إضاءة في كتاب.. الشُّورَى فَرِيْضَةٌ إِسْلاَمِيَّةٌ

alarab
الملاحق 13 سبتمبر 2024 , 01:05ص
د. علي محمد الصَّلابي

إنَّ الشورى قيمةٌ إنسانيةٌ مارستها الجماعاتُ والقبائلُ والشعوبُ والأمم على مرِّ تاريخها الطويل، كلٌّ بطريقتِه وثقافته وعقيدتِه وأعرافِه وتقاليدِه، سواء في سهول سيبيرية، أو أدغال إفريقية، أو صحراء الجزيرة العربية، أو هضاب آسيا، أو مروج أوروبا، أو غيرها من بلاد الله الواسعة، إلا أنَّ الإسلامَ أضاف لها بُعداً تعبدياً، وجعلها من القيم الإنسانية الرفيعة، ومن المقاصدِ الكبرى لهذا الدين، ورتّب على العمل بها ثواباً، وعلى تركها عقاباً.

والشورى كانت مع بداية خلق الإنسان، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ٣٠ [البقرة] وهذه المحاورةُ تنطوي على نوع من المشاورة، أريدَ بها أن تكونَ في بَدْءِ الخليقة لتكونَ هدياً ملازماً لبني آدم منذ الخَلْق الأول، وليكونَ كالاستشارة للملائكة، وتكريماً لهم فيكونَ تعليماً في قالب تكريم، وليسنَّ الاستشارةَ في الأمور كلّها، فالشورى هي أوّلُ سنةٍ اجتماعيةٍ سنَّها الله لخلقه ولعباده ليقتدوا بها، ويهتدوا بُهداها.
وفي هذا الكتاب يجدُ القارئ الكريم دراسةً موضوعيةً للآيات المتعلقة بالشورى، كالشورى عند إبراهيم عليه السلام، والشورى العائلية، والشورى التي لها علاقة بالحياة العامة، كقوله تعالى: فالآية الكريمةُ وردت في سورة تحمِلُ اسم ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *﴾ [الشورى: 38]، وتسمية إحدى سور القرآن الكريم باسم الشورى هو في حد ذاته تشريف لأمر الشورى، وتنويه بأهميتها ومنزلتها، وجاءت الشورى في هذه الآية وصفاً تقريرياً ضمن صفات أساسية لجماعةِ المؤمنين المسلمين، فهم بعدَ إيمانهم متوكّلون على ربهم، مجتنبون لكبائر الإثم والفواحش، مستجيبون لأمر ربهم، مقيمون لصلاتهم ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ويزكون أموالهم وينفقون منها في سبيل الله ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *﴾ [الشورى: 38]
وقد تمّ تقسيمُ الكتاب إلى بابين:
الباب الأول ـ الشورى في القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي: وفيه عشرة فصول:
الفصل الأول والثاني تحدّثتُ فيهما عن الشورى في القرآن الكريم ومجالاتهما.
ثم تحدّثتُ في الفصل الثالث عن الشورى في عهد النبوة المبارك، وفي الفصول الرابع والخامس والسادس والسابع تحدّثتُ عن الشورى في عصر الخلفاء الراشدين الخمسة، وفي الفصل التاسع عن الشورى في عصر عمر بن عبد العزيز، وفي الفصل العاشر عن الشورى في عصر نور الدين محمود.
وفي الباب الثاني ـ الشورى تعريفها وأحكامها وفوائدها ومجالاتها: وفيه عشرة فصول:
الفصل الأول: تعريف الشورى وحكمها، بيّنتُ فيه أنّها واجبةٌ بالنظر إلى طبيعة الحكم في الإسلام، وأنَّ قواعد السياسة الشرعية تستلزِمُ عدم الانفراد بالرأي، لا سيّما في أمور المسلمين العامة.
ثم بحثتُ في الفصل الثاني مسألةً مهمّةً هي: هل الشورى مُعْلِمة أم مُلْزمة؟، وانتصرتُ للقول بأنها ملزمة، واستدللت على ذلك بأقوال كوكبةٍ من علماء الأمة، فالقول بإلزامية الشورى هو ما ندينُ الله به، ونرى ضرورته وجدواه، ومن دونه لا يمكن تفعيل الشورى على المستوى الدستوري للشعب، فالدولة الإسلامية دولةٌ مدنية، تؤمن بالمؤسسات، وترى فصلَ السلطات، وأن تكون مرجعيتها الإسلام، فهي ليست دولةَ أسرارٍ ثيوقراطية مغلقةٍ يديرُها رجالُ الدين، وإنّما هي دولةٌ لشعبٍ يسعى في أمر النصح والشورى، وأن يلتزمَ ولاةُ الأمور بحكم الأغلبية، كشورى ملزمة، فهذا الأمرُ من الأهمية بمكان، ولا بدَّ من أن يستبينَ تماماً قبل الشروع في أيِّ محاولةٍ جدية لتطبيق الشورى في النظام السياسي الإسلامي.
وأمَّا الفصل الثالث فقد بحثت فيه مجالات الشورى، وبينت أنّها متعدّدة، فالمجال السياسي الدنيوي، وفي القضاء، وفي تنزيل الأحكام القطعية، وفي الأحكام الاجتهادية والخلافية، وفي تنظيم الشورى.
ثم لخّصت في الفصل الرابع أهم فوائد الشورى؛ من إصابة الحق، وأنها طاعة لله وقربة، وتلاقح للأفكار، وتبادل للخبرة، والاطلاع على ما عند الآخرين، وإعطاء قوة للمجتمع في أكثر من مجال إنساني، وإشعار المشاركين بالمسؤولية، وتولّد الثقة بين الحاكم والمحكوم.
ومن فوائدها الوقاية من الاستبداد، وتزويد الدولة بالكفاءات والقدرات المتميزة، وبها تنحصِرُ عيوب التفرد بالقرار، وبها تضيقُ هوّة الخلاف بين الراعي ورعيته.
والشورى تفجّر الطاقاتِ الكامنةَ في أفراد الشعب، وتشجِّعُ ذوي الخبرات، وتكافِحُ نزعات التطرُّفَ والعنف، وتسدِّدُ النظرَ إلى المشكلة من زوايا متباينة، وبها تُتَجَاوزُ الخطوبُ التي تشلّ التفكيرَ الفرديَّ.
ثم تحدّثتُ في الفصل الخامس عن جواز مشاركة المرأة في الشأن العام، وبيّنتُ ما قصّه علينا القرآن الكريم من حالةِ المرأة، وهي تستشيرُ غيرها، وحالة المرأة وهي تشيرُ على غيرها، وكل ذلك في سياق التنويه والإقرار والرضى.
فأما الحالة الأولى: ففي قوله تعالى عن ملكة سبأ: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ٢٩ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [النمل: 29-30].
وأما الحالة الثانية ففي قول إحدى المرأتين الأختين لأبيها عن موسى عليه السلام: وقد نتج عن هذه المشورة المباركة استقرارٌ وأمنٌ وراحةٌ كبيرةٌ لموسى عليه ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ *﴾ [القصص: 26]
ثم وضحتُ في الفصل السادس قضية الشورى الأقليات، وبينت أنَّ قيمة الشورى تتّسع لسائر المواطنين في كلِّ شأنٍ يمسُّ المصلحة العامة، فلا يتدخّل المواطنون المسلمون فيما يجريه المواطنون غير المسلمين من شورى في شؤون عقيدتهم، ولا يتدخل المواطنون غير المسلمين فيما يمارسه المسلمون من شورى في شؤون عقيدتهم إلا ما كان له دخلٌ في القواعد المشتركة بينهما من قيم إنسانية، وقواعد أخلاقية، وشؤون فنية وإدارية.
ثم تحدّثتُ في الفصل السابع عن أهل الشورى وصفاتهم، وطريقة اختيارهم، وذكرتُ أهمَّ صفاتهم كالعلم، الأمانة، والخبرة.
ولخّصتُ في الفصل الثامن أهمَّ صلاحيات مجلس الشورى ووظائفه، وتكلّمت عن الأصول والقواعد الشرعية التي تؤيد تطوير المؤسسة الشورية، كقاعدة سدٍّ الذرائع، والمصالح المرسلة، والاقتباس لما فيه مصلحة وخير.
وسألت: هل يمكننا الاستفادة من الديمقراطية؟ وما هي آفاتها؟ وما هي الفروق بينها وبين الشورى؟ وما أوجه الاتفاق معها؟.
وركّزت على العلاقة بين الإصلاح والشورى، فمشاريعُ الإصلاح التي تدندن حولها الأحزابُ والدول والمنظمات والمؤسسات ودعاةُ الإصلاح في عالمنا العربي والإسلامي الكبير مرتبطةٌ جذرياً بالشورى.
فالإصلاحُ الداخلي، هو النابعُ من الأمة ذاتِها، من عقيدتها وثقافتها، ومن شخصيتها الحضارية، واستعداداتها النهضوية، وهو الإصلاح التي تكونُ الأمةُ مؤمنةً به، متفاعلةً معه، مشجعةً له، داخلةً فيه، أو على الأقل لا ترفضه، بل تتجاوب معه ولو نسبياً.
وأشرتُ إلى أهمية الحرية للشورى، وأنها لا تنجحُ ولا تستمرُّ إلا في ظل الحرية، وأجواء الحرية؛ حرية الضمير، وحرية التفكير، وحرية التعبير، فالشورى من دون حرية حقيقية لا يمكنُ أن تتم، وإذا تمّت فلن تستمرّ، وإذا استمرّتْ فليستْ هي، وإنّما هي أسماء وأشكال ورسوم.
أما الفصل التاسع: فقد تحدّثت فيه عن أزمة الشورى في واقع المسلمين، بينت فيه خطر الاستبداد، ثم تحدّثتُ عن ثقافة المجتمع من الجانب المعرفي والعاطفي والتقويمي.
ثم تعرّضت في الفصل العاشر لأهمية تفعيل حقيقة الشورى في الشعوب الإسلامية، وأهم الوسائل والرؤى التي تساعد على عودة الشورى إلى حياتهم، كتفعيل المجتمع المدني، والمؤسسات الشعبية، ورفعِ الهالات والقداسة عن الرؤساء والحكام، والإصرار على أنّ الحكم الإسلامي مدني لا عسكري، ومواجهة التحديات الحضارية، والحرص على حرية البحث العلمي واستقلاليته، والاستجابة لمتطلبات الشعوب والتغيرات التي تحدث في المجتمعات وفق مقاصد الشريعة، وإشاعة ثقافة الشورى في الأُسر والمدارس، والنوادي والجامعات، والروابط والنقابات، ومحاربة الاستبداد والتصدي له، فالاستبداد لا ينتمي إلى الإسلام البتة، بل إنّه نقيضُ الشورى حتماً، وفيه من الصفات والأوصاف ما يعكس خلاف الشورى في كلِّ صغيرة وكبيرة.

ركائز الدولة
إنَّ فلسفة الحكم في الدولة المدنية الحديثة التي مرجعيتُها الإسلام ترتكز على الشورى، التي ذكرتْ في القرآن الكريم، ومارسها الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاءُ الراشدون، فقد عرفت طريقها إلى الحياة السياسية، وأصبحت من ركائز الدولة في عصر صدر الإسلام.
وهناك أصولٌ شرعية تلازِمُ الشورى كمبدأ إسلامي أصيل من أهمها:
* أنَّ الإسلام اعتبر الشورى منهج حياة إنساني، فضلاً عن كونها ضرورية في نظام الحكم.
* إن طبيعة الحكم الإسلامي على مدار العهد النبوي ومروراً بخير القرون كان حكماً شورياً على الرغم من منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، ومكانة الخلفاء الراشدين بين عموم الصحابة رضي الله عنهم.
* أنَّ تشريع الشورى بذاته قائم على المصلحة ودرء المفسدة، وهذا لا ينحصِرُ في الشورى، فالتشريعات الإسلامية كلها قائمة على ذلك من جلب مصلحة، ودرء مفسدة.
* أنَّ الشورى تتلاحَمُ وتنصبغُ بفكرة مقاصد الشريعة الكلية، ولها علاقة وثيقة الصلة بالضرورات الخمس التي تناولها الأصوليون بالتحليل والدراسة والبيان، إذ من الطبيعي في أيِّ نظام شوري أن تتحقق الضرورات الخمس، وأن تُحْفظَ بعمومها، وهذا ليس خاصاً بالمسلمين على التحديد، بل يشمل غيرَهم.
ولا شك أنَّ أيَّ نظام ديكتاتوري أو تسلطي أو استبدادي يقضي على هذه الضرورات، وتضيعُ في ظل إجراءاته المستبدة، والتاريخ يصدّق هذا.