المريخي: البصيرة من أَجلّ النعم
موضوعات العدد الورقي
13 أكتوبر 2018 , 02:54ص
الدوحة - العرب
قال فضيلة الداعية الدكتور محمد بن حسن المريخي في خطبة الجمعة، أمس، بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب: «يُثبت الله تعالى كل يوم لأهل هذا الزمان من الغافلين والساهين أن الطريق المستقيم هو دينه وشريعته، وأن السلامة والعافية في هذه الدنيا والنجاة من فتنتها وبلائها، فضلاً عن الفوز في الآخرة، يكون بانتهاج منهجه وصراطه المستقيم».
أضاف فضيلته أن من أجلّ النعم وأكرم المنن في هذه الحياة عامة وفي هذا الزمان خاصة، بعد الإيمان، هو أن يرزق الله تعالى عبده المسلم بصيرة يرى بها حقيقة هذه الحياة، والحق كما أحقه الله ورسوله، ويرى بها الباطل كما أبطله الله ورسوله.
وأضاف: إن البصيرة تجعل المؤمن يرى النافع من الضار ويعرف حقيقة الإسلام وشريعته ويرى بها نعم الله عليه ومننه، وأحقيته تعالى في العبادة وحده، فيعبده ويوحده ويصفه بما يليق به ويقف عند حدوده ويعظم حرماته، ويمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ولا يرخي حبل دينه وزمام ملته، ولا يغتر بالدنيا وآمالها ولا تغلبه نفسه الأمارة بالسوء، ويحذر المحاذير والسقطات والموبقات.
وتابع: إذا أردتم أن تعرفوا نعمة الله على عباده المؤمنين بالبصيرة فانظروا إلى من عميت بصائرهم وأظلمت قلوبهم، فهم في الطغيان يعمهون وفي الباطل يخوضون وفي سخط الله يسبحون (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)،
لافتاً إلى أن البصيرة هي استنارة القلب وإشراق الفؤاد بالارتباط بهذا الدين القيم، وامتلائه بالإيمان بالله ورسوله وتشبعه بالإسلام، وغسله بالقرآن واعتماد الوحي المنزل على سيد الأنام صلى الله عليه وسلم.
وأضاف: إن البصيرة نور في القلب يهتدي به المرء، وهي عين القلب ونوره وبصره وهي فراسة المؤمن، والبصيرة للقلب كالبصر للعين، فالعين التي لا تبصر لا فائدة منها، فكذلك القلب الذي لا بصيرة له لا خير فيه، لا يدل صاحبه على الحق ولا طاقة له على التمييز والتفريق بين ما هو نافع وما هو ضار.
وأوضح المريخي أن الله أثنى على عباده أولي الألباب والأبصار، وذكرهم بأنهم الذين يعقلون آياته ويتدبرونها ويعونها وبها يهتدون، فقال: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار) يعني أولي القوة في الحق والعبادة والعمل بالدين، وقال تعالى: (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب).
ونوه بأن البصيرة في القلوب تكون للذين آمنوا بالله ورسله ووحدوه وسبحوه، لأن المؤمنين ببصائرهم بإذن الله يعرفون الحقيقة كلها، حقيقة هذه الدار وما بعدها في الآخرة من موت وبرزخ ونشور وحساب وسؤال وعذاب وعقاب وجنة ونار، وهذه لا يدري عنها إلا المؤمنون أما غيرهم فمعرفتهم قاصرة جداً، كما نوه بأن الإيمان بالله تعالى والعمل بالإسلام هو مصدر البصيرة.
وأكد المريخي أنه إذا استنارت البصيرة فسوف يميز المؤمن بين الحق والباطل وبين الأولياء والأعداء ولا ينخدع بالمظاهر والزخارف، والأنبياء والمرسلون والأولياء وعباد الله الصالحين لما آمنوا بالله ودانوا بدينه وتشرفوا بتوحيده وعبادته رزقهم البصيرة، فاستنارت قلوبهم.
حديث فرعون وقوم نوح
ذكر فضيلة الداعية الدكتور محمد بن حسن المريخي أن الله تعالى ذكر أمثله لمن عميت بصيرتهم في هذا الكون في يوم من الأيام، وانتكست فطرهم، وشانت سلوكياتهم، ذكرهم عبرة وعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وأضاف: إن من بين من عميت فطرتهم فرعون الذي مدح نفسه بقوله: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)، مع أن الله تعالى قال عن مشروعه وسلوكه: (وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ)، يعني في ضلال وخسار، غرّ قومه فأضلهم فهم عميان يعمهون (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).
كما تحدث فضيلته عن الأقوام التي عميت بصائرها، ومنهم قوم نوح عليه السلام الذين من عمى قلوبهم ردوا عليه دعوته للتوحيد، وقالوا: (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) الساقطون في نظرهم، ولو كانت دعوتك صحيحة لاتبعك علْية الناس.
ظلام القلب بلاء عظيم
قال الدكتور محمد حسن المريخي في خطبة الجمعة، أمس، إن البلوى في دار الدنيا أن تعمى البصائر وتظلم القلوب وتعمى وتنكس، فهي سوداء لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً بفعل الذنوب والمعاصي، وإهمال جانب الدين القيم وهجر القرآن والبعد عن الطاعة والعبادة والاغترار بالدنيا وطول الأمل. وأضاف: من عميت بصيرته لا يرى الحق حقاً ولا الباطل باطلاً، بل تختلط عليه الأمور في هذه الدنيا كالذي يتخبطه الشيطان من المس، وكالأعمى الذي لا قائد له، فيُحرم ما حرم الله، ويتخذ العدو صديقاً، والصديق عدواً، وسوف يستبيح بيضة المسلمين ويصون صوامع الكافرين .
وأوضح أن عمى البصيرة والقلب هو العمى المبين والبلاء العظيم، أما عمى الأبصار والعيون فهو مرض عارض قد يشفى منه الإنسان ولا يضر في دين ولا خلق، فأكرم العباد أصابهم عمى العيون وهم أولياء كعبدالله بن أم مكتوم رضي الله عنه مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي عاتب الله تعالى رسوله الكريم عندما أعرض عنه منشغلاً بمن يطمع في إسلامهم.
وأوضح أن السبب الكبير في بلوى عمى البصيرة هو الإعراض عن الإسلام والوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «بعد هذا الإعراض عدد ما تشاء من الأسباب والمسببات للعمى القلبي، وإن المرء إذا أعرض عن الإسلام أو عامله معاملة تحصيل حاصل، فإنه سيعمى حقيقة ولو كان مبصر العين، وسوف يقدم علمه ومعرفته وثقافته وعقله بل وشهوته على دين الله، وسوف يجعل عقله حاكماً على دين الله، وسوف يقدم ويؤخر بناء على قبول أو ردّ عقله. وأضاف: إن المصاب بعمي البصيرة سوف يرفع من وضعه الله، ويضع من رفعه الله، وسوف يكون منحرفاً في تصرفاته وفي فكره الأعرج.