السودان بين سياسي وشاعر

alarab
منوعات 13 سبتمبر 2014 , 08:49ص
قدم إلى الخرطوم من ريف بعيد طالب اضطره القبول في جامعة النيلين أن يفارق أهله لأول مرة.. وشاءت الصدف أن يتعرف على أحد أبناء قلب العاصمة الذي لم يغادر الخرطوم قط، بل لم يقطع الكبرى إلى أمدرمان أو بحري إلا نادراً. تلاقى حنين القروي الدائم إلى ريفه مع شوق من العاصمي إلى الأرياف، فظل الأخير يستزيد صديقه من القصص التي يرويها عن قريته وعن أهله. شغف العاصمي بـ (غموض) الريف شجّع القروي على أن يضفي على قصصه زيادات ورتوش ومساحيق حتى تحول وجه الريف الحقيقي إلى وجه غريب. تشكلت للريف في ذهن العاصمي صورة عن النسيم العليل وحسان مثل الحور والراعي صاحب المزمار والليالي المقمرة واللبن الذي لا يجد من يشتريه، فاض به الشوق، فألح على صديقه أن يصحبه في زيارة إلى قريته البعيدة، وقد كان؛ لكن لم تكن القرية كالصورة التي رسمها العاصمي بخياله. كان جو القرية حاراً، وضايقه الذباب كثيراً مثلما ضايقته روائح الزرائب. ولسوء حظه لم تصادف زيارته الليالي المقمرة، فقضى ليلتين مظلمتين لم يستمتع فيهما بنسيم عليل سمع عنه في قصص صديقه، قابل أناساً مختلفين، ابتسم بعضهم في وجهه وصافحه بعضهم بحرارة ولم يأبه به آخرون. وعرف عند زيارته المتجر الوحيد الذي يعتبر مثل النادي النهاري أن كثيرين من أهل القرية يشترون اللبن المجفف، ويدخن شبابها خلسة خلف الدكان ويتجادلون حول الهلال والمريخ، وسمع أحدهم يدندن (والله نحن مع الطيور...) بينما كان العاصمي يمني نفسه بسماع (دوبيت) يحكيه لأصحابه في الخرطوم، الذين ينتظرونه على أحر من الجمر ليسمعوا منه أساطير الريف، مع إحساسه بخيبة الأمل، قفزت إلى ذهنه صورة ابن عمه السياسي الذي يحكي لهم قصصاً مكررة عن أهل السودان الذين لا يشبهون أياً من شعوب العالم ولا يمكن لأي شعب أن يتشبه بهم، ويكفي السودانيين أنهم (يقعدوا في الواطة) عند أي مشكلة ويجدون لها الحل مهما كانت مستعصية، وهو ذات الرجل الذي يبكي مشروع الجزيرة والسكة حديد والخدمة المدنية وحنتوب وخورطقت وجامعة الخرطوم.. ويزين حائط صالونه الكبير بصور إسماعيل الأزهري والإمام الهادي وعبدالخالق محجوب والشفيع ومحمد صالح عمر وجوزيف قرنق وسارة عبدالباقي ومحمود محمد طه وعبدالبديع علي كرار وحسن حسين ومجدي وعلي فضل وغيرهم من ضحايا القعاد في الواطة.
اطلع سياسي يصف نفسه بالواقعية على هذه القصص التي تجنح للخيال وإلى قدر من الرومانسية، وعلق عليها بقوله: إنه يفضل الخيال ولو كان شاطحاً على سياسة بلا خيال، فالخيال حسب رأيه محفز للإبداع والإنجاز، كما أنه يضع تصوراً للوضع البديل والحال الذي (يحلم) به السياسي والمواطن. ويعزز السياسي الواقعي رؤيته بالتنبيه لظاهرة جلد الذات التي يقدمها آخرون في مقابل المبالغة في تمجيد الوطن وتاريخه وتقاليد شعبه. ويشير إلى الذين يبخسون إنجازات حقيقية للسودان بما في ذلك استقلاله، ومن ثم لا يستغرب من هؤلاء المحبطين تبخيس مؤتمر الخرطوم أو التقليل من أهمية تأسيس السودان للاتحاد الإفريقي أو التشكيك في فوز السودان ببطولة الأمم الإفريقية أو إنكار تأثير الفن السوداني على الشعوب الإفريقية. وينادي هذا الواقعي بغرس كل ما ينمي الانتماء للوطن شريطة عدم الجنوح للأوهام، وفوق ذلك شريطة ألا يتحول الانتماء إلى تعصب يجعل الوطني مباهياً بغرور، وكارهاً لجيرانه محقراً لهم ما داموا غير منتمين لهذا الوطن المقدس. وينبه إلى أن الأوطان الحالية حدود رسمتها اتفاقات لم نكن طرفاً فيها، وعليه فلن تكتسب أرض قداسة لمجرد ضمها إلينا وتفقد القداسة بانفصالها عنا. الوطن يعبر عن خصوصية مكانية وثقافية تجعلنا نتكامل مع إخوة لنا في الإنسانية، وأقربهم الجيران.• aim.hamad@yahoo.com