الدعاية على عتبات المنازل بداية الخيط لـ «السرقات»
تحقيقات
13 نوفمبر 2015 , 07:23ص
رانيا غانم
تزايدت ظاهرة وضع النشرات الدعائية وأوراق الإعلانات عن المتاجر ومراكز التعليم والمطاعم وغيرها من الجهات التجارية على أبواب المنازل ومقابض السيارات أو زجاجها، حتى أصبحت مزعجة بشكل كبير للكثيرين، إلى جانب المخاوف المتزايدة التي عبر عنها كثير ممن التقتهم «العرب»، من استغلال الأوراق الموضوعة أمام المنازل من قبل اللصوص في تسهيل السرقات، حيث يمكنهم عن طريقها معرفة ما إن كان البيت مأهولا بالسكان أم خاليا إذا تراكمت أمامه أوراق الدعاية، فضلا عن أن هذا الأسلوب من الدعاية يسمح لمن يقومون بتوزيعها التجول بأريحية بين البيوت، حيث غالبا لا يشعر بهم السكان، وإنما يرون فقط «آثارهم» من الأوراق المتناثرة أمام البيت أو التي اخترقت عتباته أو المعلقة على مقابضه حسب أسلوب كل موزع أو مندوب وحتى المجمعات السكنية لم تخل من هذه الظاهرة.
تقول أم أيمن وهي ربة منزل وأم لأربعة أطفال: «لا يمر يوم إلا وأجد أوراق الدعاية أمام باب البيت، دون أن أرى من وضعها ومتى وكيف دخل إلى البناية، كما أن سياراتنا لا تخلو هي الأخرى من أوراق الدعاية التي يتفنن الموزعون في وضعها عليها حتى ولو على ماسح الزجاج، وهو المكان المفضل لهم غالبا حتى لا تتطاير في الشارع، رغم أن هذا التصرف يمكنه أن يتسبب في إتلاف الماسحات إذا تعامل معها موزع الدعايات بعنف أو عدم دراية، فمن أذن له بالدخول إلى بيوتنا؟ ومن سمح له بالعبث في سياراتنا؟!».
وتابعت: «أحيانا يكون أولادي بمفردهم في البيت وهم صغار، وأخشى عليهم جدا من أن يطرق أحد هؤلاء الموزعين الباب، لذا أعطي الكثير من التنبيهات قبل المغادرة -إذا اضطررت لتركهم وحدهم- بعدم فتح الباب لأي أحد مهما كان، فكثرة وجود أوراق الدعاية يوضح أن هناك الكثير من الغرباء دخلوا بنايتنا وخرجوا منها مرات عدة».
الجهات المعنية
ويطالب عبدالمنعم فايز (موظف) الجهات المعنية وخاصة «البلدية» بضرورة التدخل لوقف هذه الظاهرة التي بدأت تظهر في السنوات الأخيرة وآخذة في التزايد بشكل كبير: «كنا في السابق لا نرى مثل هذه التصرفات والأساليب الدعائية، أما الآن فالإعلانات والكتيبات والمجلات تحاصرنا في كل مكان، حتى وصلت إلى بيوتنا وسياراتنا، فهي تفرض نفسها علينا، فالتاجر وصاحب المشروع لا يهمه إلا الربح ولا يهتم بالإزعاج الذي يسببه للسكان في بيوتهم، ولا يهتم بالمخاطر التي يمكن أن تنتج عن هذا، كما أنه ليس معنيا أبدا بالتلوث الكبير الذي يحدثه في الشوارع بسبب الأوراق التي تتطاير وتلقى أمام البيوت وفي الشوارع دون رقيب أو حسيب».
غير ملائم
تلوث البيئة هو أيضا ما شددت عليه نورالله شعيب (طالبة جامعية) التي ترى أن استخدام هذا الأسلوب من الدعاية لم يعد ملائما للعصر: «في الوقت الذي يتوجه فيه العالم نحو التقليل من استخدام الورق وتقليل المخلفات تسرف تلك الجهات التجارية في استخدام الأوراق المهملة غالبا، فمعظم من تصلهم تلك الدعايات لا يهتمون بالنظر في محتواها، وغالبا ما يحملونها من أمام عتبات الباب إلى صناديق القمامة دون الاطلاع على محتواها، فإما أنها لا تعنيهم، أو أنهم سبق وتعرفوا على محتواها عبر الصحف ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، التي يتبادل الناس عبرها الأخبار والإعلانات والدعايات أيضا، وبالتالي فهي موارد مهدرة كان يمكن الاستفادة منها في الكثير من الأمور، ويمكن لهذه الشركات أو الجهات المعلنة البحث عن طرف أفضل لتوصيل أخبارهم وإعلاناتهم إلى الناس دون هدر للموارد وستكون التكلفة أقل والعائد أفضل، كما أننا سنكسب شوارعنا وواجهات بيوتنا نظيفة بدلا من الأوراق المتناثرة حولنا في كل مكان كما نرى».
مصدر خطورة
المخاوف من إرشاد اللصوص أو ضعاف النفوس إلى البيوت التي لا يوجد بها أصحابها وبالتالي سرقتها هو أيضا الهاجس المسيطر على أم جابر: «السماح لمندوبي الإعلانات والشركات بالتجول بين المنازل مصدر خطورة كبير لأنه يمكن من خلالهم أن يتعرفوا على البيوت التي لا يوجد فيها سكان من خلال تراكم الإعلانات أمامها دون أن يرفعها أحد، ومن ثم يأتون إلى البيت ويسرقونه، وهذه مشكلة كبيرة لا بد من الالتفات إليها، وعلى الجهات المختصة وقفها ومحاربة من يقومون بها، لأنها يمكن أن تؤدي إلى العديد من الجرائم، فحاليا الآن المجتمع أصبح مفتوحا وبه الكثير ممن يمكن أن يرتكبوا الجرائم والقادمون من بيئات وخلفيات مختلفة عندما يجدون الأمور ميسرة لهم، وبدلا من تسهيل الأمر عليهم على الجهات المختصة سد كل الأبواب التي توصلهم للجريمة ومنها هذا الباب المفتوح على مصراعيه».
وتقول السيدة إن أسرتها لم تكن تهتم من قبل بإزالة أوراق الدعاية من أمام الباب بسبب كثرتها ووضع غيرها يوميا، إلا أنها مؤخرا أصبحت تحرص على إزالتها أولا بأول: «عرفت من صديقة لي بإحدى الدول الخليجية القريبة أن هناك عدة جرائم سرقة منازل ارتكبت بسبب أوراق الدعاية و «البورشورات» التي يتم توزيعها على البيوت، وفي الغالب لا ننظر إليها، ومن وقتها وأنا أخشى من هذا وأزيلها أنا أو أي من أفراد أسرتي أولا بأول».
تعريف بالجديد
لكن رغم كل تلك السلبيات والمخاوف هناك من يجد هذه الأوراق والدعايات وسيلة هامة لتعريفه بالجديد في الأسواق أو بتخفيضات الأسعار التي تقدمها المتاجر والسوبر ماركت لاغتنامها، ومنهم أم ماهر التي قالت إنها تهتم جدا بكل الأوراق التي تجدها أمام باب منزلها: «بالنسبة لي هذه الإعلانات وأوراق الدعاية هامة للغاية، فعن طريقها مثلا عرفت أن الحي الذي أسكن به فيه من يقدم دروسا للأطفال ودورات في الهوايات، ومن خلالها اشتركت لبناتي فيها واستفدن جدا، كما أنها تطلعني على التخفيضات وأحدث التنزيلات والعروض الخاصة التي تقيمها المتاجر والمحلات والهايبر ماركت، ويمكنني من خلالها استغلال فرصة التنزيلات تلك أو العروض الخاصة وشراء الكثير من احتياجاتي، فهي وسيلة إعلان هامة للغاية، وليس هناك أفضل من أن تفتح باب بيتك لتجد إعلانا هاما في انتظارك أو خبرا جيدا ومفيدا لك، أو كتالوجا لمتجر الأثاث المفضل لك يعلمك بالجديد وبالأسعار التفصيلية، أو بآخر جديد عليك افتتح مؤخرا فرعا في قطر ويعرفك بمحتوياته وأسعاره ويدعوك لزيارتها، صحيح ليست كل الإعلانات مفيدة بالنسبة لي لكن على الأقل بعضها استفدت منه كثيرا، وما زلت، خاصة أنني لا أتابع الصحف والمواقع جيدا، فزوجي هو من يهتم بقراءتها، لكنه لا يخبرني بالطبع عن الإعلانات الهامة بالنسبة لي، فربما لا تلفت نظره مثلي أو لا يعرف ما هي اهتماماتي منها».
وتتابع قائلة: «الشيء المميز في هذه الإعلانات أنها تهتم بالمنطقة التي أسكن بها، فهي كثيرا ما تعلن عن افتتاح صالون نسائي أو مركز تعليمي أو صالة ألعاب رياضية بالقرب من منطقتنا، أو افتتاح فرع جديد لأحد المتاجر والسوبر ماركت أو المطاعم في منطقتنا».
مكب نفايات
وبغض النظر عن الخلاف حول أهميتها وكونها تقدم خدمة هامة للسكان أو تزعجهم ولا تفيدهم، يرى محمد السعدي أن تلويث البيئة وتناثر أوراق الدعاية وتراكمها في الشوارع هو من أكبر سلبيات توزيع أوراق الدعاية على البيوت والسيارات، ويرى أنه يجب وقف كل هذه الممارسات والضرب بيد من حديد على من يقومون بها، ومعاقبتهم حتى تتوقف هذه الظاهرة الملوثة للبيئة والتي تسبب الكثير من الفوضى في البنايات والشوارع.
وهو ما تؤيده المقيمة العربية أم بدر التي توضح أن مدخل وأدوار البناية التي تسكن بها تحولت إلى مكب لنفايات شركات الدعاية بسبب تراكم الأوراق بها، موضحة أن مدخل البناية وحده يضج بالمئات من أوراق الدعاية التي يبدو أن المندوبين يتخلصون من غالبية ما يحملونه بهذه الطريقة، حيث يوزعون بعضها ويلقون بالبقية داخل البنايات، مما يؤدي إلى تلويثها وتراكم القمامة بها «أصبح تراكم كتيبات وأوراق الدعاية والإعلانات جزءا أساسيا من مداخل العمارة أو الردهات في أدوارها المختلفة، وأحيانا يأخذها الأطفال ويلهون بها في المدخل والمناطق المحيطة بنا فيتحول الشارع إلى فوضى كبيرة مما يشوه المنظر ويزيد الأعباء على عمال النظافة الذين لا يتوقفون عن التنظيف وإزالة الأوراق والمخلفات لكن سرعان ما تتراكم الأوراق مجددا في كل مكان».
تنظيم وتوعية
من جانبه أبومحمد السالم قال إن هذه الظاهرة التي انتشرت في مجتمعنا هي بلا شك أمر مزعج للجميع، موضحا أن الدعاية والإعلان صناعة مهمة يجب التعامل معها بحس جميل لا كما نراه الآن من منظر يموج في جميع الشوارع والميادين دون أي ترتيب أو نظام، فما يحدث هو إزعاج وإرباك واستهتار بهذه الصناعة، وعلى الجهات المسؤولة تنظيم هذا العمل بالشكل المناسب واللائق ليعكس الصورة الجميلة عن البلد وأهلها، فتوزيع تلك المنشورات بتلك الطريقة العشوائية أصبح أمراً مزعجاً لأصحاب المنازل والسيارات.
وكحلول لهذه المشكلة، علق السالم قائلاً: «في تصوري أن الحلول لإنهاء هذه المشكلة تكمن في تكثيف وتوعية المجتمع بتلك المسألة، وكذلك من يرغبون في نشر الدعايات لمنتجاتهم سواء كانت تجارية أو خدمية أو ما شابههما من أعمال وإرشادهم إلى الطرق المثالية للإعلان، إضافة إلى التعريف بالكيفية الصحيحة والطريقة المناسبة لتوزيع اللوحات الإعلانية في الممرات والشوارع والميادين، مع تكوين لجنة أو مكتب يضم عدة جهات معنية بالموضوع لتحديد آليات تحفظ للمدينة جمالها وأناقتها، وبث الرسائل التوعوية عبر جميع وسائل التواصل بأن يكون نشر الإعلانات التجارية وفق آلية معينة مناسبة.
امتعاض
وعبر سكان في أحياء الدوحة ومدن أخرى عن امتعاضهم من ظاهرة الإعلانات على السيارات وأبواب المنازل والعمارات ووصف بعضهم واقع الملصقات والمطويات الإعلانية بأنه «شبه فوضى بلغت حداً لا يطاق».. فالملصقات والمطويات و»البروشورات» تطارد الناس في كل مكان، ويجدونها متراكمة أمام أبواب البنايات والمنازل، دون إغفال للسيارات التي كثيراً من تغلفها المطويات والبطاقات الإعلانية لمندوبي المصارف، ومطاعم الوجبات السريعة، وشركات مكافحة المبيدات، حتى أن أعمدة الإنارة لم تسلم من الترويج للدروس الخصوصية ومنتجات المطاعم والشركات المختلفة.
ودفعت ظاهرة تراكم الإعلانات إلى امتعاض كثيرين باتوا يعمدون في كثير من الأحيان إلى التخلص منها دون قراءتها، وهو ما ينفي دورها كوسيلة إعلانية.
وبحسب مراقبين، يفتقر موزعو الملصقات الإعلانية إلى أبسط قواعد الاحترام والالتزام بنظافة وسلامة بيئة المدينة أو المنطقة التي يعملون فيها، بل إن تلك «الفوضى الإعلانية» أظهرت جانباً خطراً يتمثل في التجرؤ على القوانين بالترويج لسلع ومواد قد تكون غير مرخصة ومخالفة للقوانين وخطرة على صحة مستخدميها وحياتهم.
ورأى مراقبون أن مكافحة هذه الظاهرة سهلة، فكل هذه الملصقات تحمل اسم جهة معلنة وعنوانها وهاتفها، ويمكن تتبع أصحابها ومساءلتهم قانونياً لمخالفاتهم الواضحة للعمل دون ترخيص.