ينتقم من الآخر.
رحمة الضعفاء
وبين العوضي أن بعض التجار وأرباب العمل ومن يعملون في تربية الحيوانات يسعون بالليل والنهار للحفاظ على الحيوانات والطيور ليربحوا في تجارتهم، ثم يغفلون عن حقوق العمال الذين يرعون هذه الحيوانات، فيحرص الواحد منهم على مصلحة الحيوانات ليربح في تجارته ويغفل عن رحمة الإنسان. وهاهم بعض الحكام كانوا يسمون أنفسهم بأنهم آباء للمجتمع، فإذا بهم طغاة بغاة غلاظ الأكباد، مستعدون لذبح كل الشعب ليبقوا على كراسيهم وامتيازاتهم، فأنى من هؤلاء الرحمة؟ مشيراً إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم مر بامرأة بين القتلى، فقال من قتل هذه؟ ما كانت لتقاتل، فنهى عن قتل النساء والشيوخ والأطفال، وأوصى أبوبكر الصديق رضي الله عنه الجيوش الإسلامية بأن لا يقتلوا شيخا ولا طفلا ولا يقطعوا شجرة، فخلدوا قيما إسلامية حضارية لا مثيل لها في التاريخ.
وروي عن صلاح الدين الأيوبي في حروبه مع الصليبيين أنهم كانوا ينقضون العهود حتى ضاق بهم، فكان يعفوا عنهم فيعودون لقتاله، وفي مرة قام أحد قادته الميدانيين بعقد عهد لحفظ دماء الأسرى منهم، فاختلف معه صلاح الدين بأنه لا عهد لمن نقض العهود عشرات المرات، فاحتكما لأحد العلماء الذي حكم لصالح صلاح الدين، فلما بدأ الجند بقتل الأسرى دمعت عينا العالم فقال له صلاح الدين: أنت الذي حكمت عليهم أترجع عن ذلك؟ قال القاضي: لا أرجع عما حكمت به ولكني بكيت لهذه الصورة الإنسانية، وأشار إلى رثاء مصطفى صادق الرافعي لعمر بن الخطاب ببيت شعر يقول فيه:
ولم يكن أحدٌ يلهيه عن أحدٍ ** كأنه والد والناس أطفال
فكان ينظر إلى عامة الناس كأنهم أبناؤه، إنها روح الوالد تجاه رعيته.
التربية بالقصة
وأشار العوضي إلى أسلوب التعليم بالصورة الذي تعتمده هذه الأيام أفضل الجامعات ومراكز التدريب في العالم، وحكى قصة نبي الله موسى عليه السلام الذي خرج من مصر خائفا يترقب إلى مدين، فلما وصل وجد الناس يسقون أغنامهم، وهناك امرأتان تذودان أغنامهما، دون أن يهتم بهما أحد، صورة مجتمع مادي براغماتي ليس للرحمة فيه نصيب، فسألهما فقالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير، فتحركت فيه النخوة والرحمة فسقا لهما، ثم تولى إلى ظل شجرة ليستريح، وقال رب إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير، فأمنه الله ونصره وأيده، قال تعالى: «وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إليَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (طه:28).
مسلم جديد
وفي نهاية الصلاة قام الداعية الدكتور محمد العوضي بتلقين الشهادة لأحد أفراد الجالية الفلبينية أمام المصلين، في مشهد مهيب, وسط تكبير المصلين وتشجيعهم.