د. حسن الترابي: سنة في السجن أهم من سنوات بالجامعة

alarab
منوعات 13 أكتوبر 2012 , 12:00ص
الدوحة - أحمد الوحيدي
يغري الحديث معه، بمقاربة الراهن والخوض في معترك السياسة وتشابكات الراهن السوداني، وأبعد منه صعود الإسلام السياسي ما بعد هبات «الربيع العربي، ذلك أنه ربما لا يتوافر بين جيل المفكرين العرب اليوم من يمتلك ما امتلكه د.حسن الترابي من نظرة واشتباك مع الواقع مثلما قيض له. بيد أن هذا حوار ينصرف عن ذلك كله ويعود بعيدا إلى صفحات أولى في التكوين لأبرز المنظرين الإسلاميين في الوقت الراهن، وهو أيضا المنظر المشتبك مع قضايا عصره، والمنهمك بتأملاته في الدين والحياة والفن. فهو أشهر قادة الإسلاميين في العالم، ومن أشهر المجتهدين على صعيد الفكر والفقه الإسلامي المعاصرين، له كتاب في تفسير القرآن وكتاب في أصول الفقه وكتب كثيرة أخرى في مجالات الإصلاح الإسلامي والسياسة. في عشرينيات القرن الماضي ولد د.حسن عبدالله الترابي، في شرق السودان لأب هو قاض شرعي، بيد أن أصوله الأولى تعود لقرية ما تزال تحمل اسم «حمد الترابي»، أخذ د.حسن عنه نزعة صوفية، والتحاما بالواقع، يستعيد صورة الجد «صوفي النزعة»، لكنه ليس طرقيا، فالصوفية فيها ثورة على الظلم، وعدم اعتكاف وانزياح على الخصوصية، وعن الوالد عبدالله كان يأخذ كل ما طاوله الأب من علم، ولعله الدرس الأصعب في تعلم الفتى حسن، فبعد أن يكون قد أخذ دروسه في المدارس النظامية يعود إلى الأب الذي يأخذه في رحلة طويلة إلى اللغة صرفها ونحوها وبحور شعرها، التي حذق صاحب «كتاب الإيمان» إيقاعها فنظم قصائد في طفولة مبكرة غيره انصرف عنه. بين دروس أبيه ودروسه بالإنجليزية في المدارس النظامية كان يجمع الثقافتين في وقت واحد، وبذلك فلا مجال للانفصام ولا الدهشة بالآخر، وهو ما سرى في ممارسته السياسية بعد ذلك إذ عرف الغرب وثقافته. وإذا كان الطيب صالح قد سجل في رائعته صدمة العلاقة بالآخر في موسم الهجرة للشمال، وكتب الفقيه رفاعة الطهطاوي عن الرحلة الصدمة في زيارته لباريس، فإن حسن الترابي كان أقل دهشة من ذلك كله، ومضى في دراسته في إنجلترا وفرنسا بعد ذلك يقارب ويتأمل مصائر حضارتين الإسلامية ونهضة الغرب. على أن التكوين الثقافي الأهم والنافذة التي انفتحت واسعا على ضيقها له كانت السجن، وفي خلواته تلك التي تعددت -أي الإقامة في السجن- قرأ آلاف الكتب وفتح من كوة السجن نافذة واسعة على معارف العالم، وثقافته قرأ الألمانية وعرف الفرنسية وراء القضبان. والسجن والخلوة تجاوزت ذاك، فهي مكان التأمل والعلم والإنجاز وأهم كتبه وتأملاته سطرها هناك. وما بينه مفكرا وسياسيا، لم يقطع الترابي بانعزال الفقيه عن معترك الواقع، وإذا كان المثقف العلماني العربي خاض طويلا في عزلة المثقف عن معترك السياسة، فإن الترابي وجد أيضا في (علم وعمل) منهجا، فما أنجزه فكرا هو علم لعمل، على أنه في الممارسة على أرض الواقع تدرج وجرعات. «العرب» التقت الدكتور حسن الترابي، وكان هذا الحوار عن قرب: ¶ الحديث معك يغري بمقاربة الحاضر وتعقيداته السياسية، لكني أعود إلى مرحلة التكوين وأسألك عن فضاءاتك الأولى وعن طفولة بعيدة ترصدها الآن.. - قرية الأصل تسمى باسم الذي أسسها، قبل مئتي عام، أما مؤسسها فهو حمد الترابي، وكان عالما صوفي النزعة، لكنه لم يكن يتطرق، (يتبع طريقة صوفية بعينها) ولا يقتصر على الخصوصيات التي ينطوي عليها المتصوفة، ولكن الظلمات التي كانت على الناس من ضرائب من دولة كانت منسوبة إلى الإسلام في ذلك الوقت، كان يتعرض لها وهنا أقصد دولة (سينار)، كان يأتي جباة هذه الدولة لأخذ متاع الناس فيتعرض لهم، وكان يتصدى لهم وكانوا يخشون المساس بالشيوخ الذين لهم أتباع، خشية غضبتهم، وهو أحد الشيوخ المهابين في وقتهم. وفي الحديث عن حمد الترابي، فقد كان دائما يتجدد في رؤاه، سافر مرة إلى الحج ووجد الناس يحبسون فرسا، وسألهم لم هذا، فقالوا ننتظر خروج المهدي عند الركنيين فأنكرها في نفسه، فركب الفرس وذهب بها خارج الحرم بعضهم ظنوا أنه هو المهدي بعينه، ذلك طرف من حديث عن مؤسس القرية. أما أبي فكان قاضيا شرعيا واشتغل في قضاء الأسرة في فترة الحكم الإنجليزي الذي كان البريطانيون يستولون على كل شيء، وبالمقابل كانوا يوكلون إلى والدي مهمة القضاء في شتى أنحاء السودان، مولدي كان في شرق السودان ومع الوالد في حله وترحاله طفت السودان من شمالها وجنوبها؛ ذلك الترحال أفادني من حيث إنني لم أشعر بأنني أنتمي إلى مكان معين، ولم تغشني العصبية لمكان ما، وحيثما ذهبت وارتحلت إلى مكان ما في السودان أخذت تعليمي، وجدت نفسي بسبب من هذا الترحال سودانيا لا أنتمي إلى مكان واحد فيه بل إليه كله. العلم الأصعب ¶ قبل المدارس النظامية عمن تلقيت علومك الأولى؟ - في مرحلة التعليم النظامي سلكت مدارس الدولة النظامية، حيث كانت جامعة الخرطوم تدرس باللغة الإنجليزية، وإن صارت اليوم تدرس باللغة العربية، الدرس النظامي وضعه الإنجليز في ذلك الوقت، وبدأت بتلقي علومي بالإنجليزية بعد السنة الرابعة، ولكن كنت عندما أعود من الإجازة، وكان ذلك وقتا عسيرا علي، إذ يتكثف الدرس فآخذ من أبي ما تعلمه هو من العربية: من نحوها إلى صرفها وشعرها وأوزانها وبحورها ومعلقاتها، تلقيت من العلم على يديه، العقائد وكل ما تعلمه أبي من دراسة تقليدية، كان يمليها علي -وهنا حمدت الله أنني تلقيت التعليم عن الثقافتين في وقت واحد معا- كثير من الناس يأخذون العلم التقليدي ثم يفتحون نافذة على الثقافة الأخرى فكأنما يصبحون شخصيتين- لكن ما توافر لي أنني أخذت الثقافتين معا، وهذا ترسخ في ثقافتي. ¶ لكن أي سمت كان لك، وماذا تذكر عن سمتك ومشاغباتك في ذلك الوقت المبكر من العمر؟ - بحكم عمل والدي قاضيا كان يؤمن بالاستقلالية، ولذا لم يكن لديه الكثير من المعارف، والصداقات، حتى لا يتأثر حكمه بحكم تلك العلاقات وكان يحاصرنا في البيت فلا نتلقى الهدايا، حتى الهدايا العادية كالتمر (التمر الذي هو أشبه بالتحايا)، وهذا علمنا الانغلاق الذي لم ينفتح إلا بانضمامي للحركة الإسلامية في الجامعة، وفي الثانوية كنت أعيش مع كل أطياف الناس من السودان، وهذا بدوره كان يتيح لي السماع والمعرفة عن كل بقعة فيه، ومن المناطق التي لا أعرفها وبالتالي أشبع في هذه الروح من أن السودان ليس فيه تلك الوطنية الراسخة كتلك الأوطان في سوريا ومصر، لأن السودان أقوام وشعوب جمعها الاستعمار. ¶ أية علل للسودان مختلفة عن دول المشرق في سوريا ومصر؟ - ليس له عللها، لكن علله أشد وأكثر تركيبا وتعقيدا، فهو لم يتمازج كل هذا التمازج، والثورة المهدية التي قامت ضد الاستعمار، ثارت على نزعة القطر الذي لم تكن تعترف به أصلا، إذ كان الدين هو مرتكزها الأساس، وهجرت الناس بعضهم إلى بعض، وقبلها مع الاستعمار انحصر كل في منطقته ومن هنا جاءت علتنا الكبرى. شاعر في الطفولة ¶ يغريني التكوين الأول وأعود إلى شغفك بالعربية وأوزان الخليل، ماذا عنك شاعرا؟ - منذ أيامي وفي السنة الرابعة كنت أنظم الشعر موزونا، وأحيانا كنت أستشهد لطلاب العربية بشعر هو لي، ويسألونني من أين هذا؟ أكتب لهم قصيدة وأقول لهم سأجد المؤلف لها ويحفظونها، قوتي وتمكني من العربية، هو الذي فتح لي الباب حتى للغة الإنجليزية، وللفرنسية والألمانية بعد ذلك، اجتهدت كثيرا في تحصيل معارفي حتى إنني قفزت سنة كاملة في الدراسة، حتى الذين زاملتهم وهم أعلى مني في الدراسة كنت أفوقهم وأعلى منهم في المستوى العلمي. في السجن قرأت آلاف الكتب سيرتي كلها من الكتب ومع الكتب، وأنا مدين لآلاف البشر وأنت تعلم، أنني قضيت في السجن اثني عشر عاما تعلمت وقرأت فيه آلاف الكتب، فهناك في السجن لا يشغلك شيء وسنة واحدة في السجن خير من سنتين أو ثلاث في الجامعات، ففي الجامعات تنصرف إلى لهوك وصحبتك وعلاقاتك الاعتيادية، أما في السجن فأنت محبوس وكل الذي جمعته في حياتي في إنجلترا وفرنسا، ومن الألمانية كان يأتيني إلى السجن، وكنت أقرأه بتأمل لم أكن أتصفحه هكذا، كنت أحب أن أقرأ في كل شيء وأضرب في كل الاتجاهات، حتى الموسوعات العلمية أقرأها كذلك وبسعة، أحب قراءة التأريخ والجغرافيا، البشرية في كل أنحاء العالم، والقانون وأيضا، شغفتني الفلسفة، لا فلسفة بعينها بل كل دروس واتجاهات الفلسفة في أوروبا وغيرها، كنت أحاول أن أوسع ثقافتي كانت دراستي القانون لكن ما نفعني، وهذا ما كان يشغلني أنني إذا خرجت إلى الحياة فيجب أن أكون على علم بكل مشقة الحياة، ومسالكها وهمومها ومعارفها كذلك. كنت أبحر في الكتب متأملا ولا يشغلني شيء أو أحد، وقد زادتني هذه الأيام قوة وثقافة ولم تضعفني، ومن تلك الكتب الأفغاني ومحمد عبده والمودودي ومحمد إقبال وغيرها من الكتب القديمة، حيث أقرؤها برؤية جديدة وقد انتفعت من كل ذلك. ¶ أسألك عن آبائك الأولين من منحوك جمرة المعرفة.. - كل الناس يعلمون من هم آبائي، فجدي شيخ له قبة كبيرة في حلة الترابي، (يسمونهم الأولياء)، أما آبائي المعرفيون فليسوا شيوخ العلم الإسلامي، وشيوخ الثقافة الإنجليزية والفرنسية، بل هم أيضا هؤلاء العامة وأبناء الوطنية المنفتحة في السودان، ورجال الدعوة، التي عرضتني لملايين البشر هؤلاء قد يكونون أقل منك مستوى ولكنهم يعلمونك، لم أكن لأريد أن أتعلم النظر في الفضاءات والعلم التقليدي، ولكن ما أردته أن أنزل بهذا العلم إلى الحياة، وهؤلاء من يعرفونك بالحياة وابتلاءاتها المختلفة. بالتأكيد لا أنكر جميل أحد، ولكن الناس وبحكم أسفاري حتى خارج السودان، حيث كنت لا أحب الفنادق، هم من كانوا يعلمونني، وحيثما ذهبت ألتقي الناس وأسكن معهم، وحين ذهبت إلى أميركا وفي دورات طويلة كنت أسكن مع الناس، وأتلقى من المجتمع علما واسعا لا أستطيع أن أحصيه ولكنه يمدني إلى الحياة وصورها ووجوهها، والعلوم التقليدية التي أتلقاها تحيا في نفسي لكنها ميتة، تعمل وظيفة اللفظ، لكن الفهم والإنزال إلى الواقع، واستنباط الآراء الجديدة والمتجددة فهي في الواقع ومنه، لذا أنا شديد الجرأة، إذ إنني لا أنتمي إلى طائفة بعينها وأنا واسع الانتماءات. وكان من حسن حظي أنني عندما سجنت، سجنت من طرف السودان إلى طرفه، تعرفت إلى سجانين مختلفين، ومسجونين من أنحاء السودان ما مكنني من حفظ لغات أهل السودان ولهجاتهم، اللغة الشمالية القديمة التي تشبه الهيروغليفية ومن الشرق لغات مشاقة من العربية، وكلها تلقيتها من المساجين، إذن نفعتني هذه السعة. ¶ تذكرني بابن تيمية في حديثه عن السجن، «ما يفعل أعدائي بي أن حبسوني فحبسي خلوة»، هذا حديث مستفيض عن خلوتك! - اعتقالي الاول كان عندما حدث انقلاب شيوعي النزعة عسكري الطابع، في أواخر الستينيات السجن كان على ضيقه إلا أنه كان عالما مفتوحا تأتيك فيه الكتب وحيثما شئت، وفيه كثير من الناس لا تلقاهم هكذا عرضا، ويعيشون معك ومن كل الثقافات، لكن الأساس هو الكتب، الكتب الكتب، هكذا ظللت أحيانا سنتين، وزوجتي أخذت سنة من السجن البيت اعتاد سجني، أحيانا تسوء العلاقة في السجن وأحيانا تتحسن، وكل الكتب التي كتبتها في السجن المجتمع السوداني وثيق الطابع في زواجه ومآتمه، أيما مريض تزوره، وأيما عقد تشهده وأيما مولود تشهد ولادته، هذا الخارج كان يصرفك عن القراءة، أما في السجن فأنت متفرغ للقراءة، وإذا ما أتيح لك الورق والقلم فأنت تكتب متأملا متدبرا، الكتب تجدها مستوى عاليا واللغة العربية الآن الدارجة في الصحافة أريد أن أرفعها لا لكي يحتاج الناس قاموسا لفهمها ولكن ليعود إليها بهاؤها. مع الآخر ¶ كتب الطيب صالح روايته الشهيرة عن اللقاء بالآخر، وكتب رفاعة الطهطاوي عن صدمة الفقيه في فرنسا، ماذا عن لقائك أنت بالآخر في فرنسا وإنجلترا؟ - بطبعي لا أبالي به ولا أندهش منه، ولدي استقلاليتي عنه، طبعا رأيت ما رأيت من انفتاح المرأة هناك، ورأيت الأنثى في الطرقات قبل ذهابي إلى فرنسا، كنت في إنجلترا والشعب البريطاني بطبعه منغلق وكان من الصعب علي التعرف إليه، وكنت أريد أن أعرف كثيرا، لكن بريطانيا بالمناسبة صغيرة ويمكنك أن تجولها خلال ساعات، قرأت واسعا في الماجستير لكنه لم يتأت لي أن أعرف كثيرا عن ثقافة المجتمع، ذهبت طبعا إلى فرنسا لأعرف تاريخها وثقافتها ومجتمعها وشعبها منفتح، وهناك تزوجت في فرنسا، الشهادة كانت بالنسبة لي ثانوية قرأت التاريخ الفرنسي والأدب والفلسفة، وتاريخ الكنائس أعلم أني أصبحت إسلامي النزعة، ولذلك نعم كانت القراءة نقدية وكان فيها محاولة لفهم الحضارة الإسلامية كيف انحصرت عن الواقع، وأصبحت أقوالا وشعائر يؤدي صورها، ولكنه لا يدرك معانيها على الأرض، فأنا شعرت أن المجتمع بحاجة إلى إحياء الشعائر ومعانيها لدى المسلمين. أريد تقوى الله في النفوس غير بسط القانون، هناك تأملت الحضارة الأندلسية وكيف أنها بسطت حضارتها لكل الغرب، الثقافة الرياضية والفلكية وعلم الإنسان والثقافة القانونية وأصول أحكام السلطان والعقائد، كل هذه الثقافة دفع بها الأندلسيون إلى الغرب لكنهم هم بدؤوا بالتخلي عنها. ¶ مفهوم الهوية في السودان والأمة نظرت له كثيرا، لكن ماذا عنك أنت الطريد والسجين والسلطان والمفتي والمفكر؟ - بالنسبة للسودان ليس فيه هوية الوطن الواحد الذي يتعصب له الناس فيكونوا وطنية منغلقة يتعصبون لها، الطوائف في السودان متعددة ومتنوعة على إفريقيا والعالم العربي، طبعا العالم كله الآن ينفتح على بعضه، هذا التنوع أدى إلى انفتاحي وتعددي أنا أيضاً، ألفق دائما والدوائر تتسع بي نحو العالم، ثقافات العالم وديانات العالم هذا فتح نفسي أيضا على الغيب بكل تياراته، هذا فتح عيني على الذين عمروا الأرض وزالوا وفكرة الحق أنه ينشط بنشاط الباطل ليستفزه ويثور عليه، وحياتي هي بين النظر والعلم. الحركة الإسلامية علمتني ألا أترك الكتب، هكذا وأدعها دونما نظر إلى الواقع، كل الحياة وبعض الناس ينكرون ذلك، هذا دفعني إلى الالتصاق بهذه الكلمة، علما وعملا، إذا علمت شيئا تطور لك الرؤى، هذا جزء أصيل من الإسلام وفي الثقافات الغربية أيضاً لم تبق علومهم هكذا مجردة في الهواء، ونزلت إلى مناهج عملهم ونظمهم السياسية وكذلك نقدها بعد ذلك. ¶ في الممارسة السياسية لك ألم تلحظ اهتزاز رؤية الناس لمنتجك المعرفي؟ - طبعا النظر حر ومطلق ويرتفع بك إلى مقامات عليا، ولكن إذا نزلت إلى الواقع يضطرك ذلك إلى التدرج والبدء بدرجة أولى وهكذا، ونظرك بعيد ولكن لا تكون قد نلته بعد، والناس ينظرون إليك وكأنما غيرت وبدلت. ¶ بين مقارباتك الفكرية واشتباكك مع السياسة، هل اهتزت رؤاك في نظر الآخر بسبب الممارسة وأخطاء السياسة؟ - المثال لم يكن طيبا، لكن هذا ما نفعني، أنا أدرك أنه كان علي أن أخوض مع الخائضين وأرى كيف تفسد السياسة، والطغيان الآخرين. وعبر تجربة الحركة الإسلامية في السودان أتحدث عن الحركات الإسلامية التي دخلت لأول مرة، للسلطة أو هي قادمة إليها أنا لا أبسط لهم علما كيف يحكمون وماذا يتجنبون، وأحدثهم عن نفس السلطان وما فيه، وعن الرعية في تعاملها مع السلطان، أحدثهم عن تجارب ووقائع وعن دراسات في التاريخ الإسلامي كذلك. ¶ ماذا عن تأملاتك الفكرية الجديدة؟ كلما جد بي الزمان فأشهد انفتاح الناس أكثر، والقرآن عندما حرم الخمر حرمه درجة درجة، والصلاة نفسها درجة درجة والديانات كلها تنزلت على واقع الناس بالتدريج، قبل سنوات طويلة اعتمدت على أن يأخذ الناس دينهم جرعة جرعة، وقلت مرة إذا جاءتكم المسلمة المتزوجة من الكتابي فلا تصروا على طلاقها يومها قامت علي الدنيا ولم تقعد، وبعد عشرين عاما هم أخذوا بهذا الرأي، كان منطلقي يومئذ ألا تخرب البيوت بسبب هذا الطلاق. الناس لا يحبون البدعة، والله هو البديع ومبتدع الكون، وهذا منهجي أن أنزل على الناس في التدرج في منهجهم، المنهج التوحيدي في تفسير القرآن أنا قرأت كل التفاسير اللغوية والبلاغية وغيرها، والحكمي النزعة والكلامي النزعة لكن لم يكونوا يربطون كل كلمة وكل جملة، الحروف نفسها معنا، وإذا اجتمع حرفان وإذا تبعه ثالث المعنى الكلي واحد، فأنا أحاول أن أربط الآيات، وأستعين بفهمي، وأربط الآيات بمنحاها، وكيف جاء كل معنى في الإطار الذي تنزل في البيئة الثقافية ومن يخاطب وتنزيله إلى الواقع. ¶ ماذا عن متابعتك لكرة القدم هل أنت هلالي أم مريخي؟ - لست هلاليا ولا مريخيا، فأنا لا أحب الانحياز ولا التعصب وحتى عندما كانت تلعب جامعتنا مع أخرى فإنني أكاد أشيد بها إذا لعبت جيدا، وأنا إذا رأيت الأشياء الجميلة أشيد بها أشاهد كرة القدم، وبالنسبة للفن ولأنني تعلمت الشعر وأوزانه فإنني أسمع الشعر الملحون في السودان، وأحيانا أسمع الشعر، هذا أيضاً فتحني لسماع الموسيقى في الغرب بيتهوفن وغيره، كنت في سنوات خلت أسمع أحيانا بعض هذا الغناء العرضي اللهوي، لكن أسمع موسيقى وتعيدني إلى موسيقى الطبيعة وتعيدني إلى القرآن «يا جبال أوبي معه»، وتعيدني كذلك إلى الطير وصدحها. وأرى حولي الأفارقة يتحركون على أيما (وقع) حتى الصغار يفعلون ذلك يتحركون ويرقصون على أيما إيقاع، والقرآن فيه الفواصل القرآنية التي تهزك، فالله يتخذ من الموسيقى والوقع كي يتعمق المعنى في نفسك، أستمع إلى الأغاني السودانية، وسمعت لمحمد وردي وغيره من المغنين والمنشدين وأسمع بعضهم يقولون هذه الآلة حلال وهذه الآلة حرام، وأتحدث لكثير من الفنانين واقول لهم اما أن يأخذكم ابداعكم إلى الجنة أو النار. ¶ ثمة تخوف من أن هبات الربيع العربي ستضيق هذا الواسع وتصادر الفن، ما رؤيتك أنت حيال هذا الأمر؟ - لا أريد أن أفتي هذا حلال وهذا حرام، ولكن أقول للفنان إن الله أعطاك سلطة وعلما وقدرة كلامية أو رسمية، فإما أن تصل به الجنة يوم القيامة، أو لا تصل كما هي الحياة كلها، وكثير من الفنانين بدؤوا يصلون، بعد أن كان علماء تقليديون دفعوا بهم خارج حظيرة الدين. الترابي.. في سطور ولد العام 1932. ? درس الحقوق في جامعة الخرطوم منذ عام 1951 حتى 1955. ? حاصل على الماجستير من جامعة أكسفورد عام 1957، دكتوراه الدولة من جامعة السوربون، باريس العام 1964. ? يتقن أربع لغات بفصاحة وهي العربية، والإنجليزية، والفرنسية، والألمانية. ? عين أستاذاً في جامعة الخرطوم ثم عين عميداً لكلية الحقوق بها، ثم عين وزيراً للعدل في السودان، ثم وزيراً للخارجية في السودان العام 1988، ثم رئيساً للبرلمان في السودان عام 1996. ¶ بعدما تخرج عاد إلى السودان، وأصبح أحد أعضاء جبهة الميثاق الإسلامية، وهي تمثل أول حزب أسسته الحركة الإسلامية السودانية والتي تحمل فكر الإخوان المسلمين. بعد خمسة سنوات أصبح لجبهة الميثاق الإسلامية دور سياسي أكثر أهمية، فتقلد الترابي الأمانة العامة بها عام 1964. ? عمل الترابي في ظرف سياسي اللاعب الأساسي فيه طائفتا الأنصار والختمية ذواتا الخلفية الصوفية اللتان تدعمان حزبي الأمة والاتحادي ذوي الفكر العلماني. ? بقيت جبهة الميثاق الإسلامية حتى عام 1969 حينما قام جعفر نميري بانقلاب. تم اعتقال أعضاء جبهة الميثاق الإسلامية، وأمضى الترابي سبع سنوات في السجن. أطلق سراح الترابي بعد مصالحة الحركة الإسلامية السودانية مع النميري عام 1977. ? أعلنت حكومة نميري فرض قوانين الشريعة الإسلامية في عام 1983، وانقلبت بعدها على جبهة الميثاق الإسلامية -حليفتها في السلطة- عارض الشعب هذا الأمر بواسطة الإجراءات القانونية مثل حل البرلمان السوداني، وبواسطة المظاهرات، مما أدى إلى ثورة شعبية ضد نميري في عام 1985. ? أسس الترابي بعد عام الجبهة الإسلامية القومية، كما ترشح للبرلمان ولكنه لم يفز. في يونيو عام 1989، أقام حزب الترابي انقلابا عسكريا ضد حكومة المهدي المنتخبة ديمقراطيا وعين عمر حسن البشير رئيسا لحكومة السودان. ? في عام 1991 أسس الترابي المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي الذي يضم ممثلين من 45 دولة عربية وإسلامية، كما انتخب الأمين العام لهذا المؤتمر. اختلف مع حكومة الإنقاذ حول قضايا، أهمها الفساد، والشورى، والحريات، وحل البشير البرلمان، في أواخر عام 1999م، وبعدها أصبح الترابي أشهر معارض للحكومة. شكل مع عضوية حزبه المؤتمر الشعبي، في 31 يونيو 2001م. وحوى معظم قيادات ورموز ثورة الإنقاذ الوطني، ومسؤولين كبار في الحكومة تخلوا عن مناصبهم. ¶ اعتقل في 2001م لتوقيع حزبه مذكرة تفاهم مع الحركة الشعبية، ثم اعتقل مرة أخرى في مارس 2004 بتهمة تنسيق حزبه لمحاولة قلب السلطة. من مؤلفاته - قضايا الوحدة والحرية (عام 1980). - تجديد أصول الفقه (عام 1981). - تجديد الفكر الإسلامي (عام 1982). - الأشكال الناظمة لدولة إسلامية معاصرة (عام 1982). - تجديد الدين (عام 1984). - منهجية التشريع (عام 1987). - المصطلحات السياسية في الإسلام (عام 2000). - الدين والفن. - المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع. - السياسة والحكم. - التفسير التوحدي. - عبرة المسير لاثني عشر السنين. - الصلاة عماد الدين. - الإيمان وأثره في الحياة. - الحركة الإسلامية.. التطور والنهج والكسب. - التفسير التوحيدي.