في سوريا.. دماء الشهداء أفسدت فرحة رمضان

alarab
باب الريان 13 أغسطس 2011 , 12:00ص
عبدالغني عبدالرازق
في هذا التوقيت من العام الماضي كان الشعب السوري يستعد لاستقبال شهر رمضان من خلال تزيين المساجد وتنظيف الطرقات، وهذا العام يأتي شهر رمضان على الشعب السوري ولكنه لم يستطع أن ينتزع الحزن من قلوب السوريين على أبنائهم الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل أن تسود الحرية في سوريا، والأكثر من ذلك أن النظام لم يرحل بل ما زال يقتل أبناء الشعب الذين يعترضون على وجوده. استعدادات مبكرة كانت الاستعدادات لشهر رمضان في سوريا تبدأ من بداية دخول شهر رجب حيث يصومون بعض أيام هذا الشهر، خاصة يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، كما يحتفلون بليلة الإسراء والمعراج. ويبدأ الناس في شهر شعبان في شراء المواد الاستهلاكية وما يحتاجون إليه في هذا الشهر الكريم. وفي أول أيام شهر رمضان يبدأ الناس في التسابق على الذهاب للمساجد، وتشهد صلاة التراويح إقبالا غير عادي، وأغلب المساجد لا تلتزم بقراءة ختمة كاملة من القرآن خلال صلاة التروايح، لكن بعضها يلتزم ذلك ويحرص عليه، والبعض الآخر -لكنه قليل- يقرأ ختمتين من القرآن: أحدهما في صلاة التراويح قبل العشر الأواخر، والأخرى في قيام العشر الأواخر من رمضان. أطعمة خاصة لشهر رمضان في السنوات الماضية اعتاد السوريون على صناعة أطعمة خاصة بشهر رمضان حيث لا تخلو المائدة الرمضانية عند أهل الشام من طعام الحساء «الشوربة»، إضافة إلى الفول والحمص «الفتة»، وبلغة أهل الشام «التسقية». وتنضم إلى هذه الأطعمة أصناف أخرى تتبع أذواق الناس ورغباتهم، تشكل فيها اللحوم عنصرا أساسيا، مثل: «الرز بالفول» و «الملوخية» و «البامية» و «الكبة»، وغير ذلك من أسماء الأكلات الشامية التي لا يفي المقام بذكرها. وتبقى السلطات بأنواعها والخضراوات بأصنافها، كالفجل والبصل الأخضر، لا تخلو منها المائدة الشامية أثناء تناول طعام الإفطار خلال هذا الشهر الكريم. ومن الأطعمة التي تُصنع خصيصا في شهر رمضان، طعام يسمى «المعروك»، وهو نوع من أنواع المعجنات يتناوله الناس مع طعام السحور، وهو عبارة عن عجين من القمح، مضاف إليه قليل من السكر والخميرة، ثم يخبز ويوضع عليه قليل من السمسم. وهناك طعام آخر لا يصنع إلا في شهر رمضان يسمى «ناعم» وهو أيضا من طائفة المعجنات يباع قبل الإفطار، وهو عبارة عن عجين الطحين بعد أن يرقق ويقلى بالزيت ثم توضع عليه مربى الدبس. ومن أنواع الحلوى التي تلقى مزيدا من الإقبال في هذا الشهر الفضيل: «القطايف»، وإلى جانبها «الكنافة» وهي نوعان: نوع بالقشدة يسمى «مدلوقة»، والنوع الثاني بالجبن ويسمى «نابلسية». وهذان النوعان من الحلوى من أهم أنواع الحلوى التي تلقى إقبالا خلال هذا الشهر الكريم. ويتناول الناس الحلوى بعد عودتهم من صلاة التراويح وأثناء اجتماعاتهم المسائية. طقوس السحور أما السحور هناك فله مذاق خاص حيث يمر المسحراتي كل يوم لإيقاظ الناس من نومهم لتناول طعام السحور، ويبدأ جولته قبل أذان الفجر بساعتين تقريبا كي يتمكن من إيقاظ أكبر عدد من أهل الحي، ويستعمل «الطبلة» حيث يقرع عليها بعصا صغيرة، ويردد أثناء ذلك عبارة «قوموا يلي ما بدوموا» وقد كان المسحراتي في فترة من الفترات يشكل عنصرا حيويا في شهر رمضان، ويعتمد عليه كثير من الناس في استيقاظهم للسحور، حتى إنه كانت توجد نقابة خاصة بمن يمارس هذه المهنة تتولى تنظيم العمل بين أفرادها، وتوزيع المناطق التي يتناوبون عليها. أما في أوقاتنا الحاضرة فقد بدأت هذه العادة تتلاشى وتضمحل، حتى أصبح المسحراتي يأتي في الأيام الأولى من شهر رمضان، ثم يغيب نجمه فلا يظهر إلا مع ظهور هلال شوال يوم العيد، حيث يأتي على البيوت والفرحة على وجهه من أجل أن يأخذ «العيدية» أو ما تجود به أيدي الناس من الأطعمة، ثم يولي هاربا، ولا يُرى إلا مع بداية رمضان القادم. كما تنقل إذاعة دمشق مباشرة من مسجد بني أمية وقائع فترة السحور، والتي تشتمل على تلاوة من القرآن الكريم، وبعض الأناشيد الدينية المتعلقة برمضان، ثم يؤذن للإمساك قبل ربع ساعة من أذان الفجر، يتلو ذلك قراءة للقرآن إلى أن يحين وقت أذان الفجر، فيؤذن له، وبه يختم البث الإذاعي لهذه الوقائع. وتبث أيام جُمع هذا الشهر الفضيل عبر الإذاعة وقائع صلاة الفجر، حيث يقرأ فيها بسورتي السجدة والإنسان. ولكن بسبب انتشار الفضائيات أصبح بعض الناس ينصرفون عن متابعة طقوس السحور إلى مشاهدة المسلسلات والأفلام. الأمر الذي جعل ظاهرة السهر والنوم في وقت متأخر أمر عادي عند الكثير من الناس، بل أصبح البعض يتناول طعام السحور قبل أن يذهب إلى فراش نومه، ثم ينام حتى تفوته صلاة الفجر، وبركة ذلك الوقت الفضيل. وداع رمضان عندما يشارف شهر رمضان على المغادرة والفراق يدخل قلوب الناس الحزن والأسى، وكأن ضيفا كريما وعزيزا عليهم سوف يتركهم ويودعهم، حتى إن بعض الناس يذرفون الدموع، ويتحسرون على انتهاء هذا الشهر المبارك، خاصة لدى سماعهم الأناشيد الدينية التي تعبر عن لحظات الفراق والوداع، والتي تبثها الإذاعة السورية في وقت السحر، ومن تلك الأناشيد التي تقال في هذه المناسبة نشيد مطلعه: «فودعوه ثم قولوا له: يا شهرنا قد آنستنا..» ويقال هذا النشيد يومي الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من الشهر الكريم. وتستعد العائلات لتحضير حلوى العيد، ومن أنواع الحلوى المعهودة في هذه المناسبة ما يسمى «المعمول» وهو عجين يدعك بالسمن ثم يحشى بالفستق أو الجوز أو التمر. وقد كانت العائلات تقوم بصنع هذه الحلوى بنفسها، غير أن الكثير منهم الآن بدأ يتخلى عن هذه العادة، ويسعى لإحضارها من المحلات المتخصصة بصنعها. هذه هي العادات التي اعتاد السوريون على اتباعها في السنوات الماضية، ولكن هذا العام الوضع مختلف تماما فرمضان لم ينجح في انتزاع الحزن من قلوب السوريين، فمنهم من فقد ابنه ومنهم من فقد صديقه ومنهم من فقد أباه ومنهم من غادر سوريا خوفا من الموت، والأكثر من ذلك أن النظام ما زال باقيا وهو مستعد لأن يقتل الشعب السوري بأكمله إذا استلزم الأمر.